الإبادات الأميركية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

العربي الجديد

ضجّةٌ أحدثها نشر جزء من تقرير الكونغرس عن استخدام وكالة الاستخبارات الأميركية وسائل تعذيب، عند استجواب المشتبه بهم، بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001. ربما لا يقتنع إلا قلة في وطننا العربي بأن أميركا تلتزم بالمواثيق الدولية في حالات الحروب، أو تحترم حقوق الإنسان حول العالم، مع ذلك، من المهم التذكير، هنا، بأن القتل والتعذيب وحرق المساكن والمزارع عملٌ ممنهجٌ تقوم به الولايات المتحدة، منذ تأسست بذرتها الأولى على يد المستعمرين الإنجليز. تؤكد الرواية التاريخية الأميركية الرسمية أن "العالم الجديد" كان شبه خاوٍ من البشر، ولا تاريخ له قبل مجيء الرجل الأبيض، صانع "الحضارة" في هذه القارة المجهولة. أما السكان الأصليون من الهنود الحمر، فلم يكن عددهم يتجاوز المليون، أو المليونين، في أقصى تقدير، وقد تضاءل عددهم ليصل إلى ربع مليون في إحصاء عام 1900، بسبب حروبٍ خاضوها مُعتَدِين على البيض المستعمرين، أو بسبب الأوبئة التي حملها الأوروبيون من دون قصد.

وقد تحدث "أضرار جانبية" تواكب انتشار الحضارة، لكنها غير متعمدة، وهامشية. يوثق منير العَكَش، في كتابه "أميركا والإبادات الجماعية" ما يهدم هذه الأسطورة، ويؤكد، اعتماداً على أبحاث ومصادر عدة، أن سكان أميركا الشمالية في زمن كولومبوس كانوا أكثر من مائة مليون، وأنه، في تلك القارة، عاش أكثر من 400 شعب وقبيلة من الهنود، تم القضاء على غالبيتهم الساحقة في حرب إبادة جماعية، تمكن المستعمرون البيض عبرها من الاستيلاء على أراضيهم، باستخدام كل الأسلحة، بما فيها نشر الأوبئة في تجمعات الهنود. جاء المستعمرون الإنجليز إلى العالم الجديد، يحملون مبررات دينية للاستيلاء على أرض السكان الأصليين، وإبادتهم، وكان وليم برادفورد، حاكم مستعمرة بليموث (أول مستعمرة فيما صار يُعرف بنيو انغلاند)، يفاخر بنشر الأوبئة بين الهنود وقتلهم: "فما يرضي الله ويفرحه أن تزور هؤلاء الهنود، وأنت تحمل إليهم الأمراض والموت. هكذا يموت 950 من كل ألف منهم، وينتن بعضهم فوق الأرض، من دون أن يجد من يدفنه.

إن على المؤمنين أن يشكروا الله على فضله هذا ونعمته". هذا الخطاب الديني استُخدم بكثرة من المستعمرين الإنجليز، وبرر ارتكاب الفظائع والمجازر التي أبادت ملايين الهنود. كان قتل الهنود مهمة حضارية، بحسب تعبير جورج واشنطن، أول رئيس للولايات المتحدة، إذ يؤكد، في إحدى رسائله، أن "طرد الهنود من أوطانهم بقوة السلاح لا يختلف عن طرد الوحوش المفترسة من غاباتها"، وقد أطلق هنود السينيكا على جورج واشنطن لقب "هدّام المدن"، إذ هدم 28 مدينة من أصل 30 من مدنهم. سار الآباء المؤسسون على خطى واشنطن، وكاتبُ إعلان الاستقلال، الرئيس توماس جيفرسون، يؤكد "إننا مجبرون على قتل هؤلاء الوحوش، أو طردهم مع وحوش الغابات إلى الجرود".

قامت عمليات قتل وتهجير واسعة، وكبيرة جداً، وثّقها منير العَكَش بشهادات تفصيلية، والمنهج الدموي الأميركي لم يتوقف على القتل والتدمير، بل تجاوز ذلك إلى قطع الرؤوس، وسلخ فروة الرأس، والتمثيل بالجثث. كانت السلطات الإنجليزية الاستعمارية تقدم مكافآت سخية لمن يأتي من البيض برأس هندي، وانتشر قطع رؤوس الهنود في أميركا. وبعد تأسيس الجيش الأميركي، أصبح التمثيل بالجثث تقليداً رسمياً، وكان الرئيس أندرو جاكسون (تتوسط صورته ورقة العشرين دولار) من عشاق التمثيل بالجثث، وكان يأمر بحساب عدد القتلى عبر إحصاء أنوفهم المجدوعة، وقد احتفل حين كان قائداً عسكرياً، بقتله مجموعة من هنود الكريك عام 1814، عبر تمثيل جنوده بجثث 800 هندي من النساء والرجال والأطفال.

المنهج الدموي الأميركي الذي أباد الهنود الحمر تم استخدامه، لاحقاً، في الحروب الخارجية، ففي الحرب العالمية الثانية، نالت اليابان نصيباً من الدموية الأميركية، ليس فقط بإلقاء القنبلة النووية على هيروشيما وناجازاكي، بل، أيضاً، عبر القتل والتمثيل بالجثث، وإرسال جماجم اليابانيين هدايا إلى الولايات المتحدة. وفي حرب فيتنام، قام الأميركيون بأعمال إجرامية فظيعة، واحدة منها هي عملية العنقاء، وهي عملية بدأت أواخر عام 1967، نفذها الجنود الأميركيون تحت إشراف وكالة الاستخبارات الأميركية، وفيها يُقتل كل من يُشتبه بأنه من الفايتكونغ (الجبهة الوطنية لتحرير جنوب فيتنام).

ويعترف وليم كولبي، الذي كان يدير عمليات "سي آي أيه" في فيتنام، أن حصيلة قتلى العملية من المدنيين تجاوز في نهاية عام 1971 عشرين ألف قتيل، وقد كان المدنيون المتعاطفون مع الفايتكونغ يُعتقلون بالآلاف، ويموتون تحت التعذيب. من اليابان وفيتنام، إلى أفغانستان والعراق، مروراً بالصومال وأميركا اللاتينية، لا تتوقف الجرائم الأميركية، لكن التركيز على فظاعتها ليس بالقدر الكافي، ويبدو مثيراً للاشمئزاز، مع مراجعة تاريخ الإجرام الأميركي، سماع مسؤول أميركي يستفظع جرائم تنظيم داعش (وهي قطرة في بحر الإجرام الأميركي)، خصوصاً أن هذا التنظيم يتشابه، في سلوكه، مع نموذج بناء الدولة الأميركية، القائم على مراكمة الجثث، واستخدام مبررات دينية للقتال، وإقصاء المختلفين عنه بالقتل والتهجير. التذكير المستمر "بالجرائم التأسيسية" للأميركيين، ضروري لمواجهة دعاية أميركية، تحاول تجميل الإجرام، بحديث معسول عن مهمة رسالية، لتعزيز (حقوق الإنسان) في العالم.