الثورة السورية والفوضى (الخلاقة)

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

25/1/2015
السورية نت
المؤلف: 

لقد تحدثت في المقال السابق عن ماهية الفوضى الخلاقة وجذورها التاريخية، وأوضحت بأنَّ أفضل طريقة لإحداث الفوضى (الخلاقة) هو استغلال العامل الديني لما له من تأثير فعال على وجدان المجتمع الشعبي بشكل خاص أكثر من أي عامل آخر، وأول من انتبه إلى هذا العامل الحساس في منطقتنا هو السيد آية الله الخميني، واستخدمه بذكاء للإطاحة بنظام الشاه الإيراني عام 1979م، ولازالت إيران تستخدمه في استقطاب الشيعة حولها سواء في إيران لترسيخ حكمها أو في أماكن التواجد الشيعي في المنطقة، حيث بدأت بتشكيل تنظيمات سياسية وعسكرية شيعية في العراق ولبنان، وفيما بعد في اليمن وبعض دول الخليج، كما استغل الأمريكيون وبمساعدة من السعودية وباكستان هذا العامل في أفغانستان في تأسيس حركة طالبان السنية المذهب، ومن بعدها منظمة القاعدة المتطرفة بقيادة أسامة بن لادن للإطاحة بالنظام الشيوعي الموالي لروسيا في نهاية الثمانينات من القرن المنصرم، وبعد 11 أيلول 2001م أي بعد تدمير برجي التجارة العالمية من قبل تنظيم القاعدة وما رافق ذلك من تدخل أمريكي مباشر في أفغانستان، تغيرت بوصلة التحالفات لدى هؤلاء ولجأ معظم قياداتهم إلى إيران وسوريا وروسيا وبعض الدول العربية، فاستغلهم النظام السوري والإيراني للعمل ضد الاحتلال الأمريكي في العراق بعد 2003م، بغية المساومة على توسيع النفوذ الإيراني في العراق ومشاركة الأمريكيين في صنع القرار العراقي، وهذا ما تحقق لاحقاً، عندها بدأ النظامان السوري والإيراني وكذلك العراقي في عهد المالكي بالضغط عليهم وزجهم في السجون لديهم، إلى أن كانت الثورة السورية في آذار 2011م.

حيث بدأت الثورة سلمية تماماً ووطنية بامتياز، ورفعت شعارات محددة تطالب بالحرية والكرامة والمساواة، لكن النظام جابهها بإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين العزل تحت ذريعة اختلقها منذ البداية، وهي محاربته للإرهابيين والمندسين ضد نظام (الممانعة والمقاومة) حسب ما يطلقونه على أنفسهم، وكان هذا الكلام مثار التندر والسخرية لدى الجماهير السورية والمجتمع الدولي معاً، ولم يكن أحد يدرك في البداية  بأن هذا الأمر مخطط له مسبقاً في الدوائر الاستخباراتية المتعددة، بغية توجيه مسار الثورة الشعبية باتجاه التطرف بشكل متعمد وممنهج، وقد قالها رئيس النظام صراحة بأنه لن يتنحى ولن يسقط النظام، وسوف يطال الدمار كل المنطقة في حال استمرار الضغط عليه، وأنه يواجه إرهاباً كونياً، وله حلفاء أقوياء لن يتركوه وحده، ثم صرح ابن خاله رامي مخلوف علناً بأن أمن إسرائيل من أمن سوريا، وعندها فقط كُشفت بعض خيوط المؤامرة على الثورة السورية، ومع كل القتل الهمجي للمتظاهرين بالرصاص الحي، بقيت الثورة تحافظ على طابعها السلمي إلى أن كانت مجزرة جسر الشغور، وانشقاق المقدم حسين هرموش مع مجموعة من العسكريين، ثم تتالت بعد ذلك الانشقاقات في صفوف الجيش والضباط وتشكلت لجنة الضباط الأحرار، ومن ثم الجيش الحر للدفاع عن المتظاهرين، واتسعت دائرة الانشقاقات، ولاحت في الأفق بوادر انهيار الجيش، لكن المعادلة اختلت واختلفت بعد استخدام النظام للطيران الحربي والدبابات والصواريخ والبراميل المتفجرة على المواطنين بشكل وحشي، وقد وقف المجتمع الدولي متفرجاً ومتقاعساً رغم خروجه بمجموعة (أصدقاء سورية)، التي لم تقدم أية مساعدة جدية للجيش الحر، مكتفية بعبارات التنديد والاستنكار من الممارسات الوحشية للنظام، لاجئة إلى الأمم المتحدة لتواجه الفيتو الروسي /الصيني معاً، وانحسر دورها العملي في تقديم بعض المساعدات الإنسانية لللاجئين المتزايدة أعدادهم إلى دول الجوار، رافضة تقديم أي أسلحة نوعية إلى الثوار رغم الوعود الكثيرة من بعض الدول، مما أدى إلى فقدان الثقة بالمجتمع الدولي، والتي أدت بشكل كبير إلى تغذية الاتجاهات الدينية السنية المتطرفة تدريجياً. وفي الجانب الآخر دخل المعركة إلى جانب النظام حزب الله الشيعي اللبناني وكتائب شيعية عراقية وإيرانية رافعة رايات (الحسين) ومطالبة بالثأر له. كما عمل النظام على تشجيع هذا الاتجاه بشكل متعمد أيضاً، وذلك بإقدامه على الإفراج عن كافة المتطرفين المسجونين لديه بالتزامن مع مسرحية المالكي وسجن أبو غريب، والتي تم بموجبها إطلاق سراح حوالي 1000 متطرف وتوجههم إلى سورية، وبذلك اكتمل قطبا المعادلة الإقليمية والدولية للصراع، وحصل توغل وتضخم كبير للأيديولوجيا الدينية المتطرفة، وترافق ذلك مع تجييش إعلامي طائفي غير مسبوق من الطرفين، وتدفق الآلاف من المتطرفين من جميع بقاع العالم للانخراط في المعارك الدائرة على الساحة السورية، مما أدى إلى تقوية نفوذ هذه التيارات الدينية المتطرفة على حساب الجيش الحر، وتمددها في المناطق المحررة من النظام. كما لم يحصل أي تصادم جدّي بين تنظيم الدولة والنظام حتى أثناء سيطرة التنظيم على محافظة الرقة بالكامل. كل ذلك أدى إلى انحراف الثورة عن مسارها الطبيعي، فتوقفت موجة الانشقاقات عن الجيش، وهذا ما أراح النظام كثيراً، لا بل حصل ما هو أسوأ من ذلك، إذ تم إبعاد الضباط المحترفين عن قيادة الكتائب والألوية ليحل محلهم تجار السمك والعتالون وشخصيات لا علاقة لها بالمؤسسة العسكرية، ليتبؤوا مراكز القيادة. إضافة إلى حصول تصادم بين هذه المجموعات نفسها على مناطق النفوذ، وتعدد أمراء الحرب، وحُسم الأمر في النهاية لصالح تنظيم داعش وأخواتها، وأصبح الحديث الآن عن الديمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان مثار تندّر لدى هذه التيارات المتطرفة، وأصبح لكل جهة محاكمها الشرعية الخاصة بها. وبعد تمدد داعش في العراق واحتلالها لأكثر من ثلث مساحته، استنفر المجتمع الدولي وكان القرار الدولي 2170 بتاريخ 18/8/2014 والخاص بمحاربة الإرهاب، عندها فقط تنفس النظام السوري الصعداء وأثبت نظريته القائلة بعدم وجود ثورة في سورية وإنما يوجد إرهابيون وهو يواجههم فقط، وعلى الرغم من أن المجتمع الدولي لم يشرك النظام علناً في التحالف، إلا أن مما لا شك فيه بأن هناك تنسيقاً خفياً بين التحالف الدولي وإيران وسورية، إذ تخلى المجتمع الدولي عن مقولة إسقاط النظام وتنحي بشار الأسد عن السلطة بحجة أولوية محاربة الإرهاب في هذه المرحلة.

هكذا إذاً نستطيع القول إن (الفوضى الخلاقة) عمت سوريا بالكامل، واختلط الحابل بالنابل والصراع أصبح طائفياً بامتياز، ولم يعد الحديث عن الثورة الديمقراطية ممكناً في المرحلة الراهنة، كما أن توغل الصراع أفقياً وعامودياً دمر نسيج المجتمع السوري بالكامل، لدرجة أصبح القتل على الهوية الدينية أو الطائفية من المفردات المعتادة، ولا توجد أية بوادر لحلحلة الأزمة في المدى المنظور رغم الحوارات الهزيلة هنا وهناك، ويبقى الشعب السوري يدفع الثمن الباهظ، والنزيف مستمر في كل قرية ومدينة ومخيم سوري.