التقارب التركي السعودي وتأثيره على الثورة السورية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

18/2/2015
السورية نت

ربما خسرت الثورة السورية من تناحر الأصدقاء أضعاف خسارتها من تآمر الأعداء، فما يسمى أصدقاء الشعب السوري يقسمون إلى عدة مستويات: مستوى الداعمين الحقيقيين لكنهم متناحرون، مستوى الداعمين المتآمرين المتاجرين، مستوى الداعمين غير المبالين.

الداعم الحقيقي يتمثل بدولتي السعودية وتركيا، لكنّ الخلافات السياسية بين البلدين انعكست سلباً على الثورة السورية، أما المتآمر فيتمثل بأمريكا التي جعلت من الثورة السورية مطية لتحقيق أمن إسرائيل، ومصالحها الاستراتيجية في المنطقة، حيث باعت دماء السوريين مقابل تسليم الكيماوي أولاً، وهي بصدد بيع سورية كلها من أجل الوصول إلى حل بالملف النووي الإيراني، وما يخص شريحة المستوى الثالث يمثلها بعض الدول العربية وبريطانيا والأصدقاء الأوربيون، فهم يسيرون مع تركيا والسعودية تارة، ومع الأمريكان تارة أخرى.

تمثل السعودية وتركيا القوتين الرافعتين للثورة السورية، فلولاهما لتمكن الأسد من قمع ثورة شعبية لم تشهد البشرية مثيلاً لها من حيث نسبة المشاركين فيها، فالأسد على استعداد لحرق السوريين وسورية من أجل البقاء في الحكم مدعوماً بإيران وروسيا، وتعتبران السعودية وتركيا بمثابة الجناحين اللذين سيعبران بالثورة السورية إلى بر الأمان.

إن التقارب السعودي التركي ــ ولو بالحد الأدنى ــ يصب في مصلحة البلدين بقدر ما يصب في مصلحة الثورة السورية، ذلك لما يجمعهما من مصالح استراتيجية مستقبلية تضمحل أمامه الخلافات اللحظية الشكلية، فالأمن القومي للبلدين مرتبط بحل الملف السوري، ونتائجه ستنعكس عليهما سلباً أو إيجاباً بالقدر ذاته.

تدرك تركيا أنّ بقاء الأسد يعني استمرار المشكلة الكردية بلا حل، فنظامه لن يدخر جهداً لإثارة الفتنة وتحريض المرتبطين به، منذ عهد الأسد الأب كانت الورقة الكردية ورقة ابتزاز تستخدم ضد تركيا رغم أن الأسدين أكثر من اضطهد الكرد، كما أنَّ التطرف الإسلامي المتنامي والمرشح للتنامي في ظل غياب أُفق للحل سينتقل إلى تركيا حكماً، فتركيا التي أوقفت 10 آلاف مهاجر ومنعتهم من دخول سورية، ستجد عشرات الآلاف من المهاجرين على أراضيها المفتوحة مع أوربا، تضاف إلى ذلك الفاتورتان السياسية والاقتصادية للحكومة الحالية نتيجة موقفها الإيجابي من الثورة السورية، كما تتعرض تركيا لابتزاز سياسي من قبل الإيرانيين والروس حيث تملك تركيا أعلى نسبة للتبادل التجاري معهما، وهي بحاجة لداعم إقليمي كالسعودية يعينها على الوصول بالثورة السورية لبر الأمان.

من جانب آخر فإنّ السعودية المتماسكة اقتصادياً تعاني خطراً أشد فتكاً، إن أحكمت إيران الخناق عليها عبر إحراق العراق وإشعال اليمن بالنفس الطائفي، والمراقب لكرة اللهب يدرك أنّ السعودية لن تكون بمنأى فقد أصبحت بالمرمى، فعلى الرغم من عدم قدرة إيران على الإمساك بالعراق واليمن وسورية ولبنان نتيجة الرفض الشعبي لدى الغالبية، لكنها نجحت في خلق الفوضى ونشر الدمار والتي تعتبر سبيل إيران للهيمنة على المنطقة كلها ولو سياسياً، وإن استطاعت المملكة ــ حتى الآن ــ في تحصين نفسها من الفوضى الهدامة فإنها ستسقط مستقبلاً إذا لم تبادر لكسر الطوق الشيطاني، فالحكيم يطفئ الحريق قبل أن يصل إلى بيته ولا ينتظره، وكسر شوكة إيران في سورية سيحطم ذلك الطوق وربما نظام الملالي معه.

كما أنَّ السعودية لن تكون بمنأى عن التطرف الإسلامي، فمن يعرف تركيبة المجتمع السعودي العربي المتدين وحبه للجهاد وبغضه لإيران يدرك أنَّ التطرف سيجد أرضاً خصبة بدعوى تخلي الحكومة السعودية عن نصرة أهل السنة في سورية، وغض الطرف عن جرائم إيران، والمتطرفون يعزفون الآن على هذه السمفونية.

كما أنّ السعودية وتركيا على دراية بحقيقة وأبعاد الموقف الأمريكي، فأمريكا تتخلى باستحياء عن البلدين في سبيل أمن إسرائيل الاستراتيجي، فالدعم الخجول الذي تقدمه أمريكا، والتلويح بتدريب المعارضة يأتي في إطار المناورة السياسية وابتزازهما من جهة ولإيران من جهة ثانية، فلو سمحت أمريكا بداية بتسليح الثورة لانتهى الأسد منذ زمن ولما كان هناك تطرف.

السعودية وتركيا يبحثان عن مصالحهما الاستراتيجية بما يحفظ أمنهما القومي، وفي هذا الإطار تفهم زيارة ولي عهد المملكة ولقائه وزير الداخلية التركي، فالأخطار التي تتهددهما واحدة، وربما يكون الملف السوري نقطة اللقاء المشتركة، والجسر الذي يعبر من خلاله البلدان خلافاتهما الضيقة.

من جانب آخر فإنّ المعارضة السياسة تقف أمام امتحان صعب، فحالة التمزق والتشظي بين الولاء لهذه الدولة أو تلك يبدو أنه إلى زوال، على الأقل هذا ما يأمله السوريون، فقيادة الائتلاف الجديدة تدرك أنَّه يصعب نجاح الثورة دون الاستفادة من الثقلين السعودي والتركي معاً، فأمريكا والغرب في النهاية غير مكترثين بالدم السوري أمام أمن إسرائيل، ومصر التي انحرفت بوصلة الثورة فيها مشغولة بمشاكلها التي يبدو أنها للأسف في تصاعد، وبالتالي فهي أضعف من أن يكون لها ثقل أو تأثير فيما يجري في سورية، وقيادة المعارضة الجديدة تعي هذه الحقائق، وفي هذا الإطار يُفهم كلام السيد خوجة لصحيفة الوطن السعودية الذي أوضح مكانة الدورين السعودي والتركي، وأن الولايات المتحدة تتفاهم مع إيران على حساب سورية.

على المعارضة السورية العمل على مد جسور الثقة بين البلدين، واستثمار حرصهما على دعم الثورة لا العيش على التناقضات والخلافات السياسية بينهما، فالصورة الآن واضحة بعد أن تعرض البلد لاحتلال إيراني مباشر، فإيران تقود العمليات العسكرية على الأرض في الجنوب (درعا) وفي الشمال (حلب) مدعومة بغطاء سياسي وعسكري روسي حتى بات المسؤولون يصرحون بشرعية استعانة النظام السوري بالميليشيات الطائفية كما جاء على لسان السفير الروسي بلبنان، فالسباق الآن على الزمن، وإيران تريد كسب الأرض قبل انتهاء مفاوضات الملف النووي.