الانتخابات التركية وهموم الديمقراطية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

2019-04-05
العربي الجديد
المؤلف: 

كلَّما سمع المواطن السوري عن انتخابات في أي بلد، فإن ذهنه ومشاعره يأخذانه إلى بلاده سورية التي أغلقت هذا الباب، باب الانتخابات الديمقراطية، إذ جعلته صورياً منذ العام 1973، أي منذ أن وعد حافظ الأسد السوريين بالديمقراطية والانفتاح على العالم، وبلدان الجوار.

ولكن الانتخابات الأولى لمجلس الشعب في العام المذكور، واختراق قوائم الجبهة الوطنية التقدمية في حلب، ومحافظات الأخرى، على الرغم من التزوير المحدود آنذاك، وعلى الرغم من الاختراق المحدود أيضاً (مرشح أو اثنان حيث حدث الاختراق) جعلت الأسد يفرمل عندها ليعيد حساباته بدقة، فليست صورته في ذهنية الشعب السياسية كما يرى نفسه، ولا كما باركته السعودية وغرفة تجار دمشق اللتان أخافهما صوت "البعث" العالي عن الرجعية والتبعية والتخلف، وحدِّة صراخه القومي والاشتراكي، ورفضه القاطع قرار مجلس الأمن 242 المتعلق بتصفية آثار العدوان الإسرائيلي عام 1967 وفق حلول سلمية.

قد جاء حافظ الأسد مستفيداً من ذلك كله. ولكن، لا ليبني دولة، بل ليكرّس حكماً له ولأسرته من بعده، وليمكِّنها من الاقتصاد السوري، والثروة السورية (بحسب باتريك سيل). وعلى ذلك، فقد درس حال الانتخابات في كواليس نظامه العليا، وأعطى الأوامر إلى حزب البعث (أداة التنفيذ)، ليقوم بالواجب، حفاظاً على النظام "الوطني التقدمي" وشعاراته.. (حدث في صيف 1973 الانتخابات الأولى لمجلس الشعب في سورية، وكانت الجبهة الوطنية التقدمية في بداياتها، موضع اعتزاز "البعث" قائداً لها والأسد رئيس الكل، فعين كاتب هذه السطور مع اثنين آخرين (إ. رجو.. بعثي، وم. العلي.. وحدوي اشتراكي) في لجنةٍ انتخابية تشرف على مركز في قرية السكرية على طريق مدينتي الباب/ منبج، (شمال شرق حلب).

وخلال يوم الانتخاب، جاء وفد اللجنة الانتخابية المركزية، فسأل رئيسه عن الوضع الذي لم يكن سارّاً، إذ لم يتجاوز كل المساهمين عدد أصابع اليدين.. ثم أخذ رئيس اللجنة (البعثي طبعاً)، ع. ق. غباش، جانباً لدقائق. ولما حلَّ المساء، جاءني عضو اللجنة الثاني ليقول إنَّ رئيس اللجنة يريد أن يُملأ الصندوق بقوائم الجبهة، فرفضت ذلك، فقال في صيغة التهديد: قد يُشطب اسم مرشحكم، وكان وحيد مصطفى من عفرين، ما أوقعني في حيرة وتساؤل: أتراه حزبي الشيوعي يوافق أم يرفض.. المهم أنني رفضت الفكرة كلياً، لكن شعوراً مرّاً ظلَّ، في النهاية، يلازمني، هو شعور شاهد الزور الصامت. على الرغم من أنني، منذ ذلك التاريخ، لم أكلَّف بمثل هذه المهمة، لكنني بقيت، والحزب الذي أنتمي إليه، شهداء زور على أمور خاطئة كثيرة وكبيرة.

ولعلَّ قضية تزوير الانتخابات تعدُّ، وخصوصا في نظام مغلق، كالنظام السوري الذي كان سائداً، ولم تعلن عن وفاته بعد، فاتحة لباب الفساد الأكبر متعدّد الأوجه. أما وجهه الرئيس فهو فساد القيم الأخلاقية، فالتزوير، في عمقه، ينطوي على صفات الكذب والغدر والخيانة، وهو يفسح في المجال لخياناتٍ أكبر، لها تأثيرها على مجمل سيرورة المجتمع. ولست أبالغ إن قلت إن هذه البؤرة، بملازمتها الاستبداد، هي التي انفتحت فيما بعد على مجمل الهزائم السورية، سواء أمام إسرائيل أم أمام التنمية أم أمام البنية الاجتماعية كلها، تلك التي تشاهد نتائج تفسّخها خلال السنوات الثماني الأخيرة.

كتبت مقالة بُعَيْد محاولة الانقلاب الفاشل في تركيا في يوليو/ تموز 2016 عنوانها: "تركيا أكثر الدول استهدافاً في المنطقة"، وجاء فيها: إن تركيا تجاوزت مرحلة الانقلابات بأمرين متلازمين أولهما: أنها مضت عميقاً في التنمية الاقتصادية، وهذا يعني أنها دولة مؤسسات لا دولة فرد، على أهمية دور الفرد أحياناً. وثانيهما: أنها دولة ديمقراطية، لديها معارضة فعلية، تمتلك ما تمتلكه معارضات العالم الديمقراطي من حرية رأي وإعلام وأنشطة سياسية وفق قوانين خاصة بالأحزاب والجمعيات والنقابات والأفراد.. إلخ.

وتؤكد الانتخابات المحلية التركية أخيرا، بنتائجها التي ظهرت، أن تركيا ماضية في قوتها وتنميتها، وطبيعي أن تتغير النتائج بين انتخاباتٍ وأخرى، فهذا دليل على حيوية الشعب وقواه السياسية وتناقض المصالح التي يدافع عنها كل حزب أو مرشح، إضافة إلى دور التحالفات، وما يمكن أن تلعبه في هذه المرحلة أو تلك. وبغض النظر عن خسارة حزب العدالة والتنمية التي غالباً ما يمكن رد أسبابها إلى طول المدة التي قضاها في البلديات الكبرى، وفي الحكم أيضاً، فإن لتنامي مطالب الشعب، وتنوعها، وهي التي يفرضها التطور الطبيعي للسكان، أهمية أيضاً.

 

صحيح أن أهالي إسطنبول لا يمكن أن ينسوا الخدمات التي قدَّمها ممثلو حزب العدالة والتنمية في سبعة عشر عاماً، ولكن الحياة دائمة النمو، والإنسان يميل، بطبعه، إلى التجديد والتغيير. ولكن لخسارة حزب العدالة والتنمية بلديات المدن الرئيسية الثلاث التي تعد مجتمعة أكثر من ثلث سكان تركيا دلالات خاصة، إذا تم الأخذ بالاعتبار تميُّز سكان المدن الكبرى بوعي خاص، يفرضه غناها بما تحوزه من أنشطةٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ واجتماعيةٍ، وتجليات ذلك في صورها الثقافية. ولعلَّ خسارة حزب العدالة والتنمية سياسية، تعود إلى ما يجري في المنطقة من جهة، وإلى الوضع الداخلي التركي من جهة ثانية، وإلى قدرة المعارضة على توظيفها لصالحها. ولا تعود أبداً إلى نقص بإنجازات الحزب الخدمية والتنموية، ولا إلى خبرة مرشحيه وكفاءتهم، ولا بد أيضاً من الأخذ بالاعتبار نسبة التضخم التي زادت على 25% في الأشهر الستة الأخيرة.

ولما كان الرئيس رجب طيب أردوغان قد صرح، في وقت مضى، بأن من يفوز ببلدية إسطنبول يكون قد فاز بتركيا كلها، يمكن تقدير حجم الخسارة، لكن الأوطان لا تُقاس دائماً بهذا الحزب أو ذاك، على أهمية ذلك، وتمايز برامج الأحزاب بعضها عن بعض، بل تُقاس بهذا التنافس الحر، وهذه الديمقراطية التي وصفها أردوغان بقوله قبيل الانتخابات "إن الانتخابات المحلية المقبلة ستُظهر مجدداً قوة الديمقراطية التركية". نعم إنها الديمقراطية التي تمنح المواطن حقوقه العامة التي تمكّنه بالتالي من منح بلاده ما يملكه من مواهب عمله وإبداعه.