التصعيد الإيراني الأخير قبل الاتفاق النووي؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

3/3/2015
العرب القطرية

يقال رسمياً إن المفاوضات النووية تدور بين مجموعة الدول الـ5+1 وإيران، لكنها تُجرى فعلياً بين الولايات المتحدة وإيران، ويبدو حالياً أنها تحوّلت إلى اشتباك غير مباشر بين إسرائيل وإيران، فكلاهما تضغط على باراك أوباما الذي وقع وأوقع إدارته في الفخ: لا يمكنه أن يوافق على اتفاق لا يحقق الأهداف الأميركية وأهمها منع إيران من الحصول على سلاح نووي، ولا يمكنه إقناع خصومه الجمهوريين في مجلسي الكونجرس بالاتفاق المرتقب للحصول أيضاً على موافقة إسرائيل.

بالنسبة إلى الدول الست حرص جون كيري على تأكيد استمرار وحدة موقفها، رغم الخلاف الأميركي - الروسي الحاد في أوكرانيا وتبادل الضربات الجانبية في سوريا وحتى في اليمن. لكن تبايناً ظهر في تضامن الـ5+1، فروسيا والصين لم تكن لديهما باتتا تُسمِعان الصوت بأنهما لا تؤيدان تمديد المفاوضات، وتعتبران أن النص الحالي للاتفاق جيّد، فيما تلتزم بريطانيا وألمانيا المرونة، أما فرنسا فتبقى الأكثر تشدداً ولا تتردد أحياناً في المزايدة على أميركا. وهكذا فإن الدول الأخرى تفسح في المجال لتوافق الجانبين الأميركي والإيراني لأن بينهما الكثير من الملفات الثنائية المتراكمة، كما أن أميركا نفسها فرضت عقوبات مباشرة على إيران التي تشترط رفعها لتوقّع على أي اتفاق نووي. ويضاف إلى ذلك أن أميركا هي التي تولّت منذ البداية معالجة البعد الإسرائيلي في الأزمة النووية.

منذ دخل أوباما البيت الأبيض مطلع العام 2008 كان لديه هدف رئيسي وهو ألا يُقحم الولايات المتحدة في أي حرب جديدة، ولذلك حدد الحل الدبلوماسي مع إيران كأولوية، ويتزامن معه الخروج الأميركي من العراق وأفغانستان والضغط للحصول على اتفاق سلام فلسطيني - إسرائيلي من خلال المفاوضات. ومنذ العام الأول لرئاسته اصطدم أوباما بتعنّت بنيامين نتنياهو الذي استطاع أن يشلّ نهائياً سياسته المتعلقة بالتسوية السلمية. لكنه حقق في العام الثالث 2011 الانسحاب من العراق واعتبره إنجازاً ما لبث أن ارتدّ بصعود تنظيم «داعش»، ثم سحب في العام السادس 2014 القوات القتالية من أفغانستان، وهي خطوة لا تزال تحت الاختبار. بقي إذا أن ينهي المفاوضات مع إيران باتفاق يتيح تطبيع العلاقات معها، باعتبارها عنصراً حيوياً في استراتيجية التركيز الأميركي على منطقة شرق آسيا وصولاً إلى المحيط الهادئ. غير أن إيران برهنت أن دخول مفاوضات معها ليس كالخروج منها، فهي انتظرت هذه اللحظة منذ إنشاء الجمهورية الإسلامية قبل ستة وثلاثين عاماً، لتحقق أكبر المكاسب وأقصاها، من دون أن تنسى الثأر لاستهدافها وإذلالها في الحرب مع العراق (1980-1988). 

يمكن استشعار حراجة اللحظة الراهنة في ضوء مراهنة كبيرة عقدها أوباما على اتفاق مع إيران، حتى إنه أخضع مجمل مصالح أميركا وسياساتها الشرق أوسطية والخليجية لإنجاح هذا الهدف. وإذ يستعد لترك المنطقة أو تلزيمها للحلفاء والأصدقاء، ها هي إيران تكثّف الإشارات إلى أن المنطقة التي تريد أميركا التخلّي عنها باتت عملياً تحت نفوذها. فكل المكاسب التي رغبت طهران في تحصيلها إنما حصّلتها على وقع مفاوضات متقطعة حول برنامج نووي لم تكن يوماً قريبة فيه من صنع قنبلتها، وفيما احتدمت الصراعات الإقليمية الآن فإنها دفعت ببيادقها في اليمن وسوريا والعراق ولبنان للتحرّك وإظهار ما تستطيعه، وصولاً إلى المناورات الأخيرة في مضيق هرمز التي أرفقتها بتهديدات مباشرة لدول الخليج، بل إن مسؤولاً إيرانياً هو علي شيرازي، ممثل المرشد في فيلق القدس التابع للحرس الثوري، صرّح أخيراً بأن الجمهورية الإسلامية «لن تسكت حتى ترفع علم الإسلام فوق البيت الأبيض»، وأضاف أن النفوذ الإيراني امتد إلى القارة الإفريقية «خصوصاً في نيجيريا»! مع ما في ذلك من شبهة دعم إرهاب جماعة «بوكو حرام».

من الواضح أن مناورات التصعيد في مضيق هرمز شكّلت رداً على مواقف لأوباما اعتبر فيها أن كرة المفاوضات النووية هي الآن في ملعب الإيرانيين الذين بات عليهم أن يقرروا ما إذا كانوا يريدون اتفاقاً أم لا. والواقع أن طهران تريد اتفاقاً يخلّصها من العقوبات التي أرهقت اقتصادها، ويمكّنها في الوقت نفسه من الإدعاء داخلياً أن برنامجها النووي باق على حاله من دون تغيير. وبديهي أنها لا تستطيع الحصول على الأمرين معاً وإلا لما كانت المفاوضات أصلاً.

لكن الاستعراضات الإيرانية تصب عملياً في الألاعيب الإسرائيلية، لأنها تبقي الشك في أن طهران تواصل إخفاء معلومات عن أنشطة نجحت في الحفاظ على سرّيتها. فعلى رغم الكشف عن أن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد) لم يؤيّد المعلومات المضخّمة التي أدلى بها نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2012، فإن الأخير يعتزم تكرار تلفيقاته في خطاب يلقيه أمام الكونجرس الأميركي بدعوة من رئيسه الجمهوري، مع علمه بأن في الدعوة والخطاب إساءة واضحة لأوباما وإدارته. إذ إن نتنياهو يستغل هذه الواقعة لتعزيز حظوظه في انتخابات 17 مارس، لكن خصوصاً لاستفزاز الإيرانيين، وبالأخص لحضّ الجمهوريين على الذهاب قدماً في مشروع القانون الذي يطلب فرض مزيد من العقوبات الأميركية على إيران.

بين الإيرانيين الذين يريدون كل شيء أو لا شيء والإسرائيليين الذين يريدون اتفاقاً يفكّك بموجبه البرنامج النووي كلياً، لا تبدو مهمة أوباما سهلة. لكن ثمة واقعية ستفرض نفسها في النهاية. ذاك أن إبقاء البرنامج النووي ذي الأغراض السلمية، وبمعايير الوكالة الدولية للطاقة الذرّية وتحت رقابتها وإشرافها، صار الآن موضع توافق بين الدول الـ5+1، ومهما بذلت أميركا لن تتوصّل إلى حرمان إيران منه. بقي أن يكون الاتفاق صلباً من الناحية التقنية لكي يتمكّن أوباما من أن يواجه به خصومه. وعندئذ يمكن إرضاء إسرائيل كالعادة، فهي تصعّد للتعطيل، وإذا تعذّر فللابتزاز.