التسوية السورية في مهب التصنيفات «الإرهابية»

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

21/12/2015
العرب القطرية

لم يُحسم الجدل حول تصنيف التنظيمات والمجموعات المقاتلة في سوريا لتحديد ما إذا كانت إرهابيةً أم لا. والأرجح أنه لن يُحسم، لماذا؟ لأن المفهوم العام للتصنيف المطلوب أن أي مجموعة توصف بالإرهاب ستصبح «تلقائياً» قابلة للضرب والتصفية على الطريقة الروسية، لأن موسكو تريد إسكات الانتقادات الموجهة إليها بأنها منذ أصبحت متدخلة في الصراع السوري قصفت مواقع المعارضة بنسبة تفوق التسعين في المئة مقابل عشرة في المئة لمواقع تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)، وهناك مصادر غربية تؤكد أن استهدافاتها لـ «داعش» تدرّجت من 5 إلى 8 في المئة فقط. وفي المؤتمر الصحافي الذي أعقب جلسة مجلس الأمن، يوم الجمعة الماضي، تساجل الوزيران الأميركي والروسي في الأمر، إذ أورد جون كيري نسبة 20 - 80 في المئة، وردّ سيرجي لافروف بأن موسكو تنتظر موافقة واشنطن على اقتراح التنسيق معها. وهذه ذريعة واهية وملتبسة، لأن روسيا كانت وضعت ضرب «داعش» كأحد هدفين رئيسيين لتدخلها، إلا أنها أولت كل اهتمامها للهدف الأول وهو إنقاذ نظام بشار الأسد، وبالتالي مشاركته في قتل الشعب السوري.

لكن اللغط في تصنيف المجموعات المقاتلة لا بدّ أن يقود إلى الغلط. واللغط هنا يذكّر بالجدل المتواصل عالمياً حول «تعريف الإرهاب» ومعايير التصنيف وكيفية التعامل مع تلك المجموعات بعد تصنيفها. ولأن المسألة ليست «علمية» بالمعنى العسكري أو حتى السياسي، فإنها خضعت دائماً لطبيعة الصراعات على الأرض، وبالأخص لأسبقية من يصف الآخر بـ «الإرهاب» استناداً إلى درجة العداء ومجريات القتال واستدراجاً للتعاطف الخارجي. فمثلاً درج الإسرائيليون سابقاً على توصيف الفدائيين الفلسطينيين بـ «المخربين»، وبعد هجمات 11 سبتمبر 2001 تبنوا توصيف «الإرهابيين»، مستخدمين الصلة بين الانتحاريين الذين نفذوا تلك الهجمات وبين أي انتحاريين آخرين لاسيَّما في الصراع بينهم وبين الفلسطينيين. وتحت عنوان «الإرهاب» شنّ أرئيل شارون حروبه المتوحّشة لكسر الانتفاضة واجتياح الضفة الغربية ودفن «السلام» اتفاقاتٍ وعمليةً، وهو ما تابعته الحكومات التي تلته باجتياح غزّة وارتكاب أفظع جرائم الحرب فيها.
ولأن إحدى أفضل المراحل التي عاشها النظام السوري كانت خلال تعاونه مع الأجهزة الأميركية وتقديمه معلومات عن بعض المشتبهين أو المتورطين بالإرهاب، فقد مكّنه ذلك من اختبار فوائد ذلك التعاون وأهميته عند الأميركيين، لذلك سارع الأسد مبكراً إلى وصف المتظاهرين ضدّه بـ «الإرهابيين». وبعدما أسهم النظام نفسه في تصنيع الإرهاب وجعله خشبة خلاصه المفترضة، ها هي التطوّرات تثبت له أنه استطاع جذب الأنظار إلى خطر يفوق خطره وإجرام يفوق إجرامه. لذلك انعقدت لقاءات «المجموعة الدولية لدعم سوريا» في فيينا تحت هاجس «داعش» وإرهابه وتخفيف ضغط اللاجئين إلى أوروبا، لا من أجل إنصاف الشعب السوري الذي تفيد إحصاءات الهيئات الطبية الدولية أن مليوناً ونصف مليون من أبنائه يعانون اليوم من إعاقات كلية أو جزئية، عدا مَن قتلوا ويقدّرون حالياً بنحو نصف مليون شخص، وعدا آلاف المفقودين، بل عدا نحو ستة ملايين بين مهجّر في الداخل ونازح خارج الحدود.

ولولا خطر الإرهاب الذي استفادت منه الدول الكبرى لتلميع حضورها لما استعادت أميركا وروسيا التعاون، ولما أمكن جمع سبع عشرة دولة حول طاولة واحدة لبلورة «خريطة طريق» لحل تفاوضي بين الجلّاد والضحية. لكن حتى ضمن هذا «الحل» غير العادل تريد روسيا إعطاء الجلّاد ميزة المشاركة في «محاربة الإرهاب» الذي صنعه، وتريد أميركا مسايرتها في ذلك. ولا غرابة في ذلك فالدولتان الكبريان لا تريان أي عيب في «إرهاب الدولة»، لأنهما مارستاه في مراحل وأمكنة شتّى. وفيما تعتبر الحماية والحصانة الأميركيتين لإرهاب الدولة الإسرائيلي الأكثر شهرةً في التاريخ المعاصر، فإن المنحى الهتلري لإرهاب الدولة الروسي في الشيشان لا يزال من أفظع جرائم الإبادة في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

بهذه الحمولة تقارب واشنطن وموسكو الشأن السوري، وفي عُرفهما أن توافقهما وحده أهمّ من أي بُعد إنصافي ومن أي احترام للإنسان وحقوقه. فالروسي مستعجل للحصول على قائمة بـ «التنظيمات الإرهابية»، أو حتى قائمة لـ «تنظيمات المعارضة المعتدلة»، موحياً بأن الأولى تمكّنه من تركيز ضرباته لـ «الإرهابيين» إلا أن تلازمه مع نظام الأسد وأهدافه يجعله أكثر اهتماماً بالقائمة الثانية، لأن الأسد اعتبر دائماً أن أكبر خطر عليه هي «المعارضة المعتدلة»، طالما أنه قادر على تقاسم خطر «الإرهابيين» مع القوى الدولية، كما هو حاصل فعلاً. وكثيرةٌ هي الأمثلة عن تمثّل الأسد ونظامه بالممارسات الإسرائيلية، فكما استخدمت إسرائيل الدعم الأميركي لوصم الشعب الفلسطيني بالإرهاب وتغطية جرائم الاحتلال كذلك يستخدم الأسد الدعم الروسي لاعتبار كل من يعارضه إرهابياً ولإعادة طرح نفسه كحاكم صالح متمتّع بالشرعية.

باستثناء «داعش» الذي صنّف نفسه بنفسه، وفي ظلّ انقسام دولي مستحكم، كان من الطبيعي أن يصبح تصنيف المجموعات المقاتلة نوعاً من الاستحالة. فالنظام لا يزال على الورق ممثلاً الدولة السورية إلا أنه أصبح واقعياً طرفاً، ولأن «شبيحته» ارتكبوا أبشع المجازر فقد استحق أن يصفه بعض الدول بأنه المجموعة الإرهابية الأكبر والأكثر تسلحاً، واذا أُريد تجريم حلفائه بأنهم داعمون للإرهاب فهذا ينطبق مباشرةً وبوضوح على روسيا وإيران الموجودتين على الأرض، والثانية استقدمت ميليشيات من الخارج. أما الأطراف الأخرى فهي لأطياف من المعارضة تقاتل النظام الذي بادر إلى قتل الشعب، وكان من المتوقع أن تتداخل صفوفها وأن تنسّق معاركها، فهذا يحصل في كل الحروب الأهلية. وإذا كانت «جبهة النصرة» صُنّفت إرهابية بسبب مبايعتها زعيم تنظيم «القاعدة»، ويمكن لوم «النصرة» لأنها لا تملك سوى القتال مشروعاً لتحقيق الهدف ولا تأخذ في اعتبارها لا الإرادة الدولية لإنهاء الصراع سياسياً ولا ظروف حلفائها المعارضين، لكن لا يمكن اتهامها بأنها مارست «قاعديتها» في قتالها الداخلي. من هنا أن استهدافها لا يربك المعارضة المقاتلة فحسب بل يرمي إلى إضعافها، ويُراد من خلالها أيضاً استهداف داعمي المعارضة عموماً.

تعليقات