الاتفاقية النووية الأمريكية الإيرانية وتغير ميزان القوة في الشرق الأوسط

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

9/3/2015
The Telegraph
المؤلف: 

(ترجمة السورية)

كان الرجل ذو الشعر الفضي والطبيعة الماكرة واقفاً أمام خريطة بينما كان يقدم له أحد الضباط تقريراً حول هجومهم. ثم باشر الجنرال قاسم السليماني بجولة على الجبهات الأمامية المنتصرة، وهو يتلقى قبلات الجنود الممتنين.

وكالعادة، لم يحمل زيه أية شارات تدل على الرتبة ولا على شارات ذهبية، لأن الجنرال السليماني لا يرى أية حاجة لإظهار أنه القائد العسكري الأهم لإيران وقائد "قوة القدس" النخبوية في الحرس الثوري.

لأشهر عديدة، كان الرجل الممتلئ الجسم البالغ من العمر 59 عاماً، والذي تجنب ارتداء زي الجنرال وارتدى زياً بسيطاً بلون رملي وكوفية بيضاء، هو العقل المدبر الخفي وراء هجوم العراق لمواجهة "الدولة الإسلامية".

لطالما كانت الإشاعات تدور حول وجوده في بغداد، ولكن في الأسبوع الفائت تقدم الجنرال السليماني من الظلال و– في عرض متواضع – متمتعاً بهتاف قواته. كانت المناسبة سلسلة من الانتصارات العسكرية خارج مدينة تكريت، التي تبدو على وشك السقوط مجدداً في أيدي إرهابيي "الدولة الإسلامية في العراق والشام".

وكما يبدو، فإن الظهور المفاجئ للجنرال السليماني في العراق تعلق بحدث آخر مهم يحدث في الطرف الثاني من العالم. ففي واشنطن الثلاثاء الماضي، وقف بنيامين نتنياهو أمام الكونغرس وبسلطته كرئيس وزراء لإسرائيل أدان الاتفاق الذي شُكل بين أمريكا وإيران والمصمم لتقييد البرنامج النووي الإيراني.

ما هو الرابط الخفي الذي جمع بين هذين الخصمين اللدودين، الجنرال الإيراني والقائد الإسرائيلي؟ باختصار، يخشى نتنياهو من أن الاتفاق النووي الوشيك سيطلق طموحات إيران الهادفة لتخريب وتقويض ومد نفوذها على عدد من الدول في أنحاء الشرق الأوسط – الطموحات التي يرمز لها الجنرال السليماني.

أما بالنسبة لإيران، فإنها تريد إيصال رسالة مؤكدة: أنه حتى وإن تنازل دبلوماسيوها لتحقيق الاتفاق النووي لتخليص البلاد من العقوبات، فإن الجنرال السليماني وقواته سيضمنون بقاء "الجمهورية الإسلامية" الشيعية كقوة صاعدة، مصممة على إعادة تشكيل الشرق الأوسط بأكمله كما تريد. كما قال الجنرال بنفسه لوسائل الإعلام الرسمية في طهران: "اليوم نرى دلالات على تصدير الثورة الإسلامية في كل أنحاء المنطقة – من البحرين إلى العراق ومن سورية إلى اليمن وشمال إفريقيا".

وهذا بالتحديد ما يخشاه نتنياهو والقادة السنة في الخليج. فهم يعتقدون أن الاتفاق النووي بين إيران وأمريكا سينذر بتغيير مهم في ميزان القوة في الشرق الأوسط. ويعتقدون بشكل خاص بأن الاتفاق لحل القضية النووية سيمثل قبولاً أمريكياً لهيمنة إيران على أجزاء من المنطقة.

إن المخالب الإيرانية ممتدة بالفعل بشكل واسع. ففي لبنان، للجمهورية الإسلامية نفوذ أكثر تأثيراً من نفوذ أية قوة أجنبية، بفضل علاقتها سرية الطابع مع "حزب الله"، الحركة الشيعية المتطرفة. وفي سورية، كان الجنرال السليماني هو العقل المدبر للخطط العسكرية الهادفة لإبقاء بشار الأسد في السلطة، فوظف الآلاف من قوات الحرس الجمهوري و"حزب الله". وفي العراق، يقود الجنرال السليماني القتال البري ضد "الدولة الإسلامية"، معززاً من التحالف الوثيق لبلاده مع الحكومة ذات القيادة الشيعية في بغداد.

وفي اليمن، سيطر الثوار الشيعة على العاصمة، صنعاء، بفضل الأسلحة والدعم الإيراني. وكل هذا أدى لتباهي المسؤولين الإيرانيين بأن هذه العواصم العربية الأربع – بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء – خاضعة لسيطرتهم الواقعية.

إن استطاعت إيران تحقيق هذا في ظل العقوبات والتنافس مع أمريكا، إذاً فما الذي قد سيحدث في حال أنهى الاتفاق النووي الحظر والعداء مع القوة العظمى؟

"إن القضية النووية ما هي إلا إحدى عوارض المرض الحقيقي،" حسبما قال جوناثان آيل، رئيس الدراسات الأمنية في مؤسسة الخدمات الملكية المتحدة. "المشكلة الحقيقة هي ميزان القوة في المنطقة ومكانة إيران في الشرق الأوسط. إن الحكومات الملكية العربية تنظر لهذا الأمر بطريقة ثنائية ووفق معايير وجودية".

مع كل عداوتهم الرسمية مع "الكيان الصهيوني"، إلا أن المملكة العربية السعودية والحكام الآخرين في الخليج يشاركون إسرائيل مخاوفها. فالكل يتوقع أن إيران ستقدم تنازلات تكتيكية حول برنامجها النووي كي تسمح لها أمريكا بتحريك المزيد من الفوضى في الشرق الأوسط.

ولكن هل هذه المخاوف مبررة؟ السؤال الأول هو هل الاتفاق النووي وشيك فعلاً. عبر مفاوضات أمريكا مع إيران حول القضية النووية كعضو من مجموعة 5+1– التي هي مجموعة اتصال تتألف من خمسة أعضاء دائمين في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا. التي حددت الأطراف وفقها موعداً نهائياً بالرابع والعشرين من آذار لتحقيق الاتفاق السياسي حول البرنامج النووي، بالإضافة لثلاثة أشهر أخرى لإتمام التفاصيل التقنية.

في الواقع، تظهر الدلالات أنه قد تم تحقيق تقدم مهم بالفعل. في الماضي، كانت السنون تمر دون أن يحدث أي اتصال رسمي بين أمريكا وإيران. في الأسبوع الفائت فقط، عقد جون كيري وزير الخارجية الأمريكي، ثلاثة أيام من المحادثات مع وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف.

بعدها قال ظريف: "لسنا بعيدون عن معرفة شكل الاتفاقية". وأضاف: "نعتقد بأننا قريبون للغاية". وبشكل سري، يعبر الدبلوماسيون المشاركون بالمحادثات عن مفاجأتهم السارة بالتقدم الذي تم تحقيقه للاتفاق حول المواضيع الأصعب. وبشكل خاص فإن إيران وأمريكا قريبتان من الاتفاق على تنازل يتعلق بقدرة طهران على تخصيب اليورانيوم.

لقد كانت هذه المسألة قيد النزاع لأكثر من عقد من الزمن لأن تقنية التخصيب تلك بالإمكان استخدامها لتزويد محطات الطاقة – وهو الهدف الذي تصر إيران على أنه كل ما تريد – أو لتشكيل الأساس الانشطاري لسلاح نووي. وفق التسوية المحتملة، فإن إيران ستتخلص من عدد كافٍ من أجهزة الطرد المركزي لتضمن أن يكون علماؤها على بعد عام من تخصيب يورانيوم كاف لتصنيع قنبلة نووية واحدة.

ولكن هذا ليس جيداً بما فيه الكفاية، حسبما يقول نتنياهو والقوى العربية. فإنهم يرتجفون من فكرة بقاء إيران على الدوام على بعد 12 شهراً من التوصل لقنبلة نووية، خاصة بما أن الحد من عدد أجهزة الطرد المركزي سينقضي بعد عقد أو ما يقارب ذلك من الزمن.

ومع ذلك فإن المسألة الأكثر وضوحاً– التي لا زال من الممكن أن تعرقل الاتفاق – تتعلق بالعقوبات على النظام. إيران تريد أن ترفع العقوبات كلها في لحظة توقيع الاتفاق، وهو ما سيوفر ثروة فورية من عشرات مليارات الدولارات من الأصول التي سيرفع عنها الحظر. بينما تصر أمريكا على رفع العقوبات وفق مراحل، منوطة بمحافظة إيران على جانبها من الاتفاق.

ولكن وبأية طريقة كانت فإن الاتفاق سيؤدي في النهاية لرفع العقوبات وسيصب مليارات الدولارات من عائدات النفط إلى خزائن إيران. وإن كان المال هو القوة، إلا أن قادة "الجمهورية الإسلامية" سينتهي بهم الأمر مع مقدار كبير من الاثنين.

يقول القادة الدبلوماسيون بأحاديث خاصة إن الرئيس باراك أوباما مهتم فقط بإرثه الخاص. فهو يريد أن يصلح العلاقات مع إيران – ولن يتوجب عليه التفكير بذلك البلد مجدداً بعد أن يغادر البيت الأبيض في شهر كانون الثاني من عام 2017. أما دول المنطقة فسيكون عليها التعايش مع إيران طوال الوقت.

إن "الجمهورية الإسلامية" على شفا الانهيار الاقتصادي، وتعاني من عدم الكفاءة والفساد بمقدار ما تعاني من العقوبات. حتى وإن تم رفع الحظر وكل القيود غداً، فإن التجارب تدل على أن الحالة الاقتصادية المهيمنة في إيران ستبقى متعثرة بسبب فشل حكام البلاد.

وأثناء ذلك فمن غير الواضح على الإطلاق إن كانت مغامرات الجنرال السليماني قد خدمت أياً من المصالح الوطنية لإيران. في سورية، رمى بأرواح لا تعد ولا تحصى– ومليارات الدولارات التي لا تحتمل طهران خسارتها – في الهاوية التي يمثلها نظام متهاوٍ ملطخ بالدماء. فعبر دعمه للأسد، أطال الجنرال السليماني من أمد الحرب الأهلية السورية، وشكل أيضاً في مفارقة قاتمة الظروف الملائمة لصعود "الدولة الإسلامية".

اليوم، يقوم رجال الجنرال بمحاربة ومواجهة التهديد ذاته الذي ساعد قائدهم العظيم حسبما يفترض على وجوده.

وفي العراق في هذه الأثناء، وضع الجنرال السليماني ثقل إيران وراء المليشيات الشيعية الأكثر قسوة، مساعداً بهذا على زيادة نفور الأقلية السنية وعلى تشكيل الظروف الأفضل لهيمنة "الدولة الإسلامية" مجدداً. إن هذا العبقري الحربي المزعوم – هذا البطل العسكري المتواضع حسب الصورة التي تروجها له وسائل الإعلام الحكومية – قام بالواقع بترأس سياسة مهلكة أدت لزيادة الخطر على إيران بشكل كبير.

لذا فإن المخاوف من نمو إيران خاطئة على الأغلب. ولكن ذلك لا يهم كثيراً، لأن هذه المخاوف حقيقية وموجودة. والتبعات القاتمة لها هو أن المملكة العربية السعودية ودول الخليج ستستجيب على الأغلب إلى توقيع الاتفاق النووي بتصعيد حروبها الخاصة ضد إيران، التي تجري على أراضي معارك بعيدة في سورية والعراق واليمن.

"إن التأثير المتناقض للاتفاق النووي سيؤدي لمزيد من الاضطراب،" حسبما قال السيد آيل. "السلام في زماننا سيعني المزيد من الاضطراب".