التطرف.. هل تكون مواجهته بالمزيد من أسباب وجوده؟

صورة عدنان سليم أبو هليل

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

12/2/2015
بوابة الشرق

النظم التي صنعها الاستعمار كبديل حصري له وكحارس مستأمن على مصالحه قامت بدورها هذا لعشرات السنين.. واستغلالا منها لنبرة التحرر ولحصرية امتلاك وسائل الإعلام الرسمية استمرت تشيع على خصومها من الإصلاحيين والإسلاميين تهم التخلف والرجعية والظلامية والحجرية والخشبية وحتى العمالة.. فيما ظلت تدعي لنفسها الديمقراطية والتقدمية والنزاهة والشرف.. ذلك أنشأ صراعا حقيقيا وخلافا موضوعيا بين هذه الاتجاهات وتلك النظم على مفهوم الدولة والاستقلال والتحرر والوطنية والشرعية والدين والنزاهة والديمقراطية.. إلخ وعلى ارتباط كل ذلك بالسياسة والمواقف والعلاقات، وألقى على كل ذلك ظلال الشك والزيف والتهمة والانتقاص.

* هذا لا يعني أن حركات الإصلاح كانت مبرأة أو معصومة من الخطأ أو الانحراف، ولا أن كل النظم مارست الهوى والفساد بذات القدر والكيفية، فحركات الإصلاح منها ما كان صادقا جادا وسطيا متفقا مع عقيدة الأمة ومصالحها واستوعب حقائق الواقع وبرمج نفسه ومواقفه على أساسها كالإخوان المسلمين، ومنها ما صبغه التطرف، ومنها ما انشغل بالتنظير عن العمل والجدية، ومنها من صنعه المستعمر اختراقا للإصلاح وضغطا على النظم، ومنها من استورد أفكارا غريبة ذات فجاجة ومساخة.. 

* لكن ممارسات النظم ضد خصومها ومحاولاتها وصم أخطاء بعضهم بخطاياه، وتعميم الأذى على المحسن والمسيء، وأخذها المقبل بالمدبر مضافا إليه أخطاؤها وخطاياها.. قد أكسب هؤلاء الخصوم رواجا وقبولا وأوقر في نفوس البعض أن الأكثر صلاحا وإصلاحا هو الأكثر تعنتا وتطرفا في مواجهة النظم ونقدها والتنظير ضدها. 

* في هذا السياق رأينا انشقاقات عن الإخوان المسلمين باتجاه التطرف والتسلح في أكثر من مرحلة، إلى أن نبتت نبتة التطرف الذي صار يكفر الإخوان والنظم والشعب، ويعتبر سلمية الإخوان ووسطيتهم وقبولهم بالديمقراطية تهاونا وشكليات لا معنى لها ولا جدوى منها.. فاستقر الحال لدى معظم الرأي العام على نظم منبوذة متهمة، وعلى جماعة الإخوان المسلمين كأمل للجمهرة العظمى من الأمة، وعلى ثلة من المتطرفين المتجسدين في أفراد ومظاهر أسمائهم وعناوينهم أكبر بكثير من حقائقهم وواقعهم. 

* فلما جاءت مرحلة القطب الأوحد والنظام العالمي الجديد في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، ما كان لنظمنا التابعة له والمجتهدة في طاعته إلا أن تستجيب لدعاوى الديمقراطية والحرية والأخلاقية التي ظل الغرب ينادي بها ويزعم تبنيها.. فتقدم الإسلاميون للانتخابات وكان الطبيعي والحري بهم أن يفوزوا رغم التزوير الفاضح ضدهم ورغم تغيير قواعد العمل السياسي والانتخاب لترسيبهم وإفشالهم.. ثم رأينا انقلاب الجيش الجزائري عليهم، وانقلاب زين العابدين بن علي في تونس في نفس الفترة تقريبا لمواجهتهم، ورأينا حراكات الجيش في تركيا ضدهم مرات.. وفي فلسطين فازوا فانقلب عليهم العلمانيون ووقع الانقسام. 

* الذي زاد جرعة التطرف والعنف هو الحماية الغربية للعدو الصهيوني وجرائمه وقذاراته، والغزو الاحتلالي الأمريكي للعراق وأفغانستان، وتخلي مجلس الأمن الدولي عن مهامه تجاه قضايا المنطقة، وتزوير الانتخابات، وتدمير ثقة المواطن بالنظم، وتيقن الشعوب أن لا إصلاحات حقيقية ولا انتخابات حقيقية ولا استقلالات حقيقية.. فهب الناس هبة ثورات الربيع التي دفعت بالإخوان إلى المقدمة وانزوى تطرف المتطرفين وخفت طنينهم.. إلى أن وقع التحالف الأمريكي الشيعي ضد الإخوان وتداعت النظم وأتباعها لمواجهتهم وإفشالهم، ودفعت اتجاهات العلمانية والليبرالية لمقاومتهم والانشقاق عنهم، وسرقت الثورات وسفكت الدماء واستشرى القتل.. فأعطى كل ذلك تبريرا لعودة سبق التطرف ومنحه دفعا وجدية. 

* آخر القول: الذي صنع التطرف هو من مارس الحكم استبدادا وفسادا وتبعية، وهو من أسال دماء الإخوان، ومن أزال حكمهم، ومن لم يسمح بالفرصة الموضوعية للسلمية والوسطية.. فهل تكون مواجهته بالمزيد من أسباب وجوده إذن؟