الثورة السورية وغياب المشروع السياسي

صورة محمد الدغيم

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

11/5/2016
السورية نت
المؤلف: 

إننا وبعد خمس سنوات من عمر ثورتنا لا بد لنا من وقفة حقيقية مع الذات نتلمس فيها مواطن الخطأ من الصواب في مسيرة الكفاح المتعثر والمشوب بكل أشكال التدخلات الخارجية وتعقيدات المشهد والوضع الداخلي فنزيد الصواب صلابة ونعالج الخطأ بما يوجبه علينا الحرص الثوري من وقف للخسائر وهدر الطاقات، وكي لا تمسي الثورة مجرد فكرة تعيش في أذهاننا بعد كل هذه التضحيات، كان لا بد من استعادة مسارها الصحيح وذلك من خلال مناقشة الأسباب والعوامل الداخلية والخارجية التي أعاقت الثورة في تحقيق مطالبها من اسقاط للنظام الاستبدادي ونيل الحرية والكرامة المسلوبة على مدى خمسين عاماً. ويمكن لنا من خلال المطالعات والمناقشات الطويلة وما يمكن مشاهدته من مساجلات عبر قنوات التواصل الاجتماعية المرئية منها وغير المرئية تلخيص الاسباب والعوامل التي أدت الى طول أمد الثورة ووصولها الى طريق مسدود هو غياب المشروع السياسي للثورة السورية.

من الواضح لأي متابع لمجريات الساحة السورية بأن هناك أزمة حقيقية تعانيها الثورة نتيجة لاختطاف قرارها السياسي والعسكري من قبل الداعمين سواءً على المستوى الاقليمي أو الدولي، حيث انعكس اختلاف وجهات النظر بالنسبة لما يسمى أصدقاء الشعب السوري وتعدد مشاريعهم إلى اختلاف الراية بين مكونات الثورة السياسية والعسكرية وبالتالي تعدد الأهداف والوسائل والمطالب حسب رؤية كل فصيل فأصبحت قوى الثورة منفعلة وليست فاعلة كما كانت عليه في حراكها السلمي فقد بات المال السياسي وتدخل الداعمين هو العامل المحوري في إدارة الصراع وإدخال القوى الثورية في معارك عبثية لا طائل منها سوى استنزاف شباب الثورة وكوادرها البشرية.

وما المحاولات الحثيثة لصرف نظر القوى الثورية عن معركة دمشق والساحل وانحسار الدعم عن كل من يفكر بفتح هذه الجبهات وابعادها عن واجهة الأحداث إلا دليلاً على عدم جدية بعض الداعمين في حسم الصراع وإخراج الثورة من مأزقها الأمر الذي أدى إلى فقدان العناصر الثورية الجدوى من استمرار القتال، مما قاد إلى نزاعات داخلية بين قوى الثورة وتبادل الاتهامات بارتهان القرار والتبعية لهذه الدولة أو تلك والتعامي عن مآسي الشعب مما دعا إلى استغلال ذلك من قبل قوىً طارئة تحت شعارات عابرة ومزايدات تداعب خواطر الحاضنة اليائسة أدى ذلك للقضاء على العديد من فصائل الجيش الحر التي باتت قوة قادرة على شن الهجمات وخوض المعارك بقرار من ذاتها وهذا ما لا يروق لكثير من الداعمين مما يسمى بأصدقاء الشعب السوري فما بالك بالقوى العالمية المتحكمة بالمشهد والمنطقة ككل كالولايات المتحدة وروسيا والتي أكدت مراراً على أنها لن تسمح بالحسم العسكري وأن الحل السياسي هو الأساس في القضية السورية.

يضاف إلى ذلك اسهام الكثير من الداعمين في تحييد القوى السياسية والمدنية والنخبوية عن المشهد وتجاوز المؤسسات المنبثقة عن الثورة وذلك من خلال تقديم الدعم مباشرة لشخصيات مدنية وقوى ثورية ليست على مستوى إدارة الحرب الحديثة تحت ذريعة الوجود على الأرض متجاوزين الضباط المنشقين ومنعهم الوصولإلى مفاصل القرار في قيادة المعارك وتعويم هذه القوة على حساب تلك، كل ذلك أدى الى افتقار  الثورة مركزية القرار السياسي وسيطرة البندقية العمياء على كافة مناحي الحياة في مناطق الثورة فكانت الصورة البائسة التي أراد النظام وأعوانه اظهارها للعالم. الأمر الذي أدى بالنهاية إلى القضاء على الجيش الحر والقوى الملازمة له والتي كانت من الممكن أن تكون بديلاً عن النظام بمنظومته الأمنية القمعية واستبداله بالمشروع العابر للحدود والقارات؟؟ وبالنهاية انقلاب المشهد من ثورة مظلوم ضد ظالم وحق ضد باطل وطالب للحرية ضد مغتصب لها تقرها جميع الشرائع والقوانين الدولية إلى صورة أخرى تظهر إن ما يجري على الساحة السورية حرب يقودها النظام ضد تنظيم القاعدة الإرهابي!!! أو في أحسن حالاتها هي حرب أهلية وصراع على السلطة ينتهي بالقسمة على طرفي الصراع وهذا ما أفقد الثورة مشروعيتها وبريقها ونصرة المجتمع الدولي لها.  

إن عجز قوى الثورة حتى الآن عن إيجاد البديل الرائد والفكرة المحفزة التي تجذب القلوب والعقول إليها وغياب المشروع السياسي الحقيقي والجاد للثورة السورية المتناغم مع ثقافة المجتمع السوري بشكل عام دفع بالكثير من عناصر الثورة وكوادرها للتخلي عن كياناتها وفصائلها لأول طارئ أو فكرة عابرة. ولعل غياب الحياة السياسية وانعدامها وعدم وجود ثقافة جامعة وتوعية راشدة  على مدى سنين طويلة من الحكم الاستبدادي وسيادة الأفكار الهدامة من الأنانية والمناطقية والاحتقان الطائفي والقومي بين مكونات الشعب الواحد التي زرعها خلال حكمه الطويل كانت من اهم العوامل التي ادت الى تأخير ظهور المشروع السياسي للثورة السورية، حيث أدى ذلك الى استغلال البعض للفراغ الحاصل والعمل على تأطير وأدلجة الثورة واحتكارها في الزمن الغير مناسب والسابق لأوانه وخوض معارك الفكر قبل معارك البقاء والمصير مما أدى لانقسام معسكر الثورة الى اسماء وعناوين شتى كان لها بالغ الاثر في مصداقيتها.

ولعل أسوأ هذه العناوين والمضامين ظهور الخطاب التكفيري الوافد الذي استطاع أن يفكك كثيراً من قوى الثورة المدنية منها والعسكرية ويبتلعها ضمن مشروعها الهدام من خلال سيطرة الخطاب الطائفي وطغيانه على الخطاب الشعبي الفاقد للمشروع أصلاً وساعد في ذلك الإعلام الثوري الفاقد للرؤية والاستراتيجية  الواضحة والمرهون من قبل بعض ما يسمى الأصدقاء في تغذية هذا الخطاب واندفع كألوان الثورة الأخرى في تمجيد اللون الأسود والإيحاء بعدم قدرة فصائل الثورة على إنجاز عملياتها العسكرية منفردة عن القوى التي تمثل هذا الخطاب. فانقلبت الصورة وكأنها ثورة أكثرية سنية على أقلية علوية مستبدة لا تختلف عنها بالأساليب المتبعة في تحقيق اهدافها مما أفقدها كثيرا من الزخم الأخلاقي والحاضنة الشعبية والتأييد العالمي. 

لم تقف تداعيات غياب المشروع السياسي للثورة عند ظهور هذا الفكر الطارئ والوافد على الثقافة الشامية التي اتسمت باعتدالها على مدى تاريخها الطويل بل قاد الى مزيد من التشرذم وظهور النزعات المناطقية والفئوية والخلاف على إدارة المناطق المحررة والتنازع على دور القضاء والأمن والمجالس المحلية وظهور حركات انفصالية قومية ومشاريع عابرة للحدود ساهمت في استنزاف قوى الثورة في معارك الوكالة وتصفية الحسابات بن هذا الداعم أو ذاك وكأن قدر السوريين حل مشاكل العالم بدمائه وشهدائه. 

ومن هنا يمكننا القول بان على اصحاب القرار والمتنفذين بالثورة والصادقين في دعم قضية الشعب السوري الوقوف عند هذا الحد من الخسائر والسعي الجاد إلى تشكيل قيادة سياسية جامعة تعمل على وضع برنامج سياسي موحد واضح الرؤية وواقعي لإعادة رسم الخارطة السياسية للثورة السورية بما يضمن الوصول لأهداف ومطالب الشعب السوري المتطلع للحرية والكرامة تكون هذه القيادة مخولة من خلال هذا البرنامج باتخاذ القرارات الاستراتيجية الهادفة الى اسقاط النظام من خلال التعاطي والتفاهم مع المجتمع الدولي بطريقة جديدة فاعلة وليست منفعلة واضعة نصب عينها وحدة سوريا أرضاً وشعباً.  

تعليقات