الانتخابات التركية.. معركة إثبات الذات

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

2019-03-29
العربي الجديد
المؤلف: 

مع أن الانتخابات التي تشهدها تركيا، نهاية شهر مارس/آذار الجاري، محلية لانتخاب رؤساء البلديات وأعضاء مجالس المدن، إلا أنها تكتسب أهمية كبيرة للحكومة والمعارضة معا، خصوصا أن تركيا لن تشهد انتخابات بعد ذلك حتى عام 2023، ما لم تحدث انتخابات مبكّرة. 

خصوصية هذه الانتخابات أنها تجري في ظل عوامل مختلفة عن الانتخابات السابقة، ولعل من أبرز هذه العوامل، الأزمة المالية التي تعصف بالليرة التركية، والوضع الاقتصادي، حيث الانكماش والتضخم وتراجع القوة الشرائية للمواطن، واستمرار تداعيات الاشتداد الأمني، عقب محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في صيف عام 2016، وحجم الملفات الخلافية مع الولايات المتحدة على خلفية التقارب التركي مع روسيا والدعم الأميركي للكرد السوريين. كل هذه العوامل وغيرها، تخيم بظلالها على نتائج حزب العدالة والتنمية (الحاكم) في هذه الانتخابات، وهو ما يجعل معركة حزب العدالة والتنمية معركة التصويت على الخيارات السياسية الداخلية والخارجية للحكومة، لتكون هذه الانتخابات تكرارا لتجارب الانتخابات السابقة منذ وصول "العدالة والتنمية" إلى الحكم عام 2002. 

ولعل هذا ما يفسر الأهمية الكبيرة التي أعطاها الرئيس رجب طيب أردوغان لهذه الانتخابات، وقيامه بجولات انتخابية شملت معظم الولايات التركية، فضلا عن ترشيح كبار قادة الحزب الحاكم في هذه الانتخابات، إلى درجة أن رئيس البرلمان بن علي يلدريم اضطر إلى الاستقالة من منصبه للترشح لرئاسة بلدية إسطنبول التي انطلق منها أردوغان في بناء مجده السياسي. 

وانطلاقاً من تقاطع المصالح الحزبية والنجاحات السابقة، جدّد حزب العدالة والتنمية، وحزب  "من الصعب توقّع تعرّض حزب العدالة والتنمية لخسارة كبيرة"الحركة القومية بزعامة دولت بهشلي، تحالفهما الانتخابي السابق المعروف بتحالف الشعب، في مواجهة التحالف القومي الذي يجمع حزب الشعب الجمهوري المعارض، بزعامة كمال كليجدار أوغلو، والحزب الجيد بزعامة ميرال اكشينار، التي استقالت من حزب الحركة القومية. ويحظى هذا التحالف بدعم من حزب السعادة الإسلامي، وشعار هذا التحالف هو إلحاق الهزيمة بحكومة حزب العدالة والتنمية، على الرغم من الاختلاف الأيديدلوجي الكبير بين أحزابه، حيث يراهن هذا التحالف على أن الأزمة المالية التي تشهدها البلاد أوجدت ظروفا اجتماعية واقتصادية ونفسية، لتحقيق الفوز في هذه الانتخابات. وواضح من سياق الحملات الانتخابية أن المعركة الأساسية في هذه الانتخابات تدور على الفوز في المدن الكبرى، لا سيما إسطنبول والعاصمة أنقرة وبورصة وأزمير، التي هي معقل حزب الشعب الجمهوري المعارض. وفي الوقت الذي تُرجح استطلاعات الرأي فوز مرشح "العدالة والتنمية" في إسطنبول، فإن الترجيحات تشير إلى إمكانية حصول خرق في أنقرة، حيث المرشح القوي للمعارضة، منصور يافاش، الذي خسر في الانتخابات السابقة عام 2014 بفارق بسيط أمام مرشح "العدالة والتنمية"، وإذا ما حصل ذلك، فستكون ضربة رمزية قوية لحزب العدالة والتنمية. 

وإذا كانت معركة حزب الشعوب الديمقراطية الموالي للكرد في جنوب شرق البلاد، ذي الأغلبية الكردية، هي معركة إثبات الذات من خلال الفوز في البلديات السابقة التي فاز فيها،  "ثمّة من يرى أن الانتخابات المحلية الحالية لن تكون سوى تكرار لما سبق"واستعادة هذه البلديات من حكومة حزب العدالة والتنمية التي أقالت قرابة مائة من الرؤساء المنتخبين لهذه البلديات، بتهمة العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وعينت بدلا منهم أعضاء في إطار سياسة الوصي على هذه البلديات، فإن معركة حزب الشعوب الديمقراطية في المدن الكبرى، ولا سيما إسطنبول وأنقرة، هي معركة إسقاط حزب العدالة والتنمية، حيث ينظر إلى أصوات الكرد في هذه المدن إلى جانب أصوات المترددين، والتي تقدر بين 14% و16% بعين الأهمية كأصوات مرجحة لفوز هذا الطرف أو ذاك، فالحزب الكردي لم يرشّح أعضاء في المدن الكبرى، وهو ما جعل من أصواته البالغة قرابة ستة ملايين صوت، محط أنظار أحزاب المعارضة، ولعل هذا ما دفع حزب العدالة والتنمية إلى اتهام هذه الأحزاب، بالتعاون مع القوى الداعمة للإرهاب، في إشارة إلى حزب العمال الكردستاني. 

وعلى الرغم من الصعوبات الكبيرة التي يعاني منها حزب العدالة والتنمية (الحاكم)، بسبب الأوضاع المالية والاقتصادية، وحالة الاحتقان الداخلي، فإن من الصعب توقّع تعرّض الحزب لخسارة كبيرة، لأسبابٍ تتعلق بضعف المعارضة وانقسامها أولا، وثانيا بالفارق الكبير بينه وبين أحزاب المعارضة. وعليه، ثمّة من يرى أن الانتخابات المحلية الحالية لن تكون سوى تكرار لما سبق وأن تعرّض الحزب الحاكم لخسارة بسيطة في هذه المدينة أو تلك.