الجولان.. بين جرح الداخل وغدر الخارج

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

2019-04-08
الحياة

هي الجولان... هضبة تقع في بلاد الشام بين نهر اليرموك من الجنوب وجبل الشيخ من الشمال، تابعة إدارياً لمحافظة القنيطرة (كلياً في ما مضى وجزئياً في الوقت الحاضر). وقعت الهضبة بكاملها ضمن حدود سورية، ولكن في حرب 1967 احتل الجيش الإسرائيلي ثلثين من مساحتها، بحيث تسيطر إسرائيل على هذا الجزء من الهضبة في ظل مطالبة سورية بإعادته إليها.

بالطبع لا أحد ينكر العلاقة الخاصة بين إسرائيل والولايات المتحدة؛ كما أن ذاكرتنا حيّة جداً لتستحضر بسهولة المرات العدة التي عطّلت فيها أميركا القرارات الدولية التي تنصف الفلسطينيين، وتوقف توتر الشرق الأوسط على يد الإجرام الإسرائيلي؛ ولا أحد ينكر قوة اللوبي الإسرائيلي في أميركا، وضرورة تقديم كل مَن يطلب منصباً في أميركا أوراق اعتماده بداية لهذا اللوبي، كي يحظى بالدعم اللازم، ليفوز بذلك المنصب؛ وغير منكور استخدام أميركا لإسرائيل كرأس حربة، وكشرطي للمنطقة تعبث كما تشاء بحماية أميركية كاملة. ولكن أن تصل الأمور برئيس أميركي أن يهب ما لا يملك لمن لا يستحق، فهذا لم يحدث بعد.

نعم، الجولان السورية ليست ملكاً لأميركا، ولا هي إحدى الملكيات الخاصة لترامب، حتى يهبها للكيان الإسرائيلي. العالم كله يعرف أن الجولان جزء لا يتجزأ من سورية، احتلته إسرائيل بعدوانها عام 1967؛ وأن أميركا ذاتها وقّعت على القرار 242 الذي لا يجيز الاستيلاء على أراضي الآخرين بالقوة؛ وأنه إثر تمرير إسرائيل تشريع في «الكنيست» عام 1981 لضم الجولان، أصدر مجلس الأمن قراراً يعد الإجراء الإسرائيلي باطلاً وغير معترف به (null and void) ملفت استخدام ترامب العدد 52 سنة؛ وكأن أميركا بشكل خاطئ صبرت كل هذا، تقديم أوراق اعتماد ترامب لولاية جديدة لا يكون عن طريق وهب أراضي الآخرين لإسرائيل، ولا عن طريق التخطي فوق القانون الدولي الوقت دون أن تقوم بهذا الإجراء «النبيل»، ألا وهو إقرار «سيادة إسرائيل على الجولان».

الواقع أنه لولا بعض الحياء لقال ترامب «كم كان أسلافه مقصرين بحق إسرائيل»، وإن كنا نعتقد أن تقديم أوراق اعتماد ترامب لولاية جديدة لا يكون عن طريق وهب أراضي الآخرين لإسرائيل، ولا عن طريق مسح القانون الدولي، على رغم معرفتنا كم هو رخيص هذا القانون بأعين الاستبداد العالمي؛ ولا تكون ولاية ثانية بمزيد من الحرائق والتوترات في منطقة لا تنقصها حرائق وعداوات. فالجميع يدرك أيضاً حجم الانتهازية في خطوة أو موقف كهذا، وسورية بهذا الحال الذي لا تجهله أميركا ذاتها؛ فهي تصرّح وتعرف أن هذا النظام السوري قد عرّض بلاده إلى هذه الحالة من الاستباحة والتدمير والتبعثر؛ وأميركا ذاتها تصرح بحرصها على وحدة الأراضي السورية.

من هنا، هل يريد ترامب أن نصدّق الروس عندما يقولون بأن أميركا تسعى إلى تقسيم سورية؟ وهل إطلاق هذا التصريح بخصوص الجولان جزءٌ من استراتيجية التقسيم التي يتحدث عنها الروس؟! من جانب آخر، إذا كان ترامب يقدم أوراق اعتماده للوبي الإسرائيلي في أميركا كي يضمن ولاية رئاسية ثانية، عبر تقديمه هدية ملكاً لدولة أخرى، فهو واهم؛ فالإسرائيليون أنفسهم يعرفون أن ذلك ليس من حق ترامب، ولا من حق أية جهة أخرى. هذا ليس إلا اعتداء صارخ على حقوق الشعوب وعلى القانون؛ وهو الوصفة الأنجح لحرب دائمة.

كذلك إذا كان ترامب يريد أن يثبت نظام الأسد بالمقاومة والممانعة ومحاربة المؤامرة (الصهيو-أميركية)، فهذا لم يعد ينطلي على أحد. بات العالم يعرف أنه لولا إسرائيل بالذات، لما استمر هذا النظام أياماً. ما يحدث يؤكد بالدليل القاطع أن أميركا هي من سمح لإيران وحزب الله ومن بعدهم القوات الروسية بالتدخل لحماية المنظومة الأسدية من شعب سورية. من جانب آخر، هل كان إذاً هدف استخدام ترامب عبارات كــ(مجرم وسفاح) لتوصيف رأس النظام في سورية من أجل نسف أهليته في إدارة البلاد للتهيئة لسلخ قطعة من سورية وضمها لإسرائيل؟ ماذا لو قال بوتن إن ترامب ليس مؤهلاً لقيادة أميركا، وإن ولاية ميتشغان يجب أن تكون تحت السيادة الكندية؟! أليس هناك شعب في تلك الولاية؟ ألا تعود سيادتها لأهلها أم لترامب فاقد الأهلية كما يقول بوتن افتراضياً؟!

ليعرف ترامب أنه إذا كان شعب سورية الآن في حالة يرثى لها على يد نظامه، ويد الإرهاب، ويد إيران وروسيا، وأيضاً على المستهجن في تصريح ترامب كان عبارة (استقرار) والتي يرى أنه سيحل، أن هو شرعن وضع اليد الإسرائيلية على الجولان يد الانتهازية الأميركية الإسرائيلية؛ فإن دوام الحال من المحال. هذا الشعب سيزداد سخطه على إسرائيل وعداؤه، لأنه يعرف ويتأكد الآن أكثر من أي وقت مضى أنها أساس دائه وبلائه وحامية نظامه؛ وسيزداد هذا الشعب تصميماً على استرداد حقه منها بالذات طال الزمان أو قصر.

يبقى أن المستهجن في تصريح ترامب كان عبارة (استقرار) والتي يرى أنه سيحل، إن هو شرعن وضع اليد الإسرائيلية على الجولان؛ وهنا لا بد من سؤال ترامب عن الاستقرار الذي جلبته إسرائيل أساساً إلى المنطقة؛ أليست الأساس في لا استقرار المنطقة الدائم؛ وبخاصة بدعمها ورعايتها وحفاظها على نظام مستبد في سورية، سعى من أجل بقائه في السلطة إلى استدعاء كل استباحة احتلالية وإرهابية؟ تهدأ المنطقة وتستقر، وتكون آمنة ومزدهرة فقط بالخلاص من الاستبداد، ولجم طموحات مستعمر استيطاني كنتنياهو؛ وفِي الوقت ذاته بوقف تغريدات انتهازية كتلك التي أطلقها ترامب لأغراض انتخابية رخيصة أو لأزمة داخلية يمر بها حالياً، ودعم لصديقه نتنياهو المطلوب بقضايا فساد مثله.

أخيراً، إذا كان مَن فرّط في الجولان ارتكب خيانة وطنية؛ فمن يفكر بوهبها يرتكب خيانة أخلاقية وإنسانية وقانونية، ويعرّض المنطقة إلى حروب لا نهاية لها. عليه سيظل يسمى الجولان أحياناً باسم الهضبة السورية، فقبل 1967 كان اسم «الهضبة السورية» أكثر شيوعاً مما هو عليه اليوم، خاصة في اللغة العبرية واللغات الأوروبية. وفي بيان صدر عن الجيش الإسرائيلي في 10 حزيران (يونيو) 1967 يقال: «الهضبة السورية في أيادينا». أما اليوم فلا يستخدم هذا الاسم باللغة العبرية، وفي اللغة الإنكليزية يستخدمه الساعون إلى إعادة الجولان لسورية. وقد شهدت الجولان حروباً عدة بين إسرائيل وسورية.. وظلت هي الجولان.

الجولان ليس أرضاً يباباً وصخوراً وجغرافيا؛ الجولان إنسان وروح وحق سوري أبدي.. الجولان سورية، وسورية الجولان. شاء من شاء ورفض من رفض.