الأهداف الأميركية الروسية من عملية نبع السلام التركية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

11 أكتوبر / تشرين الأول 2019
تلفزيون سوريا

بعد أن كانت قوات سوريا الديمقراطية تمثل درَّة تاج الاستثمار الأميركي الميداني في سوريا تحت عنوان محاربة الإرهاب الداعشي، جاء تخلي ترمب عن هذا الاستثمار مفاجئا، وخصوصا أنه سبق بإجراءات وتمهيدات فرضت على هذه القوات التخلي عن تحصيناتها وأسلحتها الثقيلة.

ترك الانسحاب الأميركي المصحوب بإنهاء التحفظ حول قيام تركيا بعمليات عسكرية في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية تحت رحمة ما وصف بأنه حكم إعدام مبرم موجّه للأحلام الكردية بإقامة دولة مستقلة في سوريا، كانوا يعتقدون أنها ستقدم لهم كمكافأة على نجاحاتهم المشهودة في الحرب ضد تنظيم الدولة.

ولكن السؤال الذي لا بد من طرحه في هذا المقام يتعلق بالنظر إلى السلوك الأميركي، وإذا ما كان يمكن اعتباره مفاجئا وغادرا، كما يحلو للكثير من المحللين والمعلقين السياسيين وصفه.

في الحقيقة فإن منطق التخلي عن الحلفاء والتفاهم مع الخصوم بات سمة السياسة الأميركية منذ ما قبل مرحلة ترمب التي لم تخالف في بنيتها العميقة منطق سلفه الديمقراطي أوباما، بل عملت على توكيد هذه الاستراتيجية بطرقها الخاصة، والتي يمكن تلخيصها بنزعة تحويل العالم كله إلى مستودع حروب وأزمات اقتصادية وجثث انطلاقا من منطقة الشرق الأوسط.

لا يخرج منطق إدارة الأزمة السورية عن هذا السياق، بل يعمل على توكيده واستكماله، وإذا كان

 تسمح هذه العملية بتعميق الشراكة الروسية التركية، ولكن تحت سقف أميركي يرجح أن يتجلى لاحقا في تركيب معادلات تتعلق بالداخل السوري

البحث في الأهداف التركية وراء العملية شديد الوضوح ولا يحتاج إلى كثير من التحليل فإنه من الضروري الكشف عن الأهداف الأميركية الروسية وكذلك الأوروبية من وراء السماح بهذه العملية، وتأييدها الفعلي أو الضمني.

 تسمح هذه العملية بتعميق الشراكة الروسية التركية، ولكن تحت سقف أميركي يرجح أن يتجلى لاحقا في تركيب معادلات تتعلق بالداخل السوري، وفي تنظيم شؤون إدارة مواقع النفوذ بشكل لا يسمح لأي طرف بأن يكون صاحب اليد الطولى في أي قرار يتعلق بمصير سوريا.

وكذلك تستجيب هذه العملية لمصالح روسيا لأنها تقدم لها تعويضا فاعلا عن الحضور الإيراني الميداني الذي تقدم إيران نفسها من خلاله كشريك مضارب للروس في النفوذ، لذا لم  ينجح الإيرانيون في إخفاء استيائهم من العملية ومعناها الاستراتيجي والسياسي، ومدى تأثيرها على مشاريع إيران التفاوضية.

ومن ناحية أخرى تنسج العملية معادلات حضور ميداني تمكن أميركا من استخدام الحضور التركي الميداني الذي يدين بموقعه للانسحاب الأميركي للضغط على ثلاثي إيران وروسيا والنظام السوري، وتدبير مصالح وموقع أمن إسرائيل.

ولعل كلام ترمب الذي سبق انطلاق العمليات يشي بأن المسائل محددة سلفا، فهو قال إن أميركا لن تتخلى عن الأكراد الذين أغدق عليهم صفات شعرية لناحية وصفهم بأنهم شعب مميز وأنهم مقاتلون رائعون، معلنا في الوقت نفسه أن العلاقة مع تركيا يجب أن تبقى جيدة لأنها شريكة أميركا في الناتو إضافة إلى كونها شريكة تجارية.

ولكن هذه التصريحات تزامنت مع تصريحات أخرى تحدد بدقة طبيعة التعامل الأميركي مع الموضوع. الرئيس الأميركي ترمب كرر في موقفه من العملية التركية ما كان يشير إليه تصريحا وتلميحا في علاقته مع السعودية، وهو أن تركيا ستكون وحدها في الميدان وأن أميركا لن تدعم العملية كما أنها ستكون مسؤولة عن جميع مسلحي التنظيم في سجون سوريا الديمقراطية.

ما تعلنه التصريحات الترامبية يُرسِّخ بنية عدم الرفض وعدم الممانعة مع تحميل المسؤوليات عن النتائج، أي أنها بنية توريط كاملة المعالم، فأميركا الحالية تتدخل أكثر عبر الانسحاب والتراجع، وترك الآخرين يغرقون في رمال الشرق الأوسط المتحركة.

من هنا تجدر الإشارة إلى البعد المتعلق بأسرى تنظيم الدولة المحتجزين في سجون قوات سوريا الديمقراطية، والذين يشكلون أزمة عميقة لكل من الروس والأوروبيين، ويمثلون بشكل ما نقطة المقايضة الأساسية التي أطلقت أميركا بموجبها يد تركيا في الشمال السوري.

بدا لافتا أن أميركا ترمب الميَّالة إلى التخفف من الالتزامات والأعباء، أبدت استعدادها لتَسَلُّمِ هؤلاءِ المساجين والتكفلِ بأعبائهم، في ظل رغبة عامة بعدم استردادهم من قبل دولهم الممتدة على كامل خريطة أوروبا والدول المحاذية لروسيا.

تبيع أميركا إذن الأوروبيين والروس ملف الداعشيين من حملة الجنسيات الأوروبية والشيشانية وغيرها، مقابل إنفاذ رؤيتها في المنطقة والعالم، والتفاوض على ملفات واسعة تتصل بالأمن والتجارة العالميين، وخصوصا في

لا يريد الأوروبيون فتح باب مسارات قانونية وسياسية معقدة تترتب عن استعادة الداعشيين، وتحمل الكلفة الباهظة لمثل هذه المسارات

معركتها الحامية مع الصين، وهي قد اختارت هذا الملف تحديدا لما ينطوي عليه من إحراجات سياسية وقانونية واقتصادية لكل هذه الدول.

تضمن أميركا من خلال سيطرتها على هذا الملف الإمساك بمفاصل الأمن والاقتصاد الأوروبي، وكأنه قد بات لديها صندوق أسرار الدور الأوروبي في صناعة التنظيم، كما أنها تخاطب روسيا من خلال مدخل حرج، يتعلق بذاكرة الجهاد والجهاديين المعادين لروسيا والذين ينتظرون الظروف الملائمة لتصفية الحسابات معها.

كذلك لا يريد الأوروبيون فتح باب مسارات قانونية وسياسية معقدة تترتب عن استعادة الداعشيين، وتحمل الكلفة الباهظة لمثل هذه المسارات وما قد تثيره من اضطرابات وخلافات سياسية، كما تخشى من أن يصار إلى تركيب عمليات أمنية انتقامية تؤثر على الاقتصاد الأوروبي المتعثر.

هكذا لا يكون مستبعدا أن تسرع هذه المناخات في تطبيق الرؤية الأميركية لإدارة الأزمات في المنطقة والعالم، بشكل يستجيب لمصالح أميركا، حيث يرجح أن يصار إلى تشكيل قوة دولية لحماية الملاحة في مضيق هرمز، وتركيب أطر التفاوض مع إيران المتلازمة مع التسويق لمنظومات الدفاع الأميركية الباهظة ضد هجمات الطائرات المسيرة، وتسريع وتيرة قرع طبول السلام مع إسرائيل التي تسمع أصداؤها في كل المنطقة.