الثورة العربية الكبرى أحداث ووقفات

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

12/11/2015
السورية نت
المؤلف: 

عندما قامت الثّورة في تركيّا سنة 1908م شارك العرب فيها على أنّهم عثمّانيون، وكان أملهم كبيراً في أن تأتي هذه الثّورة بما يطلبون من إصلاح، إلّا أنّ الاتحاديين خيّبوا الرّجاء فيهم واتبعوا سياسة مركزيّة شديدة، واستغلوا السّلطة لمصلحة العرق التّركيّ.

وكانت مذابح جمال باشا([i])، وإعدامه لرموز الثّقافة والأحرار العرب، من الأسباب الّتي جعلت الشّعوب العربيّة تفكّر بالثّورة. "وخاف النّاس عندما رأوا صبيحة 21 آب 1915م الأجسام المعلّقة، وشعر جمال باشا بالرّاحة لهذا الخوف، وأسرع في تلافي موجة السّخط العارمة الّتي حلّت بالنّاس الّذين لم يصدّقوا أنّ الّذين أعدمهم جمال باشا كانوا حقّاً خونة"([ii]). وجاء في بيان أصدره جمال باشا بعد إعدامهم أنّه أعدمهم بسبب عملهم على "سلخ سورية وفلسطين والعراق عن راية السّلطنة العثمانيّة، وجعلها إمارة مستقلّة [وذلك من خلال اتّصالهم بفرنسا]"([iii]).

دخل جمال باشا سورية في 5 كانون الأوّل عام 1913م والياً، وبدأ بخداع الشّعب بالحديث عن إحياء التّراث العربيّ واللّغة العربيّة والمجد العربيّ، ولم يكن لذلك في واقع الأمر أساس حقيقيّ فكلّ أعمال هذا الوالي أظهرت معاداته للفكرة العربيّة وخوفه من الحركة العربيّة، مما دفعه إلى نشر جواسيسه وتتبّع أخبار رجالات الحركة العربيّة، وتشتيت الكتائب العربيّة الموجودة ضمن الجيش العثمانيّ في دمشق إلى الأناضول واستبدالها بكتائب تركيّة.

وكان للتّدبير الخارجي، وللخطط الّتي رسمتها الدّول الغربيّة لتفكيك الدّولة العثمانيّة والقضاء عليها بمساعدة بعض الفئات العربيّة، وذلك من أجل مصالحها الخاصّة في المنطقة، أثر كبير في حثّ العرب وتزيين الثّورة في عيونهم على الحكم التركيّ. فعملت على إثارة الفتن والاضطرابات داخل الدّولة، وشجّعت الخلافات المذهبيّة والطّائفيّة والعرقيّة، من أجل الوصول إلى غايتها المرجوّة([iv]).

إنّ من أهمّ العوامل الّتي أدّت إلى نشوب الثّورة العربيّة هي سياسة الاتحاديين الجائرة، الّتي استخفّت بالعرب واحتقرتهم وحاولت إذابتهم في بوتقة الطّورانيّة التّركيّة. وكانت هذه المعاملة نتيجة لخطّة استعماريّة غربيّة كان هدفها القضاء على الخلافة العثمانيّة والسيطرة على البلاد العربيّة الّتي كانت خاضعة لها([v]). وقام العرب وكردّ فعل على هذه السّياسة بالتّفكير بالمستقبل العربيّ وكيفيّة حصولهم على حقوقهم من أيدي الأتراك الطورانيين. فاتّجهوا، وبتشجيع من الأوروبيين، إلى تشكيل الجمعيّات السّريّة، الّتي كان هدفها حصول العرب على حقوقهم من أيدي التّرك، وانتهى الأمر بهذه الجمعيّات إلى عقد المؤتمر العربيّ الأوّل في باريس في 18 حزيران 1913م. "ورغم أنّ موقف الاتحاديين كان عدائياً في البدء إلّا أنّهم اضطرّوا إلى إرسال سكرتير حزبهم إلى باريس واتّفقوا على بعض مبادئ تكون أساساً لمفاوضات تالية"([vi]). إلّا أنّ هذا الموقف ظهر فيما بعد على أنّه خطّة للمراوغة وإهمال القضيّة، وعندما نشبت الحرب العالميّة الأولى اشترك الاتحاديون فيها، وهذا أدّى إلى توقّف المفاوضات بين الطرفين.

ومع دخول الاتحاديين في الحرب زاد إرهابهم، وأخذوا يصادرون المحاصيل، ويفرضون الإعانات للجيش باسم التّكاليف الحربيّة وينقلون الجنود إلى مناطق بعيدة مما أدّى إلى إحساس العرب العميق بالظّلم.

ولو كان العرب قد علموا من قبل ما قد تمّ من عقد المعاهدة السّريّة في شهر أيّار من السّنة الخالية بين بريطانية وفرنسا، لما قدحوا لثورتهم زناداً، ولا أضرموا لها ناراً 

وبالفعل قامت الثّورة العربية الكبرى في عام 1916م, بقيادة الشّريف حسين شريف مكّة([vii])، وبتحالف مع بريطانيا العظمى، حيث جرت اتصالات بين العرب والبريطانيين أسفرت عن قيام هذه الثّورة، وتوّجت الثّورة العربيّة بدخول القوات العربيّة دمشق في30 أيلول 1918م، وإعلان الحكومة العربيّة في قلب عاصمة العرب التّاريخيّة دمشق([viii]).

وكان الشّريف حسين يتولّى منصب شريف مكّة، وكان " شاغل هذا المنصب عادة يتمتّع بقيمة خاصّة، ويستشعر لنفسه مركزاً ممتازاً، فهو من سلالة النّبي r من ناحية، وهو الحاكم المباشر لأرض الحرمين الشّريفين من ناحية أخرى"([ix]). ولم تكن العلاقات بينه وبين الاتحاديين على ما يرام فقد "ساد سوء الظّن بين الجانبين، إلى حدّ أنّ الدّولة العثمانيّة كانت تريد إقصاء شريف مكّة عن مركزه الدّينيّ والقضاء على المركز الممتاز الّذي يتمتّع به الحجاز وكانت تعارض أن تكون إمارة الحجاز متوارثة في أسرة الحسين بن علي"([x]).

لعبت الدّول الأوروبيّة دوراً مهمّاً وأساسيّاً في تشجيع العرب على الثّورة([xi])، فكانت هذه الظّروف مجتمعة دافعة للمثقّفين العرب والشّريف حسين إلى الاتفاق مع الأوروبيين وقرّروا إعلان الثّورة على التّرك.

بدأت الثّورة في مكّة المكرّمة تحت زعامة أمير مكّة ولكنّها لم تكن ثورة حجازيّة بل كانت ثورة عربيّة، وكانت ترمي إلى استقلال الولايات العربيّة بأجمعها، وتصبو إلى تكوين دولة عربيّة جديدة موحّدة، تنهض بالأمّة نهضة حقيقيّة تعيد إليها مجدها السّالف.... لذلك فقد اشترك في الثّورة وقام بأعبائها رجال من مختلف البلاد العربيّة، فكان بينهم السّوريّ والعراقيّ واللّبنانيّ والحجازيّ والفلسطينيّ"([xii]).

حاولت السّلطات التّركيّة تهوين شأن هذه الثّورة، وإثارة الحملات الشّديدة ضدّها وضدّ المشاركين فيها، فقام المثقفون العرب بالرد على هذه المزاعم، ولكنهم وبعد فترة أحسّوا أنّ الشّريف حسين كانت له غايات مختلفة عن الغايات الّتي شارك لأجلها أحرار العرب في الثّورة، فقد كان "من مظاهر التّعارض بين الغاية الشّخصيّة الّتي قام الملك الحسين لأجلها وبين الغاية القوميّة الّتي لبّى رجال الأمّة العربيّة دعوة الملك حسين لتحقيقها أنّ هؤلاء الرّجال كانوا يرون وجوب المبادرة إلى استعمال كلّ قوى الأمّة العربيّة لتكوين الدّولة الجديدة،..... فحاولوا أن يقنعوا الملك حسيناً، بكلّ طرق الإقناع أن يسمح لهم بالسّعي لدى أمراء العرب... لتأسيس روابط بين الجميع أساسها بقاء كلّ واحد منهم مستقلّاً في شؤونه الدّاخليّة واشتراكهم جميعاً في الشّؤون العامّة برياسة الحجاز، فكان الملك حسين يمنع كلّ المنع من المضي في هذا العمل، ويقسم باللّه أنّه لا يسير فيه خطوة واحدة"([xiii]).

فرأى كثير من العرب " أنّ الغاية الّتي قام الملك حسين لأجلها هي الاحتفاظ بالكرسي الّذي كان مهدّداً من الاتحاديين بإسقاطه، ولم يستطع إدراك المغزى العظيم الّذي كان تاريخ القوميّة العربيّة، والحضارة الإسلاميّة يهتف به للحسين بن علي"([xiv]).

وكان من نتائج اعتراض المثقفين العرب على مواقف الشريف حسين وتعامله اللاسياسي مع الإنجليز، موافقة الإنجليز على ما سُمي بعهد السّبعة، حيث كان هؤلاء السّبعة من السّوريين الّذين أبدوا " شكوكهم في سياسة بريطانيا وفرنسا تجاه سورية والبلاد العربيّة، ولذا قدّموا بعد عدّة اجتماعات لهم مع أعضاء المكتب البريطاني في القاهرة في 26 أبريل 1918م, مذكّرة فيها أسئلة إلى الحكومة البريطانيّة يودّون معرفة الجواب عليها"([xv]).

لكن هذا لم ينفع في منع اتفاقيّة سايكس بيكو  وهي اتفاقيّة قامت بين بريطانية وفرنسا لاقتسام أجزاء كبيرة من أراضي الدّولة العثمانيّة و"في هذه الاتفاقيّة احتفظت فرنسا لنفسها بمساحة كبيرة من أراضي الأناضول الجنوبيّة والجزء الشّمالي من سورية الطّبيعيّة ولواء الموصل، واحتفظت بريطانيا لنفسها بولايتي البصرة وبغداد ولواء كركوك بالإضافة إلى الجزء الجنوبي من سورية الطّبيعيّة، ابتداء من غزّة والعقبة في الجنوب الغربي على أن تلتقي بحدود العراق في وسط البادية. واتّفقت الدّولتان على جعل فلسطين باستثناء الجزء المعروف بالنّقب منطقة تخضع لحكم دوليّ خاصّ"([xvi]).

وعندما عرف العرب بهذه الاتفاقيّة، الّتي عُقدت في 16 أيار 1916م، وذلك قبل حوالي شهر من إعلان الحسين الثّورة، صعقوا بوعد بلفور في 2 تشرين الثّاني 1917م([xvii])، الّذي أعطى حقّاً لليهود في فلسطين، وكانوا قد أحسّوا أنّ الشّريف حسين لم يحفظ حقّ العرب لأنّه استهتر بمعاملته ومباحثاته مع الإنكليز وحسب أنّ مراسلاته معهم هي معاهدات تضمن للعرب حقوقهم.

لقد صُدم العرب بما رؤوا من حرص الملك حسين على مصالحه وتفريطه بكلّ الفرص المتاحة للتّحالف مع جيرانه العرب لزيادة القوّة وضمان الوحدة، ولعدم فهمه للأوروبيين ولحسن ظنّه بهم حتّى استطاعوا خداعه وخداع العرب ولو " كان العرب قد علموا من قبل ما قد تمّ من عقد المعاهدة السّريّة في شهر أيّار من السّنة الخالية بين بريطانية وفرنسا، لما قدحوا لثورتهم زناداً، ولا أضرموا لها ناراً "([xviii]).     

___________________________________________________________________________________________

(1) ـ أحمد جمال باشا القائد التّركي الشّهير بالسّفاح وبالدّاغستاني وبالكبير. ومن مواليد 1288 / 1872. تولّى حكم دمشق بين عامي 1914ـ 1918م، اعتمد على الإرهاب والبطش، وكانت سياسته تقوم على أساس تتريك العناصر العربيّة، وفي عام 1921م قتله في مدينة تفليس أرمني يدعى اسطفان زاغكيان؛ انظر: أدهم الجندي، شهداء الحرب العالميّة الكبرى, دمشق, ص 222.

(2) ـ علي سلطان، تاريخ سوريا 1908ـ 1918م، ص 304 ـ 305.

(3) ـ عبد الإله نبهان، عبد الحميد الزّهراوي، ج1، ص 72.

(4) ـ مصطفى الخالدّي، وعمر فروخ، التّبشير والاستعمار في البلاد العربيّة، ص135.

(5) ـ فتحي يكن، العالم الإسلاميّ والمكائد الدّوليّة خلال القرن الرابع عشر الهجري، ص 49، ومحمد قطب، مذاهب فكريّة معاصرة، ص 497.

(6) ـ خيرية قاسميّة، الحكومة العربيّة في دمشق، ص 21.

(7) ـ الشّريف حسين: 1270ـ 1350/1854ـ 1931، أوّل من أعلن في الحجاز استقلال العرب عن التّرك، وآخر من حكم مكّة من الأشراف. ولد في الأستانة، وكان أبوه منفيّاً بها، وانتقل معه إلى مكّة فتأدّب وتفقّه ونظم الشّعر. نفي من قبل الإنكليز إلى قبرص فأقام ست سنين لكنّه مرض فسمح له بالسّفر إلى عمّان وبها مات ودفن في المسجد الأقصى؛  خير الدين الزّركلي، الأعلام, ج2، ص 250.

(8) ـ خيرية قاسميّة، الحكومة العربيّة في دمشق، ص 46.

(9) ـ زاهية  قدّورة، تاريخ العرب الحديث، ص 241.

(10) ـ المصدر نفسه، ص 241.

(11) ـ المصدر نفسه، ص 247؛ وعبد الكريم رافق، العرب والعثمانيون، ص546؛ وجلال يحيى، العالم العربي الحديث، ص 627.

(12) ـ ساطع الحصري، محاضرات في نشوء الفكرة القوميّة، ص 157.

(13) ـ محب الخطيب، "الحسين بن علي كما رأيته في ثلاث سنوات "، في الزّهراء، 1 (ربيع الأوّل, 1343)، ص 197.

(14) ـ المصدر نفسه, 194.

(15) ـ علي سلطان، تاريخ سورية 1908ـ 1918م، ص 511. وهم: محب الدين الخطيب، محمد كامل القصاب، عبد الرّحمن شهبندر، ورفيق العظم، وفوزي البكري، وحسن حمادة، ومختار الصّلح. ولم يذكر محمّد عزّة دروزة محب الدّين بين هؤلاء وقال إنّ السّبعة هم: رفيق العظم، وعبد الرّحمن الشّهبندر، وفوزي البكري، والشّيخ محمّد كامل القصّاب، وخالد الحكيم، ومختار الصّلح، وحسن حمادة؛ انظر: محمد عزة دروزة، حول الحركة العربية الحديثة، ج1، ص 98.

(16) ـ خيرية قاسميّة، الحكومة العربيّة في دمشق، ص 37 .

(17) ـ بلفور هو وزير خارجية بريطانية الّذي وعد اليهود بإقامة وطن قوميّ لهم في فلسطين بالرّغم من أنّ عددهم في ذلك الوقت لا يزيد عن نسبة 8% من عدد السّكان والباقي من العرب. وجاءت الحكومات البريطانيّة المتعاقبة بعده واعتبرت هذا الوعد بمثابة إلزام دوليّ يلزم بريطانية بتحقيقه؛ انظر، سعد سعدي، معجم الشّرق الأوسط، ص 47.

(18) ـ لوثروت ستودارد، حاضر العالم الإسلاميّ، تعليق شكيب أرسلان، ترجمة عجاج نويهض، ج2، ص 171.

تعليقات