التحالف الروسي الإيراني.. البعد الاستراتيجي

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

11/10/2015
العربي21
المؤلف: 

عمليات الطيران الروسي التي استهدفت قوات الجيش السوري الحر، والمناطق المدنية للثورة وخلفت عدد كبير من الشهداء منهم 30 ما بين طفل وامرأة، بعد إعلان الرئيس بوتن رسميا التدخل العسكري لموسكو في سوريا، وتحديدا لدعم نظام الأسد لم تكن خطأ تكتيكيا في القصف ولا زاوية عرضية، بل هو هدف رئيس بحد ذاته ولو رددت موسكو أنها تستهدف داعش، وهو ما أكد نفيه كل المصادر بما فيها وكالة سانا الرسمية لنظام الأسد، وثبت قطعا أن داعش لم تتعرض لأي قصف حاليا، لكن مصطلح داعش أضحى مظلة، وتنظيمها مطية لتبرير خطط التدخل الدولي والإقليمي المتعددة.

ورسميا أعلن بوتن من منصة الأمم المتحدة وقبله مسؤولين روس آخرين، أن ثوّار سوريا الأصليين المنتمين لفكر الشام الإسلامي والوطني المعتدل وقاعدتهم الرمزية الجيش السوري الحر وحركة أحرار الشام وحلفائهم، هم جماعات إرهابية، وهذا قبل أن تُفجّر داعش ميدان الثورة السورية وتستنزف شعبها وثوّراها، فالعداء الروسي أصلي للثوار ولا علاقة له بداعش مطلقا.

المهم أن هذا المشروع الذي تم التدرج فيه حتى وصوله إلى مرحلته النهائية، ووضع التحالف الإيراني الروسي في إطار عسكري فاعل، أصبح واقعا، والتسريبات التي تؤكد وجود خطط برية تستعد إيران لتنفيذها مع ميلشيات ما يسمى حزب الله الإرهابية وميلشيات شيعية متعددة تحت تغطية روسية، تؤكد خطورة هذا التطور الميداني.

وقبل الاستئناف من الضرورة بمكان أن نعيد فهم الموقف الأمريكي، في القضية السورية، والذي تطور هو تباعا ليشكل داعم تنفيذي واقعي لموسكو على الأرض والتوجه الأممي العام، خلافا لكل ظواهر الرئيس أوباما الصوتية، ومن الضروري أن نستذكر تصريحاته، واجتماعاته مع البنتاغون، بعد الإشارة إلى ضربة عسكرية 2013 انتهت إلى صفقة مع الروس في سان بطرس بورغ.

وأن الخلاصة لكل معارضات واشنطن الصوتية لم توقف الروس ولا الإيرانيين، بل بالعكس ساعدتهم حين هددت واشنطن ورفضت دخول مضادات الطائرات للثوار، وحين منعت ولا تزال تَحوّل أي جهد ممكن أن يدخل تحت حرب داعش من تحقيق هزيمة نوعية للنظام.
 
وهذا ليس تحليلنا الشخصي فقط، بل هو حديث السيناتور الجمهوري جون ماكين الذي وبخ أوباما علنا، وإن كان موقف الجمهوريين والديمقراطيين معا، لن يختلف كثيرا عن رؤية واشنطن الجديدة لعرب المشرق واحتياطات ولادة الخليج الجديد والحاجة إلى الشريك الإيراني، الشرس مع العرب، والوديع تحت طاولة المفاوضات الغربية.

ولن نعيد ما أكدنا عليه في تصنيف الموقف الغربي مجملا، والذي يمارس نفاقا ممنهجا، وهو جاد كل الجد في المراهنة على إحباط الثورة السورية، بصورة أو أخرى وتوليد شيء من الفوضى أو تركيبة سياسية تقتضي حصوله على حصة مع التحالف الآخر، ونشر هآرتس التنسيق الروسي مع تل أبيب قبل هجوم موسكو على الجيش السوري الحر، يؤكد هذا السياق.

حيث تعتقد تل أبيب بقوة أن بقاء الأسد والتركيبة الإيرانية في المنطقة يشكل تأمين لها، مقابل أي صعود عربي إسلامي ونظام جمهوري غير مستبد يحكم سوريا مستقبلا، وعليه فواشنطن لن تهدد هذا القرار الإسرائيلي فضلا عن قراءات مختلفة عن العرب لمستقبل الصراع ومصالح واشنطن.

وفي كل الأحوال فالمؤكد هو تغيير تموضع الأمريكيين في المنطقة، والذي لا يُغيره لقاءاتهم مع المجلس الوزاري الخليجي، ولا تصريحات المسؤولين الأمريكيين بعد كل زيارة، فواضح أن هذا الخط في التعاطي مع صعود طهران وانهيار المشرق العربي، يتوالى في تقديرات رسمتها واشنطن واعتمدت أركانها الرئيسية، وإن بقيت دوائر تنافس مع التحالف العسكري الجديد، ليس منه أمن المشرق العربي ولا الخليج بصورة استراتيجية، وإنما أمن مصالح واشنطن وسوقها في الخليج بين السلاح وتدفق النفط.

وهذا ما يرهق البناء الخليجي العربي، ويُعزّز صعوبات ومآسي شعوب المشرق العربي، ليس السُنّة فقط، كما يعتقد البعض بل الجميع، حيث لن تنتهي هذه الدوامة من الصراعات، في ظل حكومات الرديف الإيرانية في بغداد ودمشق وصنعاء، ونفوذها في بيروت، أمام لعبة الأمم الكبرى التي تستنزف كل المشرق العربي.

لكن تثبيت التحالف العسكري الروسي، الذي يعتدي على الشعب والثوار في سوريا وإعلان حيدر العبادي ترحيبه به مستقبلا في بغداد، وأشارت موسكو لاستعداد أوّلي، يشير إلى انتقالة كبيرة في مياه الخليج الدافئة بين أعلام الغرب وأعلام موسكو الحمراء، وكلها بيارق لم تزده إلا رهقا، تحت حروب آل بوش ومآلتهما الكارثية.

إن حسابات ما يُطلق عليه أمن الخليج العربي بحسب الرؤية الغربية، تختلف اليوم وتختلف قياساتها، وهذا التحول النوعي في التدخل العسكري في المنطقة، وتشكيل الروس غرفة عمليات مع حزب الله والإيرانيين، لا يُمكن فصله عن دعم الحوثيين في صنعاء، أو الدعم اللوجستي لأي فصيل سيتحرك في الخليج العربي وخاصة البحرين، وليس بالضرورة بدخول مباشر، ولكنه توازن تهديدي تستفيد منه المليشيات الإيرانية.

وهذا يجري في ظل انقسام مشهود في المواقف بين البيت الخليجي، وتأثير تهديد إيران لبعض دوله، أو قناعات أخرى بأن على الخليج العربي أن يسير في سياق صفقة الغرب مع طهران، وينفصل عن قضاياه المبدئية ومصالحه القومية، ويرضخ لنفوذ الإيرانيين الجديد، وهو موقف يبدو في تسويقه عقلانيا، والحقيقة أنها وجبة وهم متبدد تدحرج فيه المنطقة وعربها سريعا إلى خليج جديد، يصنعه العدو ولا عزاء حينها للنادمين.

تعليقات