الثورة السورية على عتبات الكرملين

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

8/12/2014
الحياة
المؤلف: 

يشهد الملف السوري، في هذه الآونة، هجوماً روسياً مكثفاً، يمكن تشبيهه بالغزو الشامل على جبهات عديدة، فبعد أن قامت موسكو بتزويد نظام الأسد بأحدث أنواع الأسلحة، ها هي تباشر هجوماً دبلوماسياً وسياسياً بهدف قلب المعادلة السورية نهائياً لمصلحة أتباعها.

الأسباب المباشرة لهذا الهجوم تكمن في رغبة روسيا الهروب من الميدان الأوكراني المليء بالمخاطر، حيث استنفدت قدرتها على اللعب، وأي نقلات جديدة من شأنها إشعال حرب عالمية هناك، وفق تقديرات وتحذيرات أوروبية وأميركية تبلغتها روسيا، في الوقت الذي تم إغلاق أبواب التفاوض معها ورفض إعادة دمجها ضمن حركة التبادلات التجارية مع القوى الاقتصادية الكبرى، أو حتى التفاوض معها بهذا الخصوص، فيما يقف اقتصادها ونموها على عتبة الانهيار.

وجراء ذلك، تعيد موسكو تكثيف حضورها في المعادلة السورية، علّها تستطيع من خلالها فتح نوافذ التفاوض المغلقة في وجهها، ذلك أن الساحة السورية، المهملة إستراتيجياً على الصعيد الدولي، تتيح لها قدراً أكبر من المناورة والتصعيد وممارسة أنماط عديدة من التكتيكات السياسية من دون أن يشكل ذلك مخاطرة كبيرة عليها.

تستفيد موسكو في هجومها السوري من جملة من المعطيات الراهنة، مثل: ضعف الفعالية الأميركية في الملف السوري والسياسات المرتبكة لإدارة أوباما، وكذلك من حالة التشتت التي تعاني منها المعارضة السورية في هذه المرحلة، وتسعى انطلاقا من هذا الواقع إلى بناء مجال للتحرك يشمل مساحة أوسع من الأطراف السوريين، من خلال اختراقها جزءاً من المعارضة بشقّيها الداخلي والخارجي، وذلك لتشكيل أوراق قوّة تعزز حضورها في القضية السورية.

الخطورة في الأمر أن موسكو تنطلق في تحركّها السوري من اعتبارات ليست في مصلحة الشعب السوري وثورته، ولا تخدم مستقبل سورية، فهي لا تخفي عداءها للأكثرية السورية وتبجّحها بما تدعيه حماية الأقليات في المنطقة، كما تنطلق موسكو من اعتبارات استراتيجية وازنة ترتكز على التمسك بالموقع السوري المتوسطي، وكذلك ضمان عدم خروج سورية من دائرة هيمنتها وتحوّلها إلى معبر لخطوط النفط والغاز الخليجية المنافسة لها إلى أوروبا، وبالتالي لا مشكلة عند موسكو في استمرار اشتغال الدينامية التدميرية في سورية طالما أن مصالحها في هذا المجال غير مضمونة.

وفي سبيل تحقيق هذه الحالة، تعمل موسكو على تطبيق الحل الذي يضمن بقاء حليفها بشار الأسد في السلطة وينهي مفاعيل الثورة السورية، أما الآلية التي تستخدمها في ذلك فهي آلية المصالحات التي طبقها النظام في أكثر من مكان، ويتضح أنها كانت من اختراع الروس، وهذه الآلية تضمن تفكيك الثورة قطعة قطعة ومن دون تنازلات كبيرة يقدمها نظام الأسد، كما تضمن تحريف التحول السوري الكبير بوصفه ثورة شعب إلى مجرد تمردات محلية ذات مطالب آنية، ونتيجة كل ذلك تضمن في مرحلة لاحقة تكريس شرعية الأسد إلى أمد غير محدود وإخراجه من تهمة جرائم الحرب التي ارتكبها بحق السوريين وتبرئته من الدمار الذي ألحقه بسورية، حتى أنها تستطيع تحويل التهمة ضد الثوار السوريين أنفسهم بعد فترة معينة.

بالطبع، تراهن موسكو على تعب العالم من الأزمة السورية وحاجته إلى أي حل يريحه في الوقت الحاضر بعد أن اختلطت الأوراق وتعقّدت إلى درجة يصعب تفكيكها، كما تطمح موسكو، بعد ترويض جزء من المعارضة، إلى دمج كل من يرفض خطتها ضمن القوى المتطرفة التي يتوجب إدخالها في قائمة أهداف التحالف الدولي ضد الإرهاب، وسيكون لهذا الأمر شرعية حقيقية إذا صحّت الأنباء التي تقول إن موسكو تريد تشكيل ائتلاف جديد معارض على مقاسها ويقبل بسياساتها وتستطيع تظهيره على أنه ممثل للمعارضة السورية مقابل تمثيل النظام الجزء الآخر من الشعب السوري.

للأسف، يعتقد بعض أطراف المعارضة أن من حقّها البحث عن مخارج جديدة للأزمة السورية، وترى أن هذا الحق يتعزز مع إهمال بعض القوى الدوليّة للثورة السوريّة، وبالتالي فإن الذهاب الى موسكو التي لها مونة على نظام دمشق يصبح مبرراً نتيجة هذه الأسباب. وفي الواقع، فإن هذا التبرير، حتى بالنظر الى حسن نوايا أصحابه، غير منطقي وغير مسؤول، لأنه لا يأخذ في الاعتبار المخاطر التي قد يتسبب بها على القضية السورية برمتها، في ظل المعادلة الموجودة على الأرض والتي تسعى موسكو إلى تكريسها بما تنطوي عليه من تفريغ ديموغرافي وتقسيم جغرافي، ناهيك عن أن القضية السورية باتت ملك أجيال المستقبل مثلما تمس الجيل الحالي، ولا يمكن الركون إلى ذكاء طرف سياسي أو مجموعة أطراف في المعارضة لتحقيق اختراقات كبرى ضمن الشروط التفاوضية الحالية، بقدر ما يستوجب الانتباه إلى أن اللعب مع الكبار مسألة لها محاذيرها وحساباتها المعقدة، وبالتالي لا يجوز الانخراط ضمن هذه الألعاب بذريعة أننا نجرب ولن نخسر شيئاً، فتضحيات السوريين ليست أسهماً في بورصة شخص أو حزب أو جهة لتجرب بها.

على مدار أربع سنوات من القتل اليومي، لم تغفل روسيا للحظة واحدة تأييد قتل السوريين. كانت تخوض حربها ضدهم. زوّدت نظام الأسد بكل أدوات القتل. منعت بالفيتو أربع مرات مجرد إدانة القتل، منعت وصول الأغذية إلى المناطق المحاصرة. أخرجت رواية كاذبة عن حادثة الكيماوي تتهم فيها الثوار بقتل ذويهم. شوهت صورة السوريين واتهمتهم بأنهم آكلو أكباد وإرهابيون، أرسلت خبراءها وجنّدت المرتزقة من صربيا وروسيا البيضاء للمشاركة في قتل السوريين، فهل كانت روسيا غير فرقة قتل للسوريين؟