التدخل الروسي في سورية: خروج بوتين من عزلته

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

5/10/2015
The Guardian
المؤلف: 

(ترجمة السورية نت)

دعى بوتين في خطابه للجمعية العامة للأمم المتحدة قادة العالم للانضمام إليه في ما وصفه بـ"التحالف لمكافحة هتلر". إنه الوقت المناسب للبدء بغارات جوية على مواقع المجاهدين المتطرفين من "الدولة الإسلامية".

ووفقاً للرواية الرسمية، فالهدف ليس حماية "العالم الروسي" (الروس الذين يعيشون في العالم الخارجي)، والذي كان المبرر للتدخل في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية وشبه جزيرة القرم. بل على العكس، فإن السبب بطريقة ما، هو – لحماية روسيا من التأثيرات الخارجية، وتحديداً من هؤلاء الذين يقاتلون في صفوف "داعش" والذين يمكن أن يعودوا يوماً ما ويشنوا الهجمات على روسيا.

وبالفعل، منذ الربيع ناقش بشكل منتظم مسؤولون حكوميون كبار الخطر الذي يشكله آلاف المتطوعين في "داعش" والذين انضموا إليها من روسيا.

هناك سؤال مشروع في هذه اللعبة: هل الخطر الذي يهدد موسكو من قبل "المتخرجين" الروس من "داعش" يتطلب بالفعل هذا النقل المكلف لسرب من الطائرات العسكرية ومئات الجنود، واليوم غارات جوية على مواقع الإسلاميين الذين يقاتلون ضد الأسد على بعد آلاف الأميال من الحدود الروسية؟ أو بعبارة أخرى: ألا يمكن تحديدهم، وإيقافهم من خلال خدمات استخباراتية خاصة على الحدود الروسية إذا حاولوا العودة إلى الوطن؟

وما هي الأسباب الأخرى التي ربما بسببها أرسلت روسيا طائرات هجومية إلى اللاذقية؟ لماذا نحن في حاجة إليها؟ أنحتاجها لإنقاذ "السلطة الشرعية" لحليفها الوحيد في الشرق الأوسط – الأسد – كما تراها موسكو، والذي كانت قواته تتراجع تحت ضغط من "داعش" وجماعات المعارضة الأخرى؟ أم هي طريقة للنضال ضد الثورات الشعبية التي اجتاحت المنطقة من كييف وصولاً إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟ ربما كانت الرغبة في إعادة الروس إلى نادي "القوى العظمى" هي التي تحدد مصير العالم منذ عام 1945.

ولكن هناك أيضاً فرضية أخرى: أن الغارات الجوية هي محاولة للخروج من "المستنقع الأوكراني" والعقوبات الغربية التي سببها. في هذا السيناريو، يحاول الكرملين استخدام أجندة عالمية جديدة لمكافحة "داعش" والمساعدة على وقف تدفق اللاجئين باعتبارها وسيلة لإيجاد مخرج جديد.

يمكن أن يرى بوتين الخطة السورية كوسيلة للخروج من العزلة ولكن عليه زيادة الرهان بشكل جدي في اللعبة. وكما تبين في آب وأيلول، وبالأخص في الجمعية العامة للأمم المتحدة، فالسياسة الغربية التي أدت إلى عزل روسيا بسبب أوكرانيا يبدو أنها بدأت بالتخبط. وهيمن الموضوع السوري هناك واستولى الرئيس الروسي على الأضواء ودفع موضوع أوكرانيا إلى خلفية الأجندة العالمية.

بدأت الطائرات الروسية المقاتلة بالاعتداءات فوراً، مربكةً الغرب والشرق على اختلافهما. وعلى الرغم من المفاوضات مع الولايات المتحدة وألمانيا وتركيا والسعودية وإسرائيل وكبار اللاعبين الآخرين، فالأيام الأولى للعمليات الجوية أظهرت أن الكرملين لم يصل إلى حل وسط حتى الآن. واشتُبه في موسكو على الفور بمحاولة استخدام واقع جديد لمساعدة الأسد في قتال "المعارضة المعتدلة"، وبدأت وسائل الإعلام بنقل الضربات التي تستهدف مناطق بعيدة عن المواقع التي تتحكم فيها "داعش"، بما في ذلك الثوار الذين دربتهم وكالة المخابرات المركزية الأمريكية. ورداً على هذه التقارير حثتنا وزارة الخارجية الروسية "على عدم الاستماع للبنتاغون فيما يخص الضربات الجوية الروسية والاتصال بوزارة الدفاع في روسيا".

ومهما كان هذا واضحاً، فموسكو لم تتمكن من إقناع الآخرين بصدقها: في بيان مشترك، طلبت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وتركيا وقطر والسعودية من موسكو إيقاف الضربات الجوية ضد المسلحين من المعارضة السورية وتركيز الجهود على تدمير "داعش".

لو شاهدت التلفاز الروسي سترى أن كل المواضيع الآن قد تحولت إلى سورية، مع مشاركة العديد من البرامج الحوارية الشعبية التي احتدمت سابقاً حول أوكرانيا والتي تقضي الآن ساعات في نقاش "داعش" والأسد. وتبدو هذه فرصة ممتازة لتحويل الانتباه عن القصص المتعبة حول "المجلس العسكري الفاشي" في كييف وإعطاء الجمهور قصة جديدة. وتبين الممارسة أن العلاقات العامة الجيدة دائماً ما تلهي السكان عن ارتفاع أسعار الغذاء وانخفاض قيمة الروبل.

وفي الوقت نفسه، أظهرت بحوث اجتماعية مثيرة للاهتمام من مركز ليفادا (والتي أجريت بين 18-21 أيلول، قبل خطاب الرئيس الروسي). أن ما يقرب من نصف السكان الروس يعتقدون أن في سورية حرباً أهلية و32% يعتقدون أن الحرب ضد نظام الأسد الشرعي، بإيعاز من الغرب. وقال 58% أن "داعش" تشكل تهديداً للمنطقة والعالم، وأن 41% سمعوا عن المتطوعين الروس في "داعش" ويشعرون بالقلق حيال ذلك، بينما 35% لم يسمعوا أبداً أي شيء عن المتطوعين الروس الذين يقاتلون في صفوف الجهاديين.

وفقط 14% من أفراد العينة أجابوا بأن على روسيا تقديم الدعم العسكري المباشر لنظام الأسد (69% يعارضون هذا)، و43% أجابوا أن على روسيا تقديم الأسلحة والمشاورات.

ولكن أمزجة الناس يمكن تغييرها بسرعة وذلك مع مساعدة من وسائل إعلام الدولة، وهو ما رأيناه في 2014-2015 حول صراع دونباس في شرق أوكرانيا. وقد أدت الحرب في دونباس وظيفتها وأفسحت المجال للحديث عن "حرب صغيرة منتصرة " جديدة – ولكن الحروب في أماكن بعيدة جداً قد تكون مختلفة.

أخبرني أحد أعضاء مجلس الاتحاد (المجلس الأعلى في البرلمان) بثقة، وذلك مباشرة بعد أن أعطى المجلس الإذن لبوتين في استخدام الجيش خارج روسيا، أن موسكو ستحاكي "التجربة السوفييتية الناجحة" في فيتنام. هناك، السلاح الجوي السوفييتي دعم جيش الشمال، "وبشكل عام، تحررت كامل أراضي جنوب فيتنام وكل الدمى هربت بعيداً".

على الرغم من أن تفويض استخدام القوات المسلحة غير محدود، يزعم الكرملين أنه ينوي استخدامها فقط لتوجيه الضربات الجوية ولا يخطط للغوص مباشرة في القتال على الأرض. لكن أولاً، من الجدير بالذكر أن الحرب في فيتنام استمرت 18 عاماً. وبعد سنوات قليلة من فيتنام، ردت موسكو حينها على طلب من كابول للمساعدة في استعادة النظام في أفغانستان. وهذا مماثل للطلب الذي طلبته للتو "السلطات الشرعية" في سورية.

في ذلك الوقت، لم يخطط أحد لشن عملية برية طويلة في أفغانستان، كما لم يتصور، بالتأكيد، أنها يمكن أن تنتهي بالفشل. استمرت هذه "الحرب الصغيرة المنتصرة" مدة 10 أعوام، وأسفرت عن مقتل مئات الآلاف، وضربت الاقتصاد. بدلاً من النجاح والزوبعة بالنسبة للاتحاد السوفييتي، فقد كانت الحرب كارثة علاقات عامة، أضرت بالعلامة التجارية للبلاد ومازالت حتى الآن. ربما يكون هذا الأمر على قائمة الأولويات بالنسبة للكرملين اليوم.

إذا حاولنا التعلم من أخطاء تاريخنا فمن الصعب أن نرى كيف يمكن لهذه المغامرة العسكرية الجديدة – مع كل المخاطر التي تنطوي عليها سورية – أن تكون "حرباً صغيرة منتصرة"، وتغير دفة الأمور لصالح روسيا على المدى الطويل.

تعليقات