الثورة السورية وآخر ورقة توت 2/ 2

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

30/4/2015
السورية نت

عَوْدٌ على بَدْء،

قلنا في الجزء الأول من مقالنا هذا إننا لا زلنا وبعد أربعة أعوام من الثورات العربية التي هزت المنطقة عربياً وإقليمياً ودولياً، نسبح في عمق الصورة النمطية لمجالات الحياة كافة؛ سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية... وأكدنا على أن ثورتنا لن تكون ثورة كاملة إن لم تلقِ ظلال التنقية والتطهير على المفاهيم والقيم والنظريات الفكرية المستندة إلى الأيديولوجيات البائدة أو النفعية أو مزدوجة المعايير.

فلا زالت "نخبة" العالم العربي من أصحاب الأقوال الرنانة دون الأفعال من سياسيين ومثقفين ومنظرين...، يرفعون شعارات ومبادئ تلك المنظمات الدولية الأممية، ويتبنون بياناتها ويستميتون للدفاع عنها بعد كل هذه الانتهاكات وردود الفعل المخزية إنسانياً وأخلاقياً، بل تنتهز تلك النخبة كل لحظة لتذكيرنا بحقوق الإنسان على المقياس الدولي، بعيدة تماماً عن الواقع وحراكه الاجتماعي وعن ثقافة الشعوب، بطيئة الفهم واللحاق عما يطرأ من تغييرات على القيم البالية في زمن الثورات، فيظلون في برجهم العاجي؛ هم في واد والشعوب في واد ثان، إلى أن تجلى الانقسام العميق بين ثقافة الأمة وثقافة النخبة، كما عبر عن ذلك بوضوح د. محمد عادل شريح.

ونجدهم هم أنفسهم لا يملون الحديث مطولاً ولا صرف المداد والأقلام على وصف نبي الرحمة دون أدنى إشارة إلى نبي الملحمة، يقدمون بذلك قرابين الغزل والتشبيب لتلك المنظمات والدول كي ينالوا رضاهم ومباركتهم، وهم لم يدروا أنهم يتوددون إلى "الظالمين" من أصحاب حقوق إنسانهم لا إنساننا، حتى انسلخوا عن إنسانيتهم سعياً -عبثاً -لتمثل إنسانية الغرب مزدوجة المعايير والقيم. كيف لا وقد رضوا أن يحيون كمغلوبين، والمغلوب "مولع أبداً للاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده"، كما قال ابن خلدون منذ عقود وكأنه يحيا بينهم فوصفهم بأدق تصوير! لكن استلابهم المعرفي والنفسي غدا عارياً تماماً أمام الشعوب، حين تعاموا عن مقومات السكوت العالمي عن نظام الإجرام في سوريا وحقيقته.

ويحضرني هنا تودد تقليدي غالباً ما يطرحه أولئك في خطبهم ومنابرهم وصالوناتهم الأدبية حين يستشهدون بالآية القرآنية {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى* وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا * إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ * إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات: 13) بشكل مجتزأ من السياق وعن الشروط، للدلالة على رسالة الإسلام في تقبل الآخر وقبول المختلف الأقلوي والاثني والقومي والعقدي والعدو والمنافق والكافر... وكل ما هنالك من شعارات وثرثرات لا متناهية يطلقها إنسان الغرب (ويرددها من بعده ببغاوات الشرق) مُنظّراً متفلسفاً على الإنسانية، إنسانيتنا –وتاريخ إنسانيته نفسه (إنسان الغرب) ملطخ بدماء الإنسان المخالف له في أرجاء الأرض. ببساطة، لسنا بحاجة لمن هو خارج ثقافتنا أن يملي علينا أساليب التعامل والحوار والتعايش، فلسنا في غفلة أو جهل عن سيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وسلوكه في التعامل مع المختلف والمعارض والآخر، وخير مثال موقفه من ذي الخويصرة التميمي، ولنا كذلك في خُلق علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) تجاه معارضيه والخارجين عليه سياسياً أنموذجاً يُحتذى... والسيرة النبوية مفتوحة للجميع لمن أراد التسلح بالبراهين والأدلة.

ما هو أكثر طرافة أنهم يسارعون لإبراز الدليل على هذا التعايش الوردي؛ تحليل الإسلام زواج المسلم بغير مسلمة أو مشركة! وهؤلاء كما يصفون أنفسهم: "أنصار حقوق المرأة"، ينادون بضرورة إلغاء الظلم الواقع عليها من خلال إعادة قراءة النصوص المقدسة لصالحها، بل والحاجة إلى تفسير النصوص الدينية بعيداً عن المنطق الذكوري وأقرب إلى القراءة النسوية، لكنهم سقطوا هنا (وليست أول السقطات ولا آخرها) حين غفلوا عن حقها على حساب التودد للغرب ومنظمات حقوق الإنسان المزعومة في إثبات الإسلام كديانة تَقبل الآخر وتتودد إليه مهما كان لونه وصبغته!

أليس من أولويات المرأة وحقوقها التركيز على معضلة اجتماعية خطيرة، وستتضح آثارها الخطيرة مع الوقت، خلفتها ثورة الحرية والعدل ضد الاستبداد والظلم في السعي لتوعية ما تبقى من شبابنا إلى خطورة الزواج بغير مسلمة-أو اجتماعياً بغير بنت البلد حتى؟ لعمري إنها قسمة ضيزى، مَنْ لبناتنا إن كان ربع الشباب استشهد والربع الآخر في المعتقلات وربع ضائع تائه ينتظر مصيره والأخير تهجر وهاجر. هذا الأخير، كأسلافه، سيتبنى أقوال المنظرين والنخب والفقهاء ليثبت للعالم أننا كمسلمين نقبل الآخر بشكل منقطع النظير في زواجه من غير المسلمات أو من الغربيات، وعندها سيفرح أولئك المنظرون من أصحاب حقوق الإنسان والتعايش مع المختلف لهذا الإنجاز! ألم يحن الأوان كي يراجعوا قيمهم ويعودوا إلى رشدهم ويتخلصوا من أزمة الهوية التي يسبحون فيها، ويلحقوا ولو ببضع خطوات الواقع الاجتماعي المتغير؟

ثم أين منهم من النصوص الصريحة في النهي الجازم، يقول تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ (الآية)} (البقرة: 221) وفي رواية ابن عطية عن زواج حذيفة بن اليمان بكتابية، أراد عمر أن يفرق بينهما لاحتمال عدم العفاف، ولخوفه أن يتخلوا عن الزواج بالمسلمات، ويقول (صلى الله عليه وسلم): "تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك" (البخاري ومسلم والترمذي). (راجع الحكم الشرعي لزواج المسلم بغير مسلمة للشيخ القرضاوي)

ختاماً، إن معركتنا معركة وجود لا متناهية، تحيط بها دوائر أربع. الأولى وهي الأقرب منا تحيط بنا مباشرة، هي معركتنا مع ذواتنا في إعادة تقييم مستمرة لقيمنا الثقافية والعودة إلى أصول هويتنا العربية الإسلامية التي شُوهت وحُوربت بكل الوسائل والأدوات مع وجود المستبد والظالم والمستعمِر والمنحل أخلاقياً والمُغرّب هوياتياً، واستقر التشويه إلى أن رسخ في وجداننا الجمعي، وستظل حربنا ما دمنا أحياء، فللحق صولة ورحم الله قوماً لا تؤاخذهم في الله لومة لائم.

والدائرة الثانية بعد الأولى مباشرة هي معركتنا ضد الأنظمة المستبدة من حكام ظلمة وحكومات فاسدة ومؤسسات جائرة ... والتي ظلت طويلاً جاثمة على أنفاس شعوب مقهورة مستضعفة، وهذا ما تدفع ثمنه اليوم الشعوب العربية والمسلمة منذ أربع سنين.

والثالثة معركة ضد القوى الإقليمية الطامعة وهي ما نشهده جلياً زمن ثوراتنا العربية، تلك القوى ذات المشاريع الأيديولوجية المدمرة لوجودنا فكرياً ومادياً، بصورة عنيفة أو ناعمة، وخير مثال الغول الإيراني وأذرعه فيما يسمى بـ"حزب الله" في لبنان وسورية، والميليشيات الشيعية في العراق والحوثيين في اليمن والسيسي في مصر!

الدائرة الأخيرة كبيرة القطر كالأخطبوط؛ أقل تأثيراً بشكل مباشر وأكثر فتكاً على المستوى البعيد والتدريجي. هو ذلك الاستعمار الاستعبادي المتغلغل المنبث في وجودنا فكرياً واقتصادياً وعسكرياً وحتى عقدياً، هو المسيّر والقائد لمعاركنا في دوائرها الثلاث، هو مواجهتنا الكبرى والحاسمة لنا نحن الشعوب، إن لم نصل إلى تفكيكه ومعرفة القوى الأصيلة والوكيلة له المعتدية على وجودنا وحضارتنا وقيمنا فإننا لن نرى نصراً ولا تقوم لنا قائمة في دوائرنا الثلاث الأولى.

وأحسب أننا لا نملك العدة ولا العتاد بعد لمثل هذه المعركة الرباعية الأركان، لكن على الأقل وعلى حد تعبير فرانز فانون (صاحب كتاب معذبو الأرض) بما أن "الاستعمار وضع أرجله على أراضينا، فينبغي أن نجرحها باستمرار إلى أن تسحبها". وهذا يعني أننا لا بد أن نظل في حالة ثورة دائمة، بدأناها بثورات الربيع العربي ولن ننهيها إلا بالوعي التام بأن واقعنا الإسلامي سيظل في تدنٍ إذا لم يلجأ القيّمون الأكفاء إلى سنّ تشريعات صارمة وقوانين حاسمة لتطبيق المُثُل الأخلاقية للسنة النبوية على أفراد المجتمعات الإسلامية كافة، برؤسائها ومرؤوسيها، تشريعات تدعو إلى الجهاد والاجتهاد بوصفهما مقياسا نهوض الأمة واستقلالها وخلاصها من مستنقع الخمول والخنوع اللذين أصابا الأمة عقوداً إلى أن أماتها وهي حية تسعى!

تعليقات