التّدخل الغربي في السّلطنة وأثره على العرب

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

3/12/2015
السورية نت
المؤلف: 

كان لتدخل الدّول الأوروبيّة في السّلطنة العثمانية وطمعهم فيها دور مهم في تحريك الثّورات فيها هنا وهناك. وشيئاً فشيئاً خرجت الأمور من يد السّلطان عبد الحميد([1]) مما أدى إلى نشوب الثّورة عام 1908م، ضدّ السّلطان وسياسته([2]).

كان هدف ثّورة 1908م المعلن هو التّخلّص من حكم السّلطان عبد الحميد وإقامة حكومة دستوريّة ووضع حدّ لتدخّل القوى الأوروبيّة([3])؛ لكن الملاحظ واللافت أن هذه الحكومة المبتغاة كانت تقليداً لنظم الحكم الأوروبية، وتهدف بالدرجة الأولى إلى نقل نموذج الحياة الغربيّة إلى السّلطنة، من دون أيّ تحفّظ.

وبينما كان السّلطان عبد الحميد يسعى لتدعيم حكمه بإحياء الجامعة الإسلاميّة، راجياً أن يحتفظ عن طريقها بولاء العناصر غير التركيّة من العرب وغيرهم، كانت الدّول الأوروبيّة تعمل عملها داخل السّلطنة.

سعى عبد الحميد من أجل تدعيم الرابطة الإسلاميّة إلى إكمال خط الحديد الحجازي لنقل الحجاج إلى الديار المقدّسة، وكان الخط يصل اسطنبول بالمدينة المنورة، ماراً بسورية من شمالها إلى جنوبها، وقد جمع السّلطان مليون ليرة وهي ثلث تكلفته من تبرعات المسلمين في العالم الإسلامي، وبنى هذا الجسر مهندسون ألمان، وتولى أمره رجل سوري اسمه أحمد عزت باشا([4])، وكان كاتب السلطان الخاص([5]). وكان لهذا العمل أثره في إنعاش الرابطة الإسلاميّة بين شعوب السّلطنة.

الجدير بالذكر أنّ لورنس([6]) صديق العرب، قام بنسف جسور هذا الخط إبان الحرب العالمية الأولى([7])، لأن أي جامعة بين المسلمين يجب أن تنسف تحقيقاً للمصالح الأوروبية والغربية.

لا يمكن أن نتجاهل التّدبير الخارجي، والخطط الّتي رسمتها الدّول الغربيّة، لتفكيك الدّولة العثمانيّة والقضاء عليها، بمساعدة بعض الفئات التركية والعربيّة. حيث عملت تلك الدول على إثارة الفتن والاضطرابات داخل السّلطنة وشجّعت الخلافات المذهبيّة والطّائفيّة والعرقيّة، من أجل الوصول إلى غايتها المرجوّة([8]).

وقبل كل هذا كان لازدياد الاحتكاك بالغرب، وتغلغل الأوروبيّين في الدّولة العثمانيّة، أثر كبير في بروز ملامح التّغيير الاجتماعيّ الّتي صارت تتّضح تدريجيّاً، وحصل الأوروبيّون على امتيازات كبيرة لهم في الدّولة العثمانيّة، هذه الامتيازات أثّرت في المجالات الاقتصادية وخاصة في الصّناعة المحليّة ونافستها، بل وكادت تقضي عليها([9]).

وكان جلّ رأس المال العامل في التجارة داخل السّلطنة أوروبيّاً أو مرتبطاً به. فالمراكز التّجاريّة الّتي أنشأها الأوروبيّون في ظلّ الامتيازات الّتي أُعطيت لهم، وقلّة الضّرائب الّتي يدفعونها بالنّسبة إلى أهل البلاد، أدّت إلى أن تكوّنت حول تلك المراكز (برجوازيّة) من أناس ارتبطوا بهم، وحصلوا بواسطتهم على نوع من الحماية([10]).

ولم يكن التغلغل الأوروبيّ مقتصراً على الجانب المادي، بل لحق هذا تغلغل في الحياة الاجتماعيّة والثّقافيّة،

وبالرغم من معارضة فريق من العلماء وطلبة العلم، ووقوفهم في وجه جهود كبار الدّاعين إلى التّجديد في السّلطنة، عن طريق الأخذ عن الغرب وتقليده، ومناصرة تيار الاقتباس منه، إلا أنّ السّلطنة كانت قد بلغت من الضعف ما أفقدها القدرة على مقاومة ذلك التغيير الّذي لحق بكل مناحي الحياة في الدّولة([11]).

وفي العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، أصبح الشعور بقوة أوروبا واسع الانتشار، وتطورت طبقة مثقّفة جديدة درست في أوروبا، أو في مدارس أوروبيّة أقيمت في العالم الإسلامي والعربي، نظرت للعالم الإسلامي والعربي بعين مختلفة، فتحها المعلمون الغربيون، وامتلكت وسائل جديدة لنقل ما رأته لدولها([12]).

لم يكن الانبهار العربي بالأوروبيين محدوداً، وكان الطموح المتزايد يتطلع إلى دولة متقدّمة وفق النمط السياسيّ الغربي. ولذلك لم يتصور العرب أنّ الأوروبيين سيخدعونهم، بل كانوا يصدّقون أن بريطانيا وفرنسا ستفيان بوعودهما، وستساعدان العرب على تأسيس دولتهم الحرّة المتقدّمة.

وفي عام 1918م كانت السّيطرة البريطانيّة والفرنسيّة في البلاد العربيّة في أوج قوّتها، وخصوصاً مع انحسار الإمبراطوريّة العثمانيّة، الّتي كانت أشبه بدرع واقٍ من السّيطرة الأوروبيّة([13]).

ومع غياب الخلافة العثمانيّة، وجد العرب أنفسهم أمام سؤال كبير: ما هي هويتهم السياسيّة؟ وكيف يمكن لهم أن يبنوا دولتهم المستقبليّة؟ غير أن بريطانيا وفرنسا كان لهما رأي آخر، وتصور مسبق، وتخطيط محكم، قادوا من خلاله تلك البلاد، ورسموا لها مستقبلاً صعباً يدور في فلك تحقيق مصالح الدول الأوروبيّة والغربيّة.

________________________________________________________________________________

(1) ـ عبد الحميد بن عبد المجيد بن محمود الثّاني، ولد سنة 1269/ 1842، وتولّى الحكم سنة 1293 / 1876، وخُلع سنة 1327/1909، نُفي إلى سلانيك، وتوفّي في قصر بكلربكي في استنبول سنة 1337/ 1918. اختلف فيه النّاس فبعضهم وصمه بالاستبداد والتّسلّط، وآخرون اعتبروه حاكماً جيّداً. ولكنّ الظّروف لم تساعده على حفظ ملكه، لأنّ المؤامرات الّتي حيكت ضدّه كانت كبيرة . عُرف بالذّكاء والدّهاء، ولم يرضخ لمطالب اليهود في فلسطين. وبعد وفاته نظم الشّاعر رضا توفيق، وهو من كبار أعضاء جمعيّة الاتحاد والتّرقّي الّذين ثاروا على السّلطان، قصيدة قال فيها:

قلنا إنّ السّلطان ظالمٌ وإنّ السّلطان مجنون

قلنا لا بدّ من الثّورة على السّلطان

وصدّقنا كلّ ما قاله لنا الشّيطان.

وعملنا على إيقاظ الفتنة.

انظر: محمد حرب، مذكّرات السّلطان عبد الحميد، ص 17؛ وعائشة عثمّان أوغلي، والدي السّلطان عبد الحميد الثّاني، ص11.

(2) ـ محمّد كامل الدّسوقي،الدّولة العثمانيّة والمسألة الشّرقيّة، ص 312 ـ 313.

(3) ـ خيريّة قاسميّة، الحكومة العربيّة في دمشق ما بين 1918ـ 1920، ص 17.

([4]) ـ أحمد عزت باشا: (العابد) (1855 ـ 1924م) سياسي سوري، لازم السلطان عبد الحميد ثلاثة عشر عاماً، ولد في دمشق وتعلم فيها، أشرف على تنفيذ الخط الحجازي، وكان يرى بعضهم أن فكرة الخط الحديدي الحجازي فكرته، قام بالعمل على جعل دمشق مركزاً للمنطقة ومنطلقاً للحجاج الذين كانوا يتجمعون في دمشق، ومن ثمّ ينطلقون إلى المدينة المنورة.

([5]) ـ فيليب حتي، تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، ص 349.

([6]) ـ لورنس: توماس إدوارد (1888 ـ 1935م)، ضابط بريطاني، اشتهر بدوره في الثّورة العربيّة الكبرى، حيث اختلط بالعرب ونال ثقتهم، ولقّب بلورنس العرب، كتب سيرته الذاتيّة في كتاب بعنوان: أعمدة الحكمة السبعة.

([7]) ـ فيليب حتي، تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، ص 349.

(8) ـ مصطفى الخالدّي وعمر فروخ، التّبشير والاستعمار في البلاد العربيّة، ص135.

(9) ـ عبد العزيز الدّوري، مقدّمة في التّاريخ الإقتصادي العربيّ، ص121.

(10) ـ المصدر نفسه، ص 136.

(11) ـ أحمد طربين، تاريخ المشرق العربيّ المعاصر، ص 373.

([12]) ـ ألبرت حوراني، تاريخ الشعوب العربية، ص 370.

([13]) المصدر نفسه، ص 384.

تعليقات