الاقتصاد في سورية كلاعب أساس في انفجار التطرف

المواد المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

الكاتب: 
سلام السعدي

 

رغم حقيقة تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في سورية خلال العقد الذي سبق بداية الثورة السورية في آذار عام 2011، لم يشكل العامل الاقتصادي الشرارة التي أطلقت تلك الثورة، كما كان الحال في الثورة التونسية، والتي فجرها الحرمان الاقتصادي لبائع متجول، هو محمد البوعزيزي، لتنتشر مثل النار في هشيم القرى والمدن المهمشة، ولتنتقل في نهاية المطاف إلى العاصمة التونسية.

في سورية، جرى التركيز بصورة رئيسة من قبل المنتفضين على المطالب السياسية، وبشكل خاص على إسقاط السلطة الأمنية والانتقال إلى دولة ديمقراطية مع إشارات محدودة لمطالب اقتصادية لم تتبلور بشكل واضح. مع ذلك، فإن توسع الاحتجاجات في الريف السوري وفي الأحياء الطرفية المهمشة من المدن، يشجع على استحضار العوامل الاقتصادية ودورها في اندلاع الاحتجاجات واستمرارها بقوة حتى تحولت إلى حرب عنيفة ومدمرة.

‏جرت مناقشة دور العامل الاقتصادي في الثورات العربية من منظورين اثنين؛ حيث ركز الأول على أن سياسات التحرير الاقتصادي، التي أطلقتها السلطات خلال العقود التي سبقت اندلاع الثورات، همشت شرائح واسعة من السكان وزادت من حدة التفاوت الاقتصادي، وتسببت بانحدار القوة الشرائية للطبقات الشعبية إلى مستويات خطيرة. وقد انتشرت تلك الرؤية بشكل خاص في صفوف اليسار المعادي للسياسات الاقتصادية الليبرالية، منذ أن بدأ نظام الأسد في تطبيقها مع وصول بشار الأسد إلى السلطة. لكن، وبعد اندلاع الثورة، بات نقد سياسات الانفتاح الاقتصادي شائعاً، وتكاد لا تخلو دراسة اقتصادية عن سورية، وكثير من الدراسات السياسية أيضاً، من الإشارة إلى الدور الذي أدته سياسة الانفتاح الاقتصادي في زيادة الفقر والبطالة، ومن ثم زيادة سخط شرائح واسعة من السوريين. بعضهم ذهب إلى حد تصوير الانتفاضات العربية على أنها ثورة الفئات المسحوقة التي لم تطلها ثمار النمو الاقتصادي.

‏بالمقابل، ‏ذهب آخرون إلى أن السياسات الاقتصادية الليبرالية المتبعة مهدت الطريق فعلاً لاندلاع الاحتجاجات، ‏لكن بوصفها سياسات إيجابية فتحت عين الفئات الوسطى على التغيير وضروراته. وذهبت دراسة اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا "الأسكوا" لاعتبار الثورات العربية نتاجاً لما دعته بـ"صحوة الطبقة الوسطى". وفقاٍ لهذه المقاربة، قادت سياسات التحرير الاقتصادي إلى نمو اقتصادي وإلى تحديث الدولة والمجتمع، ما أدى إلى ارتفاع مستويات التعليم وانتشار قيم الثقافة المدنية-الديمقراطية، ومن ثمة أتاح ذلك نشوة طبقة وسطى قوية قادت عمليات التغيير في نهاية المطاف.

‏لا تدعم البيانات والإحصائيات المتاحة حول الواقع الاقتصادي-الاجتماعي السوري، وحول أداء الاقتصاد السوري، وجهة النظر الأخيرة التي تضفي دوراً إيجابياً على سياسات الانفتاح الاقتصادي. إذ تجمع تقارير عديدة على أن للثورة جذوراً اقتصادية تتمثل بحصول "اختلالات هيكلية" في عمل الاقتصاد السوري تتضمن اعتماد مصادر النمو على العوامل الكمية وبالذات رأس المال المادي، وتضخم قطاعات المضاربة العقارية والمالية وتوسع القطاع غير المنظم في التجارة والسياحة والخدمات بشكل عام، وترافق ذلك مع إنتاجية منخفضة للعمالة وأجور متدنية وصولاً إلى المشكلات الكبيرة التي رافقت تطور بيئة الأعمال وأهمها الفساد والاحتكار.

وبناء على ذلك، فإن معدل النمو السنوي للاقتصاد السوري، والذي تفاخر بارتفاعه بعض المنظمات الدولية "لم يكن تضمينياً، إذ إن الاستهلاك الحقيقي للسوريين انخفض، كما ارتفع الفقر العام باستخدام مؤشر الفقر الأعلى بين عامي 2004- 2009، وفشل الاقتصاد في خلق فرص عمل كافية، مما انعكس في معدلات تشغيل متدنية". وكانت نتيجة كل ذلك هي "تهمش شرائح كبيرة من المواطنين من الناحية الاقتصادية والاجتماعية بالتزامن مع عدم قدرتهم على المشاركة السياسية الفعالة". هكذا، يمكن التبين بوضوح أن السياسات الاقتصادية لم تقد إلى ازدهار الفئة الوسطى السورية، بل إلى انحدارها نحو مستويات أدنى، وهذا ما فتح الباب لمناقشة أثر العامل الاقتصادي في الثورة السورية بشكل متزايد.

‏ ولكي لا نقع في تبسيط التفسير الاقتصادي، على أن مجرد تدهور الوضع الاقتصادي في أي بلد لا يقود بصورة مباشرة إلى الثورة، ولا يمكن اعتباره تالياً "السبب" في اندلاع الثورة السورية التي ظهر منذ انطلاقتها أنها تحمل "أسباباً" يطول تعدادها، ومن ثم تكشفت الأيام عن فداحة الخطأ الذي يمكن أن يرتكبه الباحث الذي يعزو الثورة لأي سبب واحد وحيد، على أن الأمر الذي يمكن الجدال فيه بما يخص دور العامل الاقتصادي، أنه كان حيوياً في تهيئة الظروف المواتية إن لم يكن لاندلاع الثورة فمن أجل احتضانها حالما اندلعت، وإضفاء جميع عناصر القوة والاستمرارية عليها، وذلك من خلال تأمين حامل شعبي مستعد للمضي قدماً في خيارات عنيفة قد تبدو جنونية في كثير من الحالات.

سياسات اقتصادية تهيئ المسرح:

‏اختبر السوريون تحت حافظ الأسد ثلاث مراحل اقتصادية، امتدت المرحلة الأولى من عام 1970 إلى عام 1980، وشهدت نمواً اقتصادياً استثنائياً بلغ نحو 10.5 % سنوياً، وارتبط ذلك النمو بعملية "التعبئة التنموية التوسعية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الشاملة التي استندت إلى مركزية القطاع العام، والاعتماد على التمويل الخارجي (معونات، قروض)". في حين ارتبطت المرحلة الثانية والتي بلغ فيها معدل النمو الاقتصادي 8% بمحاولات "الخروج التدريجي من الأزمة البنيوية الثقيلة التي وصل إليها الاقتصاد السوري خصوصاً، والتي ابتدأت أواسط الثمانينيات من القرن العشرين، وذلك عبر إجراءات تحريرية اقتصادية متعددة السرعات قامت على إنعاش دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، انطلاقاً من "برنامج إصلاح اقتصادي" انتقائي غير معلن، وإعادة تعريف دور القطاع الخاص من خلال أطروحة "التعددية الاقتصادية" التي صيغت لاستيعاب دوره "الجديد". مع ذلك، بقيت سياسات التحرير الاقتصادي خجلة وحريصة على عدم اتخاذ خطوات سريعة وعميقة تخل بالتوازنات الاجتماعية القائمة. يشمل ذلك الحفاظ على مكاسب التجار، ولاسيما تجار دمشق وحلب، الذين نظر إليهم الأسد من منظور طائفي "سنة"، بالتزامن مع بدء الحملة العنيفة ضد جماعة الإخوان المسلمين. وهو ما يوثقه المؤرخ "حنا بطاطو" الذي يتحدث عن زيادة حصة تلك الشريحة من التجار في مستوردات السلع الاستهلاكية، وارتفاع عدد أعضائها في غرفة تجارة دمشق وانخفاض عبئها الضريبي في تلك الفترة. كما حرص حافظ الأسد على استمرار بعض المكاسب التي حظيت بها فئات واسعة من الفقراء ومحدودي الدخل في سورية في فترة حكم حزب البعث، وذلك بالحفاظ على الدعم الذي تقدمه الدولة للمواد الأساسية والزراعة وقطاع الصحة، فضلًا عن سياسة تضخيم القطاع العام لاستيعاب أكبر قدر من البطالة الصريحة وتحويلها إلى بطالة مقنعة.

‏في السنوات الأخيرة لحكم حافظ الأسد، دخلت سورية في فترة ركود اقتصادي، وذلك بعد أن كانت قد عادت إلى مرحلة انتعاش نسبي في الفترة الممتدة بين عامي 1991- 1998، حيث حققت فيها معدل نمو اقتصادي قارب 7% وسطياً ليبدأ بالانخفاض بعد ذلك ويسجل نحو 2% وسطياً خلال فترة 1997- 2003.

‏استلم بشار الأسد السلطة في عام 2000، ‏وكانت البيروقراطية والفساد يطبعان عمل مؤسسات الدولة، ‏فيما تراجعت معدلات النمو وارتفعت معدلات البطالة بصورة متسارعة لتسجل نحو 12% عام 2002 بحسب أرقام المكتب المركزي للإحصاء ولتواصل ارتفاعها إلى 16.5% عام 2009، ما يعني أن نحو 3.5 مليون سوري كانوا عاطلين عن العمل بحسب تقديرات الحكومة نفسها والتي يرجح أن تكون أعلى من ذلك في الواقع. كما ارتفع حجم من باتوا فعلياً تحت خط الفقر الأدنى إلى 6.7 مليون نسمة يمثلون نحو 35% من مجموع السكان. وكانت تلك المؤشرات مترافقة مع "تشوهات في التوزيع الاجتماعي للناتج المحلي الإجمالي، ‏ومع ضعف حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي وهبوطها إلى ما دون خط المعدل الحرج للنمو الاقتصادي". الحقيقة أن ذلك الهبوط كان العنوان البارز للسياسة الاقتصادية السورية على مدى عقود؛ إذ لم تشهد وسطي حصة الفرد في سورية من الناتج المحلي تحسناً فعلياً بين عام 1981 و2009، ‏وقد فقد الفرد في تلك الفترة 0.27% سنوياً من دخله بصورة وسطية.

‏يمكن الإضاءة على جانبين في السياسات الاقتصادية التي اتبعت إبان تسلم بشار الأسد للسلطة في سورية، والتي كان لها دور كبير في الإخلال بالتوازنات الاجتماعية وإثارة سخط شرائح كبيرة من السوريين منهية بذلك السياسة التي كانت قائمة في عهد حافظ الأسد، والتي كانت تحاول تأمين الحد الأدنى للكفاف الاقتصادي لشرائح واسعة من السوريين. لم يكن "حد الكفاف" في عهد الأسد الأب مغرياً، بل لم يكن إنسانياً على نطاق واسع، ولكنه كان يحاصر السخط الاجتماعي ويمنع إطلاقه أو تطوره.

 

التحرير الاقتصادي وإضعاف القطاع الإنتاجي:

في عام 2005 أعلنت حكومة نظام الأسد تبنيها نموذج "اقتصاد السوق الاجتماعي". وطرحت مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية من خلال تبني الخطة الخمسية العاشرة. وكانت عبارة عن سياسات اقتصادية تهدف إلى توسيع دور القطاع الخاص وتقليص دور الدولة الاقتصادي، ‏ من دون قطع علاقة الاعتماد المتبادل بين الطرفين. قامت السياسة الاقتصادية الجديدة على توسيع قطاع الخدمات متجاهلة تدعيم قطاع الإنتاج الذي كان قد انكمش وتقلص٠ ولم يعد بإمكانه المنافسة مع بضائع أجنبية أدى التحرير الاقتصادي إلى غزوها السوق السورية. كما عملت تلك السياسة على تقليص الإنفاق الحكومي وتقليص الدعم الاجتماعي للسلع والخدمات الحيوية كالمحروقات والخبز والمواد الزراعية. الأمر الذي فاقم من معاناة الكثير من السكان وأدى إلى تحولات اقتصادية، اجتماعية مدمرة.

‏مع اتباع سياسة الانفتاح الاقتصادي، حث نظام الأسد رجال الأعمال المقربين منه على خلق بيئة استثمارية مشجعة لجذب الاستثمار التركي وفائض رأس المال الخليجي. واحتلت سورية في العام 2005 المرتبة الرابعة في جذب الاستثمارات العربية، وبخاصة الخليجية منها. وتقلص مشروع الإصلاح الاقتصادي إلى مشروع "تحرير اقتصادوي" اقترن فيه التحرير بهدر التصنيع... وتجميد مقترحات ومشاريع إصلاح القطاع العام الصناعي لدفعه إلى ملاقاة مصيره المحتوم وهو الموت السريري.

شهدت هذه المرحلة تشكل شريحة "رجال الأعمال الجدد" وسيطرتهم على مفاصل وقنوات الاقتصاد السوري، منهية بذلك سيطرة الطبقة البرجوازية التقليدية التي تجنب حافظ الأسد بحدود معينة المساس بمصادر ثروتها. وقد قادت الشريحة الجديدة عملية "التوسع في مجال الخدمات الإنتاجية، ولاسيما قطاعات السياحة والخدمات المالية والمصرفية والنقل الجوي وغيرها من القطاعات ذات المردودية الربحية السريعة".

‏شهدت هذه الفترة دخول تركيا بقوة إلى السوق السورية، ‏إذ ارتفع عدد مشاريعها الاقتصادية في سورية بمعدل قارب 100% خلال أربع سنوات 2006- 2010 من 14 إلى  26 مشروع. وشكل توقيع اتفاقية التجارة الحرة عام 2004 ذروة العلاقات الاقتصادية بين سورية وتركيا، حيث جعلت تلك الاتفاقية من سورية بوابة عبور البضائع التركية إلى أسواق الأردن ولبنان وبلدان الخليج العربي.

 تحولات الريف السوري وسنوات الجفاف العجاف:

‏سجل العقد الأخير في سورية والذي سبق اندلاع الاحتجاجات، أسرع وأعمق تدهور اقتصادي اجتماعي للريف السوري، وهو ما انعكس بصورة واضحة في ارتفاع حجم مشاركة الريف في الاحتجاجات، وتشكيله لاحقاً حجر الأساس في العمل العسكري ضد النظام. ‏كانت السياسات الاقتصادية في عهد بشار الأسد تهمش الاقتصاد الزراعي مقابل اهتمامها برعاية مصالح التجار والبرجوازية التقليدية من جهة وشريحة رجال الأعمال الجدد من جهة أخرى. وبالنسبة لهذه ‏الأخيرة ‏فقد كانت "التجارة تقود النمو"، ‏وقد اعتبر رجال الأعمال الجدد أن "التجارة أولاً، ‏ثم السياحة وهي نفط سورية، ‏وأخيراً الصناعة".

‏وبفعل تطبيق سياسة "اقتصاد السوق الاجتماعي" الجديدة ‏بات توجيه الاستثمارات يجري نحو القطاعات الخدمية ذات الربحية العالية والسريعة (العقارات، ‏الفنادق والمطاعم السياحية، ‏النقل، ‏المصارف...إلخ) عوضاً عن دعم القطاع الزراعي، هكذا ‏تزايد الضغط على الأراضي المزروعة، ‏وتزايد حجم الأسر الريفية غير الحائزة على الأراضي والتي لا تملك عملاً ثابتاً، ‏ونمت تدريجياً طبقة العمال الزراعيين غير الحائزين على الأراضي، والذين وقعوا فريسة البطالة والفقر الشديدين.

‏تزامن ذلك في عام 2008 مع بداية رفع الدعم الحكومي عن المشتقات النفطية والمستلزمات الزراعية، واستمر تخفيض دعم الإنتاج الزراعي فهبط من 34 مليار ليرة في 2009 إلى 24 مليار ليرة في العام 2012 بحسب بيانات المكتب المركزي للإحصاء التابع للحكومة.

‏كان أداء حكومة نظام الأسد في مواجهة أزمة الجفاف ضعيفاً للغاية، إذ "لم تتحل السلطات بالمرونة الكافية للتأقلم مع الأزمة وتغيير النماذج الزراعية القديمة التي تعتمد على الاستخدام المفرط للمياه، وتوفير سبل عيش بديلة للأسر المتضررة".

‏وبحلول عام ‏2011، كان الوضع قد ازداد سوءاً حيث قدرت الأمم المتحدة أن مليونين إلى ثلاثة ملايين سوري قد تأثروا جراء الجفاف، كما انتقل 1.5 مليون شخص معظمهم من العمال والفلاحين وعائلاتهم، من المناطق الريفية إلى المدن والمخيمات في ضواحي المدن السورية الكبرى، مثل: حلب، ودمشق، ودرعا، ودير الزور، وحماة، وحمص.

‏كيف أثر العامل الاقتصادي في مسار الثورة:

‏كان للأوضاع الاقتصادية الاجتماعية البائسة والتي تدهورت بصورة سريعة، كما عرضنا أعلاه، آثار مباشرة على الاحتجاجات الشعبية في سورية، إن لم يكن على اندلاعها فبالتأكيد على احتضانها لاحقاً وعلى مسار تطورها في وجه الخيار العنيف الذي اتبعه نظام الأسد.

‏تشير البيانات إلى تركز الفقر "المدقع" في المنطقة الشمالية الشرقية، وتحديداً في إدلب وريف حلب ودير الزور، التي استحوذت على أكبر عدد من الفقراء في عام ‏2004، وقد تطور العمل العسكري ضد النظام بشكل لافت في تلك المناطق. وكانت مدن المنطقة الجنوبية، ومنها مدينة درعا شرارة الاحتجاجات، قد شهدت أكبر زيادة في معدلات الفقر منذ عام 2004، حيث اقتربت نسبة الفقر في عام 2007 إلى ضعف ما كانت عليه في عام 2004، وبالتالي فإن هذه المنطقة التي كان لديها أدنى مستويات الفقر في عام 2004، غدت ثاني أفقر منطقة في عام 2007.

‏تطورت نشاطات الثورة بصورة واضحة في الأحياء المهمشة والفقيرة، والتي تحتضن السكن العشوائي في العاصمة دمشق، فكانت الثورة قوية وغير قابلة للإخماد في محيط دمشق. وفي حين انتعشت نشاطات الثورة في مركز العاصمة بصورة نسبية في بدايات الثورة، وشهدت مشاركة مقبولة من الفئات الوسطى في ظروف أمنية قاسية، لكن القمع العنيف للسلطة استطاع إخماد الثورة في العاصمة ولم يستطع ذلك في الأحياء الطرفية، حيث أبدت فئات من الفقراء والمهمشين استعداداً لافتاً للمقاومة والتضحية من دون الاكتراث بحسابات عادة ما توجد لدى الطبقات الوسطى.

‏يبدو الانقسام السياسي- الطبقي أوضح ما يكون في مدينة حلب بين سكان الأحياء الشرقية والأحياء الغربية. يقطن المناطق الغربية المنظمة سكان الحضر وتنتشر فيها الفئة الوسطى والأغنياء، وهؤلاء كانوا شديدي الحذر في المشاركة في النشاطات السلمية للثورة منذ البداية، ثم اتخذوا موقفاً معادياً للثورة ومتخوفاً أكثر من المناطق الشرقية التي احتضنت أعمال الثورة السلمية أولاً، ولم تتردد لاحقاً في خوض العمل العسكري ضد النظام. المناطق الشرقية تلك، تضم أحياء الفقر والسكن العشوائي ويسكنها من نزحوا إلى المدينة في محاولة لتحسين أوضاعهم الاقتصادية وإيجاد عمل بعد أن ضاق عليهم الحال في الريف الفقير.

‏هناك من يعتبر أن درجة التنمية الاقتصادية تؤدي دوراً كبيراً في شكل الصراع، ففي ظل تنمية اقتصادية مرتفعة، تؤدي الطبقة الوسطى دوراً أكثر فاعلية في عملية التغيير ويمكن لهذا أن "يلطف" من حدة الصراع. أصحاب تلك المقاربة يعتبرون أن الفئة الوسطى العليا تتمتع بتنمية اقتصادية مقبولة تؤمن بنظرية الإصلاح التدريجي، كما يعتقد بوجود علاقة بين دخل الفرد المنخفض وازدياد الاستياء، بحيث يكفي لتهيئة الأساس الاجتماعي للتطرف السياسي.

‏في الحالة السورية، ربما كان "التطرف" بالتحول إلى السلاح لمواجهة تعنت النظام، ولا توجد من مؤشرات حقيقية على أن غالبية أبناء الفئة الوسطى في سورية ممن يحظون بتعليم عال ودخل جيد أو متوسط كانوا يؤمنون بالإصلاح التدريجي، إذ كانت القناعة، بأن بنية النظام غير قابلة للإصلاح، سائدة حتى لدى المثقفين وعند قطاع واسع من الفئات الوسطى، لكنها كانت عاجزة عن الدخول في مواجهة عنيفة مع أجهزة الأمن والجيش. ‏لا شك في أن الأوضاع الاقتصادية المتردية لشرائح واسعة من السكان في سورية كانت عاملاً مهماً في تجاوب تلك الفئات مع دعوات حمل السلاح لمواجهة النظام.

‏في الحقيقة لم تكن الأغلبية ممن واجهوا قوات الأمن ينتمون إلى الفئات الدنيا التي تعتاش على أعمال غير مشروعة بصورة ما، وقد مالوا بصورة أكبر نحو النظام الذي كان يدفع لهم رواتب هزيلة لقمع المتظاهرين وعرفوا باسم "الشبيحة". لكن شرائح عريضة من المفقرين المفتقدين للتعليم العالي والدخل الكريم انخرطوا بالفعل في مواجهة النظام وباتوا يشكلون قيادة الانتفاضة لاحقاً بعد تراجع الفئات الوسطى والناشطين المسيسين.

‏الاقتصاد والتطرف:

‏لم يقتصر التطرف على التحول إلى حمل السلاح في المعركة ضد قوات نظام الأسد، بل شمل أيضاً تبني خطاب ديني راح يزداد تطرفاً شهراً بعد آخر، وذلك بالتزامن مع تصعيد النظام لعنف أجهزته الأمنية، وصولاً إلى زجه الكامل للجيش والأسلحة الثقيلة في مواجهة الثورة واختياره بوضوح طريق "سحق" الحاضنة الشعبية للثورة. بالتزامن مع العنف المجنون والاستثنائي لنظام الأسد والدعم الطائفي الذي حظي به من جهات متعددة، شكلت الشريحة الواسعة من المهمشين السوريين بيئة مواتية لنمق الخطاب السلفي الجهادي في سورية حيث "كانت الانتفاضة متجذرة في صفوف فئة اجتماعية جاهزة ومفصلة على مقاس الدعاة السلفيين، وهي الطبقة الريفية الفقيرة والمسحوقة، التي هاجرت، على مدى سنوات، إلى بيئات حضارية قاسية تنزع السمة الشخصية عن الأفراد وبعيدة عن شبكات الدعم التقليدية. ونضجت الظروف مع تصاعد حدة العنف، وتلاشي الآمال بالتوصل إلى حل سريع".

‏وعلى مدار السنوات الماضية، انهار الاقتصاد السوري سواء في مناطق سيطرة النظام أو المعارضة، وارتفعت نسبة البطالة في صفوف السوريين بحسب تقارير دولية ومحلية مختلفة من نحو 20% إلى أكثر من 60%. أما الخط الأدنى للفقر فوصل بحسب منظمة الأسكوا عام 2015 إلى 59%، فيما وصل الخط الأعلى للفقر إلى 89.4%، وهو ما يجعل نحو 10 ملايين سوري يعتمدون بصورة شبه تامة على الإعانات الدولية لتأمين قوت يومهم. وفرت تلك التطورات الكارثية فرصة إضافية للتنظيمات السلفية الجهادية والتنظيمات المرتبطة بالقاعدة للوصول إلى شرائح واسعة من السوريين، وهو ما لم يكن متاحاً لتلك التنظيمات في أي يوم،

‏وتشير التقارير إلى أن المناطق التي تهيمن عليها بيئة اقتصاد الحرب تعتبر "عرضة لتمدد تنظيم الدولة الإسلامية وتغلغل جبهة النصرة". وذلك بسبب مستويات البطالة المرتفعة والارتفاع الكبير في الأسعار وغياب مصادر الدخل الأخرى، ‏الأمر الذي جعل الرجال الذين يفتقدون للدخل ويريدون تأمين قوت عائلاتهم "عرضة للتجنيد من قبل التنظيمات المتطرفة وتزيد جاذبية التنظيمات المتطرفة بالنسبة لهؤلاء الفقراء بسبب الرواتب التي تؤمنها، ولاسيما أنها أعلى من نظيراتها لدى فصائل الجيش الحر. تتراوح رواتب ومنح عناصر "الجش الحر" في مدن الشمال على سبيل المثال بين 100-300 دولار٠ وبالمقابل، ‏يتراوح الراتب الشهري لمقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة بين 200-600 دولار.

خاتمة

أدت سياسات الإصلاح الاقتصادي التي اتبعتها سورية بعد عام 2004 إلى زيادة الفقر والحرمان الاقتصادي لشرائح واسعة من السوريين من جهة، وإلى زيادة تركز الثروة بيد طبقة التجار الجدد وتنامي ارتباطهم بالسلطة من جهة أخرى. وقد انعكس ذلك على نشاطات الانتفاضة من خلال كثافة المشاركة في المناطق التي شهدت حرماناً اقتصادياً وتنموياً.

‏نجح الحل الأمني ومن ثم العسكري الذي أطلقه النظام ضد جموع المحتجين في منع انخراط الفئات الوسطى بشكل كبير ومستمر في النشاطات الاحتجاجية، ‏لكنه عجز عن منع الفئات الشعبية المفقرة من المشاركة الكثيفة والمتواصلة والمتصاعدة، ‏حيث شكلت هذه الفئات الأرضية الصلبة التي قامت عليها الاحتجاجات وكانت سر قدرتها على الاستمرار. ‏كما كان لها الدور الحاسم في تبلور الخيار العسكري وتشكل جماعات مسلحة مختلفة المشارب والغايات.

‏هكذا، كان للعامل الاقتصادي دور هام على مستوى عدم انكسار الاحتجاجات أمام العنف الرهيب الذي أطلقه نظام الأسد، وعدم قبول المحتجين بتسوية سياسية لا تلبي طموحاتهم. إذ إن سياسات التهميش الاقتصادي المتبعة عبر العقد الماضي هيأت الأرضية المناسبة لبروز مئات آلاف السوريين المستعدين للمواجهة والمضي قدماً للانخراط في حرب دموية ضد النظام.

‏ولكن المصاعب الاقتصادية التي واجهت ملايين السوريين قبل الثورة، وتصاعدها بأضعاف مضاعفة في السنوات الماضية بفعل الدمار الواسع وانهيار الاقتصاد السوري، شكلت عاملاً رئيساً، إلى جانب عنف النظام وتحريضه وسلوكه الطائفي، ساعد على انتشار التنظيمات الأصولية في صفوف الثورة السورية وتوسعها لتتصدر المشهد في نهاية المطاف. الأمر الذي يشير إلى صعوبات بالغة تعتري الأمل بعكس مسار التطرف في سورية، وبإضعاف المد السلفي الجهادي، وذلك في ظل بيئة شديدة القسوة تحرم السوريين من الحد الأدنى لمقومات الحياة، وفي ظل اقتصاد مدمر، لا أمل في تعافيه مجدداً، حتى في حال توقف الحرب، إلا بعد سنوات طويلة.

 

اقرأ أيضاً: الحرب في سورية والاقتصاد السياسي للسلطة

           الاقتصاد السياسي للحرب وأثره على الأسر والعشائر السورية

 

تاريخ النشر من المصدر: 
يناير/ كانون الثاني 2016
المصدر: 
مركز دراسات الجمهورية الديمقراطية