الاتفاق النووي ثمرة تصاعد الانقسامات الدولية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

6/4/2015
العرب القطرية

أقل ما يمكن قوله في «الاتفاق الإطاري» بين مجموعة الـ 5+1 وإيران: إنه حصيلة «الممكن» في ظل الانقسام الدولي الراهن وبالنظر إلى التعنت الذي التزمته إيران ونجحت في توظيفه لتجميد سياسات الدول الست طوال ثمانية عشر شهراً في انتظار ما ستتوصّل إليه المفاوضات. لذلك يعتقد العديد من المحللين أن النتيجة ترجّح غلبة التكتيك الإيراني على الضغوط الغربية. ففي النهاية كان كل شيء يتوقف على استعداد طهران لتنازلات عن أوراق افتراضية (قنبلة غير موجودة قابلة للتأجيل، خفض نسبة تخصيب لليورانيوم، عدد المحركات في المفاعلات) لقاء تنازلات غربية عن أوراق تتعلق بمصالح إيرانية ملموسة (رفع العقوبات، الإفراج عن أرصدة مجمّدة، رفع الحظر عن تبادل التكنولوجيا).

إذا أضفنا حسبة غير نووية لـ 12 عاماً استغرقتها الأزمة - ولمّا تنتهِ بعد، بل إن الشهور الأربعة الفاصلة عن اتفاق نهائي مفترض مرشحة لتطورات عدة خطيرة، فإن كفّة المحصّلة تميل بوضوح لمصلحة إيران، أو بالأحرى لمصلحة «مشروعها». إذ إنها استطاعت خلال تلك المدة، وخلال مماطلاتها في التفاوض، تحقيق هذا النفوذ بمجرد التهديد باحتمال التوصّل إلى «قنبلة». وفي سياق عامي التفاوض الأخيرين تمكّنت من مضاعفة هذا النفوذ، وسط صمت دولي يقارب غضّ النظر والقبول رغم ما يراكمه من صعوبات مستقبلية تساوي نتائج بضع قنابل نووية. ولذلك فإن أي التبريرات الأميركية بأن الأولوية لحل الأزمة النووية كانت حتمية، وأن المشاكل الأخرى ستواجه لاحقاً، كانت ولا تزال ضعيفة إن لم تكن خداعة. ففي الطريق إلى معالجة هذه الأزمة، وبسبب صعوبات واجهتها أميركا في حل الصراع العربي - الإسرائيلي وأخطاء ارتكبتها بغزو العراق وسوء إدارة الاحتلال وتغييرات دولية وعربية طرأت، أجرت واشنطن تعديلات أساسية على استراتيجيتها العالمية، آخذة في اعتبارها إمكان التعاون مع إيران بعد تطبيع العلاقات بينهما. لذلك فإن الاعتماد على أميركا لحل الأزمات «غير النووية» التي افتعلتها إيران بات خياراً ملغوماً بالنسبة إلى العرب.

هناك دول كثيرة بنت لنفسها طاقة نووية لأغراض سلمية، ولم يُسمع أنها أثارت أزمات ولا شكّلت مخاطر ولا استلزمت صفقات دولية لفرض عقوبات لم تحترم في معظمها ثم تسويات للبدء بتفاوض ظل غير مجدٍ لأعوام طويلة ثم لصفقات جديدة للاتفاق على رفع العقوبات. أما البرنامج الإيراني فانطلق وسط الشكوك والاتهامات واستمر في مناخ أزمة دولية ويفترض أنه يقترب من نهاية لهذه الأزمة ليتحصّل على ما بنته الدول الأخرى -الطبيعية بلا أي ضجيج لكن من دون أن تتبدد الشكوك والاتهامات. بل السائد هو أن إيران تسعى إلى اقتناء سلاح نووي رغم إشهارها مراراً أن «الإسلام» وقيمها «الدينية» و»الأخلاقية» تمنعها من حيازته. ومع افتراض الصدقية وحسن النيات فإن الأَولَى أن تحول تلك القيم دون الممارسات التي تقوم بها أو يرتكبها أتباعها في سوريا والعراق واليمن، ودون هذا التوتير غير المبرر للعلاقات بين الشعوب في دول إقليم الشرق الأوسط والخليج. ولعل الجميع ينسى أن تلك القيم نفسها عادت على الداخل الإيراني بأسوأ العواقب إنْ بسبب العقوبات وتداعياتها أو بسبب سياسات القمع والشدّة المرافقة للأزمة مع الخارج.

طالما أن الدول الغربية لم تحقق أهدافها الأولية المعلنة من المفاوضات النووية، ولا تمكنت من فرض تطبيق قرارات مجلس الأمن الدولي بشأن هذا الملف، فإن «الاتفاق» المزمع يشكّل دعوة صريحة وملحّة لإطلاق سباق نووي في المنطقة. ودلالات ذلك أن المجتمع الدولي يفقد أكثر فأكثر إمكان ضبط الدول المتسببة في تهديد السلم والاستقرار العالميين سواء كانت إسرائيل أو كوريا الشمالية أو إيران وسوريا، بل إنه ينصاع أكثر فأكثر إلى التعامل مع ارتكاباتها ضد الشعوب الأخرى أو ضد شعوبها من دون أن يعيدها إلى نطاق احترام العدالة وحقوق الإنسان. والخطأ الأكبر هنا يُعزى إلى الدول الكبرى نفسها، فهي في مسار الهيمنة وتوسيع النفوذ أعطت نماذج لا أخلاقية بالغة الفظاعة. ولعلها بإفساح المجال لسباقات نووية فكّرت بالابتزازات المالية للدول المعنيّة أكثر مما هجست بشيء اسمه «السلم العالمي».

لعل الكذبة الأهم -ولا يمكن أن يكون اسم آخر– التي تم التوافق على تصديقها في الجولة الأخيرة من المفاوضات النووية هي «إمكان العودة إلى فرض العقوبات» في حال لم تلتزم إيران بنود الاتفاق. لماذا هي «كذبة»؟ أولاً، لأن جهود هائلة بُذلت لتشكيل مجموعة الـ 5+1 ولإقناع روسيا والصين بالموافقة على العقوبات رغم أن الوقائع أثبتت أن هاتين الدولتين حققتا فوائد كبيرة من تلك العقوبات، فروسيا نالت عقوداً تسليحية ضخمة، واستمرّت تصدّر مفاعلات وأجهزة طرد مركزي إلى إيران في حين حصلت الصين لأكثر من عقد من الزمن على بترول بأسعار زهيدة أو لقاء سلع ومنتجات افتقدتها السوق الإيرانية. وثانياً لأن الوضع الدولي المتدهور وتجدد الصراع الروسي – الغربي بثا انقسامات في المجموعة المفاوضة ولن يكون متاحاً تكرار فرض العقوبات من جانب مجلس الأمن إذا اقتضت الحاجة بعد سنة أو أكثر.

حتى قبل أن تختم المفاوضات، وقبل صياغة الاتفاق والتوقيع عليه، تبين أن هذه «النهاية السعيدة» لا تحمل أي نبأ طيب بشأن الأزمات الأخرى الناشبة في الإقليم، بما فيها تلك التي تفجرت في اليمن وتهدد بصراع أكبر. ذاك أن المعادلة الدولية الجديدة لا تبدو مؤاتية لمعالجات قريبة وناجحة، فروسيا ربطت كل المساومات بتطوّر الأزمة الأوكرانية، والصين تترقّب الخطوات الأميركية واحتمالات التقارب الأميركي – الإيراني، وإيران التي تعتبر أنها خرجت من الاتفاق النووي بخسائر محدودة لا ترى موجباً لأي تنازلات أو لوقف التصعيد في أيٍ من مواقع نفوذها.