الاضطرابات والحروب... والاقتصادات العربية

صورة عامر ذياب التميمي

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

31/ 07/ 2014
الحياة

خلال السنوات الماضية لم تتمكن أي دولة عربية من تطبيع أوضاعها مع عوامل الاستقرار السياسي والأمني بما يمكن إداراتها المختصة من العمل لإنجاز مشاريع حيوية أو تطوير نشاطات متنوعة تمكن من تعزيز بيئة الأعمال وتعزز من فرص خلق الوظائف التي يمكن ان تستوعب الملايين من الشباب العرب المتدفقين إلى سوق العمل. وتمثل الحرب الإسرائيلية على غزة والحرب المستمرة في سورية والاضطرابات في ليبيا والعراق وأعمال العنف في مصر وتونس والصراع في اليمن، تعطيلاً حقيقياً لأي محاولات جادة من أجل الانطلاق في أعمال اقتصادية مجدية.

وهذه الأحداث وما تخلفه من ضحايا بشرية وهدم للمدن والمنشآت، تشكل أعباء مالية مهمة على اقتصادات البلدان ذات الصلة بالإضافة إلى البلدان العربية التي تقدم الدعم بمختلف أنواعه، سواء كان دعماً مباشراً لمواجهة معاناة المتضررين أو دعماً لحكومات البلدان المتضررة لتمكينها من مواجهة الالتزامات المستحقة أو إصلاح الأضرار الهيكلية وإعمار المدن والقرى والمستشفيات والمدارس، أو تدبير التمويلات الميسرة التي يمكن ان تساعد المتضررين من القيام بإنجاز المشاريع التنموية وغيرها. ويتوقع ان يتطلب تعويض هذه الخسائر والنكبات تخصيص البلايين من الدولارات على مدى زمني طويل.

وغني عن البيان ان الخسائر وتعويضاتها كان يمكن ان توظف على أسس اقتصادية أفضل من أجل تمكين مختلف البلدان العربية من تحسين إيراداتها السيادية ومن ثم الاستثمار في مشاريع ومجالات تؤدي إلى تحديث بنية اقتصاداتها وتطوير كفاءة قواها البشرية من خلال برامج التعليم والمعرفة. لكن هذه الأوضاع غير السوية في العالم العربي ليست جديدة، وإن أصبحت أكثر سوءاً خلال السنوات الماضية، فقد مرت البلدان العربية بحروب إقليمية وأهلية حطمت آمال الأجيال العربية المتعاقبة لنحو 60 سنة.

وكان لقيام دولة إسرائيل في 1948 وتشريد الفلسطينيين من أراضيهم، ثم الانقلابات العسكرية في كثير من البلدان العربية، دور أساسي في تعطيل العمل على إيجاد الحلول العادلة والواقعية لتلك النكبة التاريخية. لذلك زاد الإنفاق العسكري ورصدت الأموال من خلال مؤتمرات القمة العربية وغيرها لدعم الصمود وغير ذلك من التزامات. ومقابل ذلك ظل الفلسطينيون يعانون، بالإضافة إلى تشرد مئات الآلاف منهم، شظف العيش وتدني مستويات المعيشة وتردي نوعية الحياة.

وامتدت المعاناة ذاتها إلى شعوب أخرى عربية في لبنان وسورية والعراق واليمن لأسباب تتعلق بالمأساة الفلسطينية أو للصراعات المحلية والأهلية في هذه البلدان أو لقيام الحكام بخوض معارك إقليمية مثل الحرب العراقية - الإيرانية بين 1980 و1988. وفي حال العراق جاءت الحرب مع إيران بعدما تمكن العراق من جني إيرادات سيادية مهمة بعد الصدمتين النفطيتين في 1974 و1979 وبعدما تراكمت أرصدة بالعملة الصعبة تزيد عن 38 بليون دولار.

وفيما لم تسلم الشعوب العربية من ويلات الحروب، سواء كانت مع الآخرين أو أهلية، تعلمت معظم الشعوب الأخرى في العالم من تلك التجارب المريرة وأحسنت تفادي تلك المآسي التي يخلقها البشر لأنفسهم، فتمكنت من تطوير اقتصاداتها وتفعيل دور الاقتصاد في الارتقاء بمعيشتها وتعزيز دور التنمية الاقتصادية ونتائجها لمنع حدوث أحداث العنف والإرهاب أو الولوج في حروب عقيمة. وهناك تجارب ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية والصين التي تطورت بعد كوارث الحروب التي مرت بها وعززت القدرات الإنسانية لصناعة الثروة. ولا بد ان يأتي زمن تنتهي فيه الحروب وأعمال العنف والإرهاب في العالم العربي، لتنطلق مسيرة التنمية.

كيف يمكن التعجيل للوصول إلى ذلك الزمن الوردي عندما توظف الأموال من أجل منفعة الإنسان والارتقاء تعليمياً وثقافياً وتحسين أدائه المهني حتى يمكن تعزيز تراكم الثروة والارتقاء بمستويات المعيشة وتوفير الأمان الوظيفي لغالبية المواطنين في مختلف البلدان العربية؟ يتطلب الأمر تفهم الأسباب التي ما زالت تؤدي إلى الإخفاق في معالجات القضايا الوطنية أو إنجاز صلح تاريخي في هذه المنطقة من العالم ينهي مأساة الفلسطينيين ويعيد لهم كرامتهم ويعزز دورهم الحضاري.

ثم ان التنمية الاقتصادية والتوظيف الأمثل للموارد المتنوعة لا بد له من ان يستند إلى تنمية سياسية واضحة المعالم تؤدي إلى تفعيل دور المواطنين في اختيار حكوماتهم عبر الوسائل الديموقراطية العصرية. لكن لا بد أيضاً من ان ترتقي شعوبنا العربية إلى استحقاقات الديموقراطية، أي ان يتحرر المواطن العربي من نزعات التطرف الديني والعقائدي ويحترم الرأي الآخر ويحترم الانتماءات المختلفة المتواجدة في المجتمعات العربية ذات التنوع الديني والإثني والطائفي.

عندئذ يمكن لأبناء الأجيال الشابة والأجيال المقبلة من ان ينعموا بالثروات المتاحة فتتمكن تلك الأجيال من بناء اقتصادات نوعية وحديثة وتعتمد على مزايا النسبية، وكذلك يمكن توفير الثقة للمستثمرين لتوظيف الأموال في القطاعات الحيوية، بما يخلق تراكماً رأسمالياً مفيداً وذا عائدات اجتماعية واقتصادية. يحقق العالم العربي ناتجاً إجمالياً سنوياً يقارب 2.5 تريليون دولار، وهو حجم اقتصادي مهم لكنه يعتمد بصفة أساسية على مساهمة قطاع النفط في البلدان العربية المنتجة للنفط ولذلك يتعين البحث عن بدائل مستدامة تعتمد على آليات اقتصاد المعرفة. بيد ان المهم هو توفير السلام والاستقرار والأمن بما يكفل توظيف الموارد المادية والبشرية ويحسن من وسائل توظيف الأموال، لكن أمام تحقيق الأهداف ثمة تحديات مرعبة.