التحدي الأكبر تغيير عقلية الحكم في العراق

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

4/6/2018
العرب القطرية

وجّهت الانتخابات العراقية الأخيرة رسائل سياسية واضحة، ورغم أنه يجري التركيز إعلامياً على رسائل تتعلق بالقوى الإقليمية «إيران وتركيا والجوار العربي»، والدولية «الولايات المتحدة»، ومدى تطور نفوذها أو تراجعه في العراق، تبقى الرسالة الأهم، تلك المتعلقة بالوضع العراقي الداخلي، فبعد 15 عاماً على الغزو الأميركي، وسقوط النظام السابق، وبعد انتهاء الحرب على الإرهاب، وتقويض تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، كان من شأن العراقيين، ومن حقهم أيضاً، أن يطالبوا بالتغيير، ليس في الأشخاص والوجوه فحسب، بل خصوصاً في السياسات، وفي العقلية التي أدارت الدولة والحكم طوال الفترة السابقة. 

في البداية، قيل إن الاحتلال الأميركي سمّم البلد، وحمى فساد الطواقم السياسية الجديدة، كما أفسح المجال لاستشراء الممارسات الطائفية والفئوية، وبعد الانسحاب الأميركي نابت الهيمنة الإيرانية عن الاحتلال بكل مساوئه، ثم احتل الإرهاب «الداعشي» واجهة التهديدات والمخاطر لنحو 4 أعوام، وتسبب في تدهور الاقتصاد، وتراجع حاد للموارد، كما أدت عملية التخلص من هذا الإرهاب إلى دمار كبير، يُعتبر الآن العنصر الأبرز في تعويق النهوض بالاقتصاد.
كان لافتاً أن الاجتماع الأول غداة الانتخابات بين الحليفين المفترضين، حيدر العبادي ومقتدى الصدر، دعا الحكومة المقبلة إلى التركيز على «توفير الخدمات وفرص العمل وتحسين المستوى المعيشي ومحاربة الفساد»، أي أنهما تلقيا رسالة صناديق الاقتراع، فهذه المطالب الأربعة كانت دائماً مُلحّة، لكن الحكومات المتعاقبة أهملت تأمين الخدمات الأساسية، وأعطت الأولوية للأمن من دون أن تحصل عليه، بل إن المبالغة فيه وإساءة استخدامه -كما فعلت حكومة نوري المالكي- جاءتا بنتائج عكسية، إذ أعادتا إخراج الإرهاب من جحوره، ورسّختا انعدام الثقة بين المكونات.

تشير المناورات الحالية لتشكيل تحالفات الحكومة المقبلة، إلى أن الأطراف التي كانت مسؤولة عن منع بناء الدولة، وإضعاف مؤسستي الجيش والأمن، وعن الانقسامات العمودية في المجتمع، لا تزال مصرّة على طريقتها وعقليتها في إدارة العراق، ولا تزال متمسكة بولائها أولاً للقوى الخارجية ومشاريعها، حتى لو كانت الأثمان الداخلية لارتباطاتها باهظة جداً، وأسوأ هذه الأثمان تعجيز البلد عن الخروج من وساوس الإرهاب ودوامات الانقسام والعنف، وتعجيز الاقتصاد بإحباط عملية إعادة الإعمار، فلهذه العملية مقومات وضمانات، لا بد من توفيرها لتحفيز المستثمرين والممولين الخارجيين وطمأنتهم. 

لا شك أن الأمن والاستقرار السياسي والتشريعات من أهم هذه المقومات، وعدا عن تلازمها، فقد أصبحت مرتبطة عضوياً بمحاربة الفساد، ذاك أن أي تقاعس فيها سيعني للمجتمع الدولي -كما للعراقيين- أن الإرهاب سيبقى حاضراً أو كامناً، فهو يتغذى من جهة بوجود دولة ضعيفة وعاجزة، ومن جهة أخرى بالفوضى التي تشيعها هيمنة الأحزاب والميليشيات، ومن جهة ثالثة بالواقع المعيشي الصعب وازدياد معدل الفقر، إذاً فالمطلوب -اللازم والضروري للعراق- أن تنخرط حكومته المقبلة في ورشة شاملة للتصدي لكل هذه التحديات، وأن تخلق الظروف التي تمكّنها أخيراً من إنهاء تقوقعها في «المنطقة الخضراء»، وإلا فإن التقصير سيرتد بتداعياته على الجميع عاجلاً أو آجلاً.

قبل الانتخابات، كان مؤتمر الكويت لإعادة الإعمار قد وجّه بدوره تحذيراً لمن يهمه الأمر في بغداد، إذ إنها عرضت حاجاتها في ذلك المؤتمر، ولم تحصّل سوى ثلث ما توخته -نحو 30 مليار دولار- على شكل تعهدات وقروض ووعود، وإذا لم يحصل تغيير حكومي جوهري، فليس مضموناً أن يفي بها أصحابها، وكان مفهوماً أن المستثمرين لا يثقون في بيئة الحكم، بسبب شيوع الفساد كـ «ثقافة» وممارسة.;

تعليقات