التنقيب في النفايات.. مهمة صعبة يُجبر عليها أطفال سوريون لإعالة عائلاتهم النازحة

طفلان سوريان ينقبان في النفايات بحثاً عن البلاستيك - أ ف ب
الخميس 31 يناير / كانون الثاني 2019

يُقلّب الطفل سبع الجاسم وشقيقته بين النفايات بواسطة قضيب حديدي، في مكب قرب قرية كفرلوسين بمحافظة إدلب شمال غرب سوريا، بحثاً عن مواد بلاستيكية يمكنهما بيعها لإعالة عائلتهما الفقيرة.

وقال الجاسم (15 عاماً) وهو يرتدي ثياباً متسخة: "أقوم بجمع كيسين من البلاستيك يومياً وأبيعهما لأتمكّن من شراء الخبز"، لإطعام عائلته المؤلفة من تسعة أطفال مع والديهم.

ويقصد هذا الفتى مكب القمامة الواقع قرب قرية كفرلوسين في محافظة إدلب مع اثنين من أشقّائه وشقيقته، ما يخولهم يومياً جني ألف ليرة سورية، ما يعادل دولارين. كما تقصد نساء وأطفال المكب ذاته بحثاً عن خردة أو مواد بلاستيكية لبيعها، فيما تبحث أغنام بين النفايات عما يسدّ جوعها.

"لا نأكل اللحم"

وأوضح الجاسم النحيل البنية، أنهم بالأموال يشترون الخبز، والبطاطا، والخضار، والبندورة، قبل أن يتابع ببراءة: "ليس لدينا مالاً لشراء اللحم".

وبعدما ينتهي من مهمته اليومية، يبيع الفتى ما يجمعه لجاره مرهف حجازي الذي ينقل الأكياس إلى بلدة الأتارب المجاورة حيث تجري عملية إعادة تدويرها.

وقال حجازي (25 عاماً)، النازح بدوره من محافظة حمص، وهو أب لرضيع يبلغ سبعة أشهر، إن "سعر النحاس هو الأغلى، لكن البلاستيك والنايلون هما ما يمكن للأطفال إيجاده" خصوصاً أنه "الأكثر وفرة في المنطقة".

ويضيف الرجل الذي يشتري يومياً ما يجمعه عشرة أشخاص، غالبيتهم من الأطفال: "تنبعث من القمامة الروائح الكريهة والأمراض. لولا الحاجة لما اضطر أحد للعمل فيها".

أشعر بالقهر

وترزح الشريحة الأكبر من سكان سوريا تحت خطر الفقر، وتضم محافظة إدلب وحدها، والواقعة بشكل شبه كامل تحت سيطرة هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً)، نحو ثلاثة ملايين نسمة، نصفهم من النازحين من مناطق أخرى. ويعتاش غالبيتهم من مساعدات غذائية تقدمها الأمم المتحدة ومنظمات محلية، بالكاد تكفي لسد رمقهم.

ومن بين هؤلاء النازحين عائلة الجاسم التي فرّت من المعارك في محافظة حماة (وسط) المجاورة، لتستقر داخل خيمة مصنوعة من الأغطية البلاستيكية المثبتة بحبال وحجارة، في مخيم عشوائي قرب كفر لوسين تجمعت في أنحائه مستنقعات المياه بفعل تساقط الأمطار.

وداخل الخيمة، يفترش أفراد العائلة الأرض المغطاة بسجاد وفرش حول مدفأة على الحطب. وفي ناحية منها، يستلقي الابن البكر مرتدياً قميصاً صيفياً، وفوقه غطاء شتوي أحمر اللون لا يخفي رجله المثبتة بسيخ حديدي جراء قصف جوي نجا منه.

ويقول رب الأسرة جاسم الجاسم (53 عاماً) الذي كان يعمل كمزارع بحسرة: "عندما يذهب أولادي الى مكب القمامة، أجد نفسي صغيراً ومقهوراً جداً"، لكنه لا يجد خياراً آخر بعدما بات عاجزاً عن العمل جراء عملية في القلب خضع لها مؤخراً وأثّرت على حركته.

ويؤكد الرجل ذو اللحية البيضاء وعلى رأسه كوفية حمراء وبيضاء، أنه لا يتمنى لأولاده أن "يذهبوا إلى المكبّ لأن القمامة أوساخ وأمراض وروائح كريهة"، ويأمل لهم "مستقبلاً جميلاً وأن يتعلموا" لكنه يوضح في الوقت ذاته "إذا لم يعملوا سنجوع".

انعدام الأمن الغذائي

ومع وصول حافلة جديدة محملة بالقمامة، يسارع النساء والأطفال في الموقع للبحث بين الأكياس، غير آبهين لسحابة الغبار المنبعثة جراء إفراغ الحمولة. وتحتوي هذه الأكياس على بقايا طعام وحفاضات متسخة وعلباً معدنية وعبوات مواد تنظيف وأكياس.

ويرتدي أغلب الأطفال أحذية بلاستيكية. ويضع موفوروا الحظ منهم قفازات بينما يستخدم معظمهم قضيباً معدنياً ملتوي الرأس لمساعدتهم في عملية البحث.

ونتيجة الإرتفاع الهائل في الأسعار وخسارة السكان لمصادر دخلهم، تعاني سوريا من "انعدام الأمن الغذائي"، وفق ما أعلن برنامج الأغذية العالمي التابع لمنظمة الأمم المتحدة في شهر ديسمبر/ كانون الأول، حيث يعاني 6,5 مليون شخص من عدم القدرة على تأمين حاجاتهم الغذائية، وفق المنظمة.

صحة النازحين وأطفالهم تبقى في خطر بسبب الأضرار الناجمة عن الأبخرة والغازات المتصاعدة من احتراق هذه المواد، ولا يخفى ضررها على الجهاز التنفسي، فضلا عن تسببها في أمراض سرطانية.

وحول مخاطر حرق المواد البلاستيكية على صحة النازحين، قال الطبيب عبد الله عموري "إنها من الأسباب الرئيسة لانتشار الأمراض بين النساء الحوامل، وتسفر أحيانا عن ولادة أطفال يعانون عاهات خلقية".

وأضاف عموري: "ينتج عن اشتعال هذه المواد مركبات سامة وضارة بالبيئة والصحة العامة، وتؤدي إلى إصابة الإنسان بضعف المقاومة بشكل عام، فضلا عن أمراض خطيرة مثل سرطانات الكبد والدماغ والرئة".

اقرأ أيضاً: تجدد القتال بين قوات ماهر الأسد و"النمر".. صراع نفوذ ينسف الاتفاق بينهما

المصدر: 
أ ف ب - السورية نت