التغييرات الأمنية بأجهزة مخابرات الأسد.. نحو تطبيع إقليمي عبر تل أبيب؟

تغييرات النظام لقيادات أجهزته الأمنية أثارت الكثير من التساؤلات حول دلالات الخطوة وتوقيتها
الاثنين 22 يوليو / تموز 2019

مازالت التغييرات التي أجراها نظام الأسد، لقياداتٍ كبيرة في أجهزته الأمنية، مطلع هذا الشهر، ترسم أسئلة عديدة، حول هذه التغييرات، ودلالاتها وتوقيتها. وبينما تتنوع التحليلات حول المسألة، بين من يرى أن هدف النظام من هذه التنقلات، إعادة ضبط عماده الأساسي في السيطرة(أجهزة الأمن)، تماشياً مع التطورات السياسية والميدانية خلال الأشهر الماضية، ومن اعتبر أن التغييرات، لا يمكن أن تكون بعيدة عن الصراع الروسي-الإيراني، للسيطرة على مفاصل الدولة.

في هذا السياق، أصدر "المرصد الاستراتيجي"، اليوم الاثنين، ورقة بحثية، ذهب فيها إلى أن "التحولات الأمنية" الأخيرة، تهدف لتحقيق "تطبيع إقليمي عبر تل أبيب"، معتبراً أن "التركيبة الجديدة" لقيادات أجهزة النظام الأمنية "لن تصمد"، لأنها "تقوم على أساس توازنات جديدة لا تراعي البنية الطائفية التي صبغت مؤسسات الأمن السورية خلال العقود الخمسة الأخيرة".

واستند بحث "المرصد" في تحليله هذا، إلى جملة معطيات، حول الشخصيات القيادية، إن كان التي جرى تعيينها، أو تلك التي أنهى النظام مهامها، مُعتبراً أن "عمليات التعيين والنقل تتم بإشراف الاستخبارات الروسية التي تتمتع بعلاقات وطيدة مع الأجهزة الأمنية السورية منذ ثمانينيات القرن الماضي، حيث اضطلعت بدور أساسي في حسم خلاف حافظ الأسد مع شقيقه رفعت عام 1984، وعملت على تدريب وتأهيل الدائرة الأمنية المحيطة بابنه بشار خلال الفترة 2009-2000 ،وتدخلت لحسم الموقف المتأزم عقب مقتل رئيس شعبة الأمن السياسي الأسبق اللواء رستم غزالي على يد رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الأسبق اللواء رفيق شحادة عام 2015".

وتعكف الاستخبارات الروسية، حسب البحث "على تفكيك المنظومات الموالية لإيران، ولماهر الأسد الذي يعتمد على قائد فيلق القدس اللواء قاسم سليماني في تقوية الفرقة الرابعة وتسليحها، فيما يعول سليماني على ماهر للمحافظة على شبكة واسعة من المقرات العسكرية ومصانع إنتاج وتخزين الصواريخ، وعلى دمج آلاف الضباط والمستشارين والمهندسين والفنيين الإيرانيين فيها، وتنسيب عدد كبير من عناصر الميلشيات الإيرانية في الفرقة الرابعة ومنحهم الجنسية السورية".

وحسب "المرصد الاستراتيجي"، فإن "حركة التعيينات الأخيرة(يوليو/تموز 2019)، تأتي كنتيجة مباشرة للتهديد الذي شكلته زيارة بشار المفاجئة إلى طهران (فبراير/شباط 2019)وما أعقبها من تفاهمات بين رئيس الأركان الإيراني محمد باقري مع نظيريه السوري والعراقي في دمشق (مارس/أذار 2019)، ما اضطر بوتين إلى إيفاد وزير دفاعه إلى دمشق حاملاً رسالة شديدة اللهجة إلى بشار الأسد، والشروع في خطة شاملة لإعادة صياغة المعادلة الأمنية السورية"، إذ كان "الرئيس الروسي قد أحدث تحولاً جذرياً في تعامله مع الملف السوري عندما طلب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو(فبراير/شباط 2019)، وضع تصور لمعالجة الأزمة السورية، وفتح قناة تواصل مع واشنطن حول سورية، ونتج عن تلك التفاهمات عقد الاجتماع الثلاثي في القدس(24-25 يونيو/حزيران 2019).

ورأى البحث أن تعيين اللواء غسان إسماعيل، كمديراً لمخابرات النظام الجوية، بدلاً من جميل الحسن، جاء لتحقيق ثلاثة أهداف؛ أولها "تأهيل الإدارة للتعامل مع ملف التطبيع مع إسرائيل"، إضافة لـ"تهميش العميد سهيل الحسن، حيث دارت شائعات في نهاية العام الماضي أن اللواء الحسن يدفع باتجاه تعيين (النمر) خلفًا له عقب تقاعده. وعادت تلك العلاقة بعواقب وخيمة على سهيل الحسن الذي فقد أسهمه في دمشق إثر تواطؤه مع اللواء الحسن"، حيث أن النظام يريد "التخلص من اللواء جميل الحسن، الذي أفضت مفاوضاته المباشرة مع الإسرائيليين إلى كارثة كبيرة، حيث استغرق اجتماعه معهم ( يونيو/حزيران 2019 )بوساطة روسية- في منطقة أم اللوقس الحدودية نحو أربع ساعات، ودار الحديث حول: إمكانية دمج الفيلق الخامس ضمن القوات الحكومية وتثبيته في الهياكل العسكرية، وسبل نقل الميلشيات الموالية لإيران بعيداً عن الحدود، إلى أن الحسن بدا متصلباً، وأنهى الاجتماع -فجأة- بعبارات تحمل الإهانة والتحدي".

وحول تعيين اللواء حسام لوقا، مديراً لإدارة المخابرات العامة، فقد ذهب البحث إلى أن موسكو حققت من ذلك "مكتسبات"، مثل "تعزيز النفوذ الروسي في القصر الجمهوري"، إضافة لـ" إحكام السيطرة على جهاز المخابرات الوحيد المعترف به دولياً".

ورغم عدم الإعلان رسمياً من قبل النظام، حول تعيين علي مملوك نائباً لرأسه بشار الأسد، وتعيين اللواء ديب زيتون، بدل مملوك في إدارة "مكتب الأمن الوطني"، فإن البحث رأى في الخطوة لو ثبتت صحتها "تحولاً كبيراً في سياسات النظام"، مشيراً إلى أن "بشار الأسد يرى أن اللواء مملوك يمثل تهديداً له، حيث حصل مملوك على دعم المخابرات الإيطالية، والتي نتج عنها إيعاز الحكومة الإيطالية إلى موظفيها السابقين؛ مسؤولة السياسية الخارجية بالاتحاد الأوروبي فيديريكا موغريني والمبعوث الأممي السابق لسوريا ستافان دي مستورا لطرح اسم مملوك بديلاً عن بشار الأسد، والترويج له لقيادة المرحلة الانتقالية، ومحاولة إقناع المعارضة السورية بذلك خلال الفترة 2018-2016".

هل تصمد التركيبة الجديدة؟

وتوصل البحث إلى أن "التعيينات الأخيرة التي أجراها القصر الجمهوري بإشراف الاستخبارات الروسية؛ تدخل ضمن الإعداد لمرحلة دأب بشار الأسد على مناقشة ملاممحها مع الدائرة الضيقة المحيطة به، وتتمثل في التخلص من مناوئيه، والشخصيات التي يمكن أن تحظى بدعم خارجي لتحدي سلطته في المرحلة المرتقبة، وعلى رأسهم: علي مملوك، وجميل الحسن، وسهيل الحسن، وعبد الفتاح قدسية"، معتبراً أن "التعيينات الجديدة راعت مطالب أساسية لتل أبيب التي باتت تضطلع بأدوار رئيسة في الملف السياسي السوري، حيث تم استبعاد الشخصيات غير المرغوبة من قبل تل أبيب، واستبدالها بشخصيات أقل نفوذاً وتأثيراً، إذ يصنف كل من: غسان إسماعيل، وكفاح ملحم، وحسام لوقا، وناصر العلي، وناصر ديب، على أنهم تنفيذيون من الصف الثاني، ولا يتمتعون بمراكز قوى أو نفوذ عشائري".

وعلى صعيد الدور المنوط بالقادة الأمنيين الجُدد، رأى البحث أن "موسكو ترغب في توظيف النفوذ الإسرائيلي بواشنطن لإعادة دمج النظام في المنظومة الإقليمية، وتوفير التمويل اللازم لمشاريع إعادة الإعمار من خلال استبعاد جميع الشخصيات المقربة من إيران، حيث يتوقع أن يتم اتخاذ إجراءات إضافية تضعف من نفوذ ماهر الأسد".

لكن "ومن خلال رصد ردود الأفعال في دائرة ماهر الأسد والميلشيات المحيطة به، وتتبع ما يدور من حملة انتقادات ضد النظام في اللاذقية وطرطوس من قبل آل الأسد وحلفائهم ضد بشار؛ فإنه من غير المتوقع أن تصمد التشكيلة الأمنية الجديدة، وذلك أنها تقوم على أساس توازنات جديدة لا تراعي البنية الطائفية التي صبغت مؤسسات الأمن السورية خلال العقود الخمسة الماضية، إذ إن تعيين شخصيات ثانوية لا تنتمي إلى العشائر المتنفذة في الطائفة، وهو تكتيك تلجأ إليه موسكو لإبعاد الشخصيات الأقوى، وتعزيز القبضة المركزية للقصر الجمهوري، دون مراعاة فقدان بشار الأسد المهارات القيادية في مركز السلطة الأخذر بالتآكل والانفراط".

المصدر: 
السورية.نت