الثورة في سورية: شاهد على الانتفاضة

(خاص السورية نت 07/ 11/ 2014)

راودني بعض الحنين لبدايات الثورة، لأيام الانتفاضة النقية الصافية الخالية من الشوائب والأمراض التي أصابت جسدها فيما بعد، فتذكرت رجلاً عرفته من بعيد ألّف كتاباً لم يمض على صدوره سوى عامين، لكننا نشعر أثناء قراءته برائحة ذلك الزمن "الجميل"، زمن كان الناس لا يزالون ينتظرون كوفي عنان ونبيل العربي -أو عربي نبيل- والأمم المتحدة، زمن كان عناصر الجيش الحر يؤمنون الحماية لبعض المظاهرات، والانشقاقات تتوالى في صفوف الجيش والحكومة، والناس تهلّل وكلها استبشار بالفرج القريب. زمنٌ، كان السوريون والغرب لا يزالون يعتقدون أن داخل طبيب العيون الذي تعلم في الغرب ويحب موسيقى "فيل كولنز"، مصلحاً حقيقياً وما منعه من العمل على تطوير البلاد سوى أفراد النظام القديم من عهد حافظ الأسد. لكن بعد فترة وجيزة، بات واضحاً أن بشار قد أوحى بعهود وتطلعات ليس بوسعه تلبيتها، وأنه، وبالأخص، ابن أبيه.

Revolt in Syria: Eye-Witness to the Uprising

Stephen Starr

جامعة كولومبيا، 2012

226 صفحة

عن كتاب Revolt in Syria: Eye-Witness to the Uprising "الثورة في سوريا: شاهد على الانتفاضة" أتحدث، لستيفن ستار Stephen Starr، الصحفي والكاتب الإيرلندي. عاش "ستار" في سوريا منذ عام 2007 إلى عام 2012، حيث كان يعمل مراسلاً لعدة صحف أجنبية ومحرراً لصحيفة Syria Times السورية. قام ستار بتغطية الثورة السورية ضد نظام الأسد منذ بداياتها حتى شباط 2012؛ وقد مكنته إقامته الطويلة في سوريا ما قبل الثورة كصحفي من الدخول في الأحداث الأولى للحراك الشعبي بثقة ودراية بالمجتمع (زوجته سوريّة). فكان شاهد عيان حقيقي، شاهد عيان "أجنبي" إنما ليس كغيره من المراسلين الذين لم يهتموا لأمر سوريا إلا بعد اندلاع الثورة فقط.

لم يكن مجرد مراسل "أجنبي"، فقد رصد ستيفن دقائق الأمور التي رافقت اندلاع الثورة من ارتفاع سعر الحليب حتى ازدياد التواجد الأمني في الشوارع، وشهد بعينيه كيف كان عناصر الأمن يهجمون على المتظاهرين العزّل المسالمين، وكيف يكون الضرب والاعتداء والاعتقال القسري. كان يسجل كل شاردة وواردة في الحياة اليومية بعين المحب للبلد والمتفهم لروحها. فتحدث عن الفرص التي أضاعها النظام مراراً لحل الأزمة وعن تفكك المعارضة السياسية منذ البداية. وعن دور النخب البورجوازية في الحراك في ثورة 2011 وتاريخياً تحت حكم الانتداب الفرنسي. كما تطرق إلى حق "الأغلبية" السنية في المشاركة في حكم البلاد وفنّد خوف العلويين من الانتقام السني إن سقط الأسد بأن أحداً لم يمس شعرة من الطائفة بعد أن خرجت فرنسا من سوريا علماً أنهم -أي العلويين-قد ناشدوها أن تبقى وأن لا تتركهم لمصيرهم!

رصد ستيفن دقائق الأمور التي رافقت اندلاع الثورة من ارتفاع سعر الحليب حتى ازدياد التواجد الأمني في الشوارع، وشهد بعينيه كيف كان عناصر الأمن يهجمون على المتظاهرين العزّل المسالمين، وكيف يكون الضرب والاعتداء والاعتقال القسري. كان يسجل كل شاردة وواردة في الحياة اليومية بعين المحب للبلد والمتفهم لروحها.

كان ستار يتجول من منطقة إلى أخرى، يتكلم مع الناس، بكافة طبقاتهم وانتماءاتهم. مع العلويين والمسيحيين الذين يساندون النظام، ومع الشباب الثائر في مظاهراته. كما اطلع على وجهة نظر "الأغلبية الصامتة" التي تنتقد النظام لكنها تخاف من عواقب سقوطه. وتحدث عن انحياز الأقليات (لا سيما المسيحيين والدروز) منذ الأسابيع الأولى للثورة إلى جانب النظام وتصديقها وتضخيمها لخطر الإسلاميين، قبل أن يكون هناك إسلاميين.
كما التقى أيضاً بأفراد متنورين من تلك الأقليات ساندوا الثورة وكانوا في صفوفها الأولى (كلنا يذكر أولئك الشباب والصبايا الذين كانوا يقفون أمام أبواب المساجد بانتظار انتهاء الصلاة وانطلاق المظاهرة ليسيروا معها ويهتفوا ضد الديكتاتور جنباً إلى جنب مع المصلين "المسلمين"). وتكلم مع مسؤولين في النظام وأخذ رأيهم بالذي يحدث في سوريا، فكان أن صرح له أحدهم بأن: "المتظاهرين ثلاثة أنواع: من له مطالب حقيقية، ومن يريد فقط أن يرشق الأمن بالأحذية والعلب الفارغة، ومن يدفع المال للمتظاهرين للخروج من المساجد"!

تاريخ الطائفية في سوريا وواقع الأقلية الحاكمة رسَّخا في عقول العلويين أن من يريدون إسقاطهم إنما يفعلون ذلك بناءً على سياسة "هوية" فهم: "سيقاتلون حتى الرجل الأخير لقناعتهم أن من يسعون لأخذ مكانهم يريدون قتلهم لمجرد أنهم علويون. أما فكرة أن أهل السنة إنما ثاروا لأن "بعض" العلويين قد استغلوا أو أسرفوا في استخدام السلطة، فهذه لن تخطر على بالهم ولن ينظروا إليها أبداً كأمر واقعي ملموس".

ثم يستنتج أمراً محزناً نعلمه جميعاً: "إنهم [أي رجال الحكم] لا يأبهون إن تدمرت سوريا وتشرد شعبها طالما أن الأشخاص المقربين منهم بخير. تلك هي العقلية التي تواجه الاحتجاجات في الشوراع والمجتمع الدولي. والأمر ليس مشكلة جديدة، كلا. بل هي مشكلة قديمة معقدة".
فالغياب التام للمسؤولية المدنية لدى النخبة الحاكمة (وليست كلها من عائلة الأسد) يساهم في تأجيج الأزمة لتمسكها بشدة بمواقعها في السلطة في مواجهة تفاقم الاحتجاج الوطني والدولي. علاوة على أن تاريخ الطائفية في سوريا وواقع الأقلية الحاكمة في الوقت الحاضر إنما رسَّخا في عقول تلك الأقلية أن من يريدون إسقاطهم إنما يفعلون ذلك بناءً على سياسة "هوية" فهم: "سيقاتلون حتى الرجل الأخير لقناعتهم أن من يسعون لأخذ مكانهم يريدون قتلهم لمجرد أنهم علويون. أما فكرة أن أهل السنة إنما ثاروا لأن "بعض" العلويين قد استغلوا أو أسرفوا في استخدام السلطة، فهذه لن تخطر على بالهم ولن ينظروا إليها أبداً كأمر واقعي ملموس. لن يسعوا للحوار لأن مفهوم الحوار غريب عنهم وغير موجود في حياتهم اليومية".

كتاب مدهش في التقاطه لآلام مجتمع مزقه الاقتتال الشرس الذي وضع الأخ في مواجهة أخيه والصديق في مواجهة صديقه، مجتمعنا السوري الذي تفككه خطوط من الانشقاقات الاجتماعية والطبقية والطائفية والاقتصادية. مجتمع يزدري القانونَ المدني بشكل مَرَضيّ، انقلب فيه عنصرا العَلمانية والطائفية -وقد كانتا في انسجام فيما سبق- لأسباب ومصالح شخصية: "في سوريا، لا يريد الناس أن يراجعوا أخطاءهم؛ لأنهم لا يريدون أن يظهروا بمظهر الضعيف. فهم جميعاً إما زعيم أو نبي".

كتاب مدهش في التقاطه لآلام مجتمع مزقه الاقتتال الشرس الذي وضع الأخ في مواجهة أخيه والصديق في مواجهة صديقه، مجتمعنا السوري الذي تفككه خطوط من الانشقاقات الاجتماعية والطبقية والطائفية والاقتصادية. "في سوريا، لا يريد الناس أن يراجعوا أخطاءهم؛ لأنهم لا يريدون أن يظهروا بمظهر الضعيف. فهم جميعاً إما زعيم أو نبي".

وبحسب رأي مؤلف الكتاب، الصحفي الإيرلندي، فقد ظلت الاحتجاجات في الأشهر الأولى للثورة بعيدة ومعزولة ومحصورة في الأرياف الفقيرة، ولم يكن لها أي تأثير على المراكز المدينية في دمشق وحلب. ثم يقول ما نعرفه جميعاً أيضاً من أن رد النظام العنيف على أولئك المتظاهرين الذي لم يخرج عن الأسلوب القديم في ترجيح القوة المفرطة على الحوار (الضرب والترهيب بمعنى آخر) هو ما دفع بالسوريين للخروج إلى الشوارع. فماذا ننتظر من إنسان فَقَد قريباً أو أباً أو صديقاً أو من تعرضت أخته أو زوجته للاعتداء أو السجن إلا أن ينحاز إلى طرف الانتفاضة في مواجهة آلة النظام العنيفة. فالواقع، أن دورة العنف هذه، يقول ستار، هي ما أدى إلى الحرب الأهلية التي تعيشها البلاد اليوم.

ماذا عن المستقبل، لم يكن ستار متفائلاً كثيراً وقت معايشته للبدايات وتسجيله لمشاهداته في هذا الكتاب. فهو لا يرى نهاية للصراع في سوريا، يقول: "هناك احتمال ضعيف جداً لأن تصبح الظروف أفضل على المدى القريب، ما لم يأخذ السوريون بزمام المسؤولية المدنية بأيديهم لبناء مجتمعهم، وما لم يكفوا عن إلقاء اللوم على الآخرين في أشياء هم من قصّر فيها".
مضت أربعة أعوام على انتفاضة الشعب السوري، وعامان على صدور هذا الكتاب، تبدلت خلالها الأمور وتغيرت المسارات وكبُر الجرح ويبقى السؤال: هل سينتهي الأمر ببشار الأسد مثلما انتهى بأبيه الذي عاش "بسلام" ومات في قصره؟ أُفضل ألا أفكر في الإجابة عن هذا التساؤل، وأن أعود إلى الزمن الجميل أستلهم منه بعض الأمل من حين لآخر.

 

إضافة تعليق جديد

Filtered HTML

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Freelinking helps you easily create HTML links. Links take the form of [[indicator:target|Title]]. By default (no indicator): Click to view a local node.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <img><h2></h1><a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><h1></h2><i><u></u>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
3 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.