التواطؤ المصري في سورية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

6/10/2015
العربي الجديد

كما هو متوقع، أيدت مصر الرسمية الضربات الروسية على مواقع المعارضة السورية. وجاءت تصريحات وزير الخارجية، سامح شكري، معبرة عن موقف القاهرة من نظام بشار الأسد منذ انقلاب الثالث من يوليو/تموز 2013، والذي يقوم علي عدم السماح بسقوط الأسد أو انهيار نظامه. وحقيقة الأمر، يتجاوز الموقف المصري الراهن مجرد الموافقة الضمنية على التدخل الروسي في سورية، كي يصل إلى حد التواطؤ، وربما المشاركة المباشرة في الحرب ضد المعارضة السورية. فحسب تقارير كثيرة، ثمة أسلحة وذخيرة مصرية تم توريدها إلى نظام الأسد، ليستخدمها ضد المعارضة، وهو ما وضح من صور تم تبادلها في الفترة الماضية، تظهر صواريخ غراد ورصاصاً تم تصنيعهما في المصانع الحربية المصرية. بل واعترف بشار الأسد نفسه بوجود دعم مصري وترتيبات أمنية بين القاهرة ودمشق، وهو ما لم يعد سراً. 

الموقف المصري من بشار الأسد ونظامه، وبالتالي من الضربات الروسية أخيراً، يمكن تفسيره في عدة نقاط. أولها، أننا إزاء تحالف المستبدين، فما يجمع القاهرة وموسكو ودمشق هو وجود أنظمة سلطوية قمعية في السلطة، تخشى على نفسها من السقوط، وهي لا تتورع عن استخدام القوة والإقصاء ضد معارضيها، تحت شعارات فارغة، مثل هيبة الدولة ووحدتها وتماسكها. ولا تختلف عقلية عبد الفتاح السيسي عن بشار الأسد وفلاديمير بوتين، فجميعهم على استعداد لفعل المستحيل، من أجل البقاء في السلطة، حتى وإن كان التخلص ممن يهددون عرشهم. ومن الملفت أن هذه الأنظمة تحتقر شعوبها، وتعتقد أنها شعوب غير ناضجة، وبالتالي، لا تستحق الحرية أو الديمقراطية. فمثلما قال السيسي مرة إن "الديمقراطية في مصر تحتاج إلى جيل أو جيلين كي تولد"، فإن بوتين وصف الشعب الروسي بأنه "متخلف، وأمامه وقت كثير كي يتعلم الديمقراطية"؛ وذلك حسب ما تشير أستاذة العلوم السياسية، ماري ميندراس، في كتابها "السياسة الروسية: مفارقة دولة ضعيفة".

 

ثانياً، ثمة محور إقليمي/دولي جرى تدشينه قبل فترة، هدفه الرئيسي ليس فقط وقف حالة التغيير التي اجتاحت المنطقة العربية خلال السنوات الأربع الماضية، ووأد كل آمالها، وإنما أيضا إيجاد معادلة إقليمية جديدة، هدفها الرئيسي تثبيت الأوضاع الراهنة، من أجل تحقيق مصالح هذا المحور. قاعدة هذا المحور في مصر، ورأسه في موسكو، بينما جناحاه في طهران ودمشق. يدافع بشراسة عن بقاء نظام الأسد، ليس فقط لأنه قادر على ضمان تحقيق مصالح أطرافه، من خلال فتح امتدادات إقليمية لها عبر الأراضي السورية، وإنما أيضا لأنه يتبع استراتيجية "التوحش" ضد أية محاور أخرى، تحاول السيطرة على المنطقة. من هنا، يمكن فهم حالة التناغم في المواقف بين أطراف هذا المحور، فنظام السيسي كان حريصاً، منذ جاء إلى السلطة، على توطيد علاقته بنظام بوتين بشكل كبير، ليس فقط في إطار مناورات السيسي مع واشنطن، وإنما لوجود تماهٍ في الأهداف بين النظامين السلطويين. كما أن ثمة تقارير عن تقارب وغزل مصري-إيراني، ولعل ذلك أحد أسباب فتور العلاقات بين القاهرة والرياض. 

 

ثالثاً، لا يمكن فهم الموقف المصري من الضربات الروسية من دون فهم علاقته بإسرائيل. فالأخيرة ترى ضرورة بقاء نظام الأسد، وذلك كما لخصته عناوين الصحف الإسرائيلية ومانشيتاتها في الشهور الماضية. ولعل زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لروسيا قبل أسبوعين، والتي جاءت بعد أسابيع قليلة من زيارة السيسي له، تؤكد أن ثمة تناغماً وتفاهماً واضحاً بين القاهرة وموسكو وتل أبيب. يأتي ذلك في وقت يحاول فيه السيسي تقديم نفسه باعتباره "عرّاباً" للسلام مع إسرائيل، مثلما قال في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل أسبوع، دعا فيه إلى توسيع معاهدة السلام مع إسرائيل لتضم بقية البلدان العربية. وليس مستبعداً وجود تل أبيب في المحور الذي تحدثنا عنه في النقطة السابقة، ولكن من دون الإفصاح عن ذلك. 

 

على الرغم من ذلك، قد تؤدي تناقضات العلاقة بين أطراف هذا المحور إلى فشله وسقوطه. فمن جهةٍ، تغامر بعض دول هذا المحور بعلاقاتها الإقليمية، وقد تدفع ثمناً لمغامراته بالدخول في تحالفات جديدة على حساب علاقاتها القديمة. فعلى سبيل المثال، يغامر نظام السيسي بعلاقته بالرياض، وهي التي دعمته مالياً وسياسياً منذ انقلابه فى 3 يوليو/تموز 2013. خصوصاً في ظل رفض الرياض التام بشار الأسد ونظامه، وهو ما عكسته تصريحات وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، الذي حذر، وبلهجة غير مسبوقة، الأسد وخيّره بين "الرحيل أو الحل العسكري". كما أن السيسي يغامر أيضاً بعلاقته بواشنطن، ليس لأنها تريد إسقاط بشار الأسد. ولكن، بسبب انصياع السيسي لمطالب موسكو، ودعمها الكبير حربها الحالية بسورية، والتي تستهدف بعض فصائل المعارضة التي دربتها، ولا تزال، واشنطن من أجل محاربة بشار الأسد. كما أنه لا يتصور عاقل أن تتغير العلاقة بين طهران وتل أبيب لمجرد رغبتهما في الحفاظ على نظام بشار الأسد. 
نحن، إذاً، إزاء لحظة نادرة في الصراع الإقليمي في المنطقة، تتداخل فيها الأوراق.

تعليقات