الحاضنة الاجتماعية للثورة جرحٌ مفتوح وابتزازٌ مفضوح

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

22/8/2015
السورية نت
المؤلف: 

الحاضنة الاجتماعية للثورة

جرحٌ مفتوح وابتزازٌ مفضوح

معن طلّاع

تتعدد مداخل وأنواع السياسات التي تستهدف  وتبتز الحاضنة الاجتماعية للثورة، إما بهدف التأثير سلباً عليها لتشكل بحكم معاناتها المتزايدة قوة ضاغطة على المؤسسات والهيئات الثورية وتدفعها لتغيير أدواتها وإبعادها تدريجياً عن دائرة الفاعلية، أو لغايات ادعائية تتكئ عليها أطراف محددة لنسج مشاريعها التسلطية أو نفوذها المارق، وما بين تلك السياسات تتعمق أزمة الحاضنة الشعبية لتغدو بعد خمس سنوات خبراً لا أثر له في سياسات الفاعلين الدوليين والإقليميين وحتى المحليين، وتصبح سيفاً يوجهه صانعو السياسات كيفما أرادوا بحسب اتجاه المصلحة. فلطالما سوقت كمادة للاستهلاك الإعلامي أو ورقة ضغطٍ للابتزاز المحلي.

يكتسب الحديث عن الحاضنة الاجتماعية أهمية خاصة تفرضها الغاية الثورية في ظل هذا الظرف السياسي الذي تحاك مساراته وفق محددات أمنية بحتة تنسف تضحيات هذه الحاضنة من جهة وتعرضها لمستقبل أسوأ من جهة ثانية،  وقبل الولوج في عملية تحديد مستويات التأزم التي تعاني منها هذه الحاضنة يجب تثبيت عدة حقائق ستشكل بمجموعها الإطار العام لفهم إشكالات هذه القضية، أول هذه الحقائق منبثقة من استمرار غربة "النخبة" عن القضية المجتمعية منذ بدء الحراك الثوري وذلك بحكم عاملين رئيسيين أولهما نفاق أغلبها وثانيها نمطية أدوات تأثير بعضها الآخر، وترتبط الحقيقة الثانية بكثرة مستويات الصراع وما أفرزته من اصطفافات عابرة للثورية، ساهمت إلى حد كبير من تعدد الجبهات التي تواجهها هذه الحاضنة التي وجدت نفسها في لحظة غير مستقرة أمام خيارات أيديولوجية ودينية يحتاج الحسم فيها لعمليات علمية واجتماعية وسياسية مركبة، وضمن ظروف مستقرة تشجع على الإبداع، بينما تتعلق الحقيقة الثالثة بإدراك الجرح المجتمعي المحتقن منذ خمسين عاماً والمفتوح منذ سني الثورة بحكم البراغماتية الدولية، وما أفرزه من إشكالات  هددت البنية الاجتماعية برمتها. وتحيلنا الحقيقة الأخيرة إلى ضرورة عدم تجاهل سياق الثورة وتحولاتها العامة بدءاً من المرحلة السلمية التي ميزها إجرام وعنف حكومي ممنهج، مروراً بالعسكرة وما رافقها من أولويات وتحديات فرضتها عملية المواجهة مع النظام الذي زاوج بينه وبين الدولة لتغدو في مرحلة ما عملية المواجهة مركبة ومزدوجة، ووصولاً إلى تجارب المناطق المحررة وما يرتبط بها من إخفاقات تتعلق بعدم توافر الظروف لتقديم نموذج حكم محلي راشد.

وعليه فإنه يمكن تحديد مستويات التأزم وفق محوري الواجبات والحقوق، المتسقين مع ضرورات المشهد الوطني عامة والمحلي خاصةً، في الآتي:

المستوى الاجتماعي: حيث أفرزت عمليات وتفاعلات الحراك الثوري المسلح أزمة غياب المرجعية الشرعية بشكل عام الأمر الذي سرعان ما حتم فرض نماذج قيادية همشت هذه القوى المجتمعية ولغت مفاعيلها بحكم منطق البارود، فنشأت منظومة قواعد تحرك مجتمعية تستنبط شروط بقائها وتفاعلها وامتلاكها لأدوات الاستمرار في ظروف الحرب المستعرة من ضمن هذه الصيغ القلقة التي لطالما أخفقت في امتحانات الأمن والخدمات وحسن التمثيل، وهذا ما كان من شأنه أن يؤدي إلى تراكم الاختلالات البنيوية وتغييب الأفعال المؤسساتية وتغليب الخطابات الجاهزة والمعلبة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد ساهمت عمليات التشويه التي تفنن النظام في رسمها عن الحاضنة الثورية وتصديرها على أنها حاضنة لقوى إرهابية تبتغي الأمن الوطني في تكوين انقسامات مجتمعية حادة لم يعد ممكناً قبول بعضهم بعضاً خاصة في ظل إدراك القوى المجتمعية التي لازالت خاضعة لسيطرة النظام لمصير المتعامل مع هذه الحاضنة" الإرهابية".   

المستوى الاقتصادي: وهو ما عملت على ترديه أدوات النظام منذ الأشهر الأولى للحراك الثوري عبر سياسات الحصار والتجويع والعقاب الجماعي، بالإضافة إلى صعوبة الحركة التجارية التي تم استهدفها وتطويع مخرجاتها في سبيل الضغط على الحاضنة، مما أدى إلى هبوط متسارع في المستوى الادخاري والمعيشي ونسف جلّ العمليات التنموية المتنامية والعودة بالمجتمع إلى عصر ما قبل تكوين السلطة حيث أدرك المواطن الذي ينتمي للمنطقة الثائرة أن عليه استنباط أسباب بقائه الاقتصادية خارج كنف مؤسسات الدولة و بعيداً عن المناطق الأخرى التي كانت تؤدي غاية التكامل الاقتصادي البيني، ومما لا شك فيه فقد خلقت تلك العملية ضغطاً مزدوجاً لم توفق القيادة المحلية في تحمله حيث كانت مطالبة أن تراعي نشوء الاقتصادات المحلية وإبعادها عن مسرح العمليات التي لم يستثنِ النظام أيّاً منها، وأن تحقق استقراراً تموينياً وخدمياً وصحياً وتعليمياً  في ظل شح الموارد والأدوات وقلة الخبرة.

كما ساهمت الحالة العسكرية بظهور نماذج إجرامية عابرة للحدود أتقنت فن التسلط الاقتصادي على المقدرات الوطنية وتوظيفها في سياقات تخدم مشروعها المارق، كما أعادت العجلة الاقتصادية في مناطق سيطرتها إلى صيغها البدائية التي لم تعد تجدي نفعاً في ظل الثورة الرقمية.

وفي هذا المستوى نجد أن مداخل الانفراج الاقتصادي الفردية غير منتظمة وغير متكاملة ومتعارضة ولطالما أفرزت احتكارات واستغلالات وجشعاً لم يدفع فواتيره الباهظة إلا معدة المواطن وجيبه.

المستوى الإنساني: في ظل الأرقام المفجعة سيكون توصيف التأزم الذي طال المستويات الإنسانية فعلاً خجولاً أمام هول الكارثة سواءً على صعيد المواطن المحلي الذي ذاق كل أشكال القهر والموت في ظل استمرار اللامبالاة الدولية أو على صعيد ذاك الذي أبحر نحو اللجوء ناسفاً كل انتماءاته وطموحاته في وطن يتشارك مع أبنائه في عمليات بنائه وجني ثماره وما يعنيه في رحلته الدامية بالتزامن مع تجاهل قضيته المحقة ومطلبه في العيش الكريم، إلا أن هذا المستوى يوجب علينا تسليط الضوء على بعدٍ هوياتي حيث عززت رغبة النظام الحاكم في البقاء وإمعانه في إحداث الشروخات المجتمعية في تسريع تطبيق أجندة مشاريع إيران وأذرعها الغريبة عن تاريخ وحضارة الجغرافية السورية والتي تجهد في تطبيقها لصالح استراتيجيتها السياسية، الأمر الذي جعل الحاضنة الشعبية أمام ابتزاز جديد تفاضل  فيه ما بين هويتها وانتمائها وأمنها وسلامتها، إذاً وفي هذا المستوى بالتحديد فقد وصلت قدرة هذه الحاضنة على التحمل إلى مستواها الأدنى خاصة في ظل عمليات التعويم وإعادة التأهيل لنظام الأسد والتي تجهد معظم المسارات السياسية الدولية لتطبيقه وفرضه كأمر واقع.

 

تستلزم هذه المستويات أن يدرك جميع الفاعلين المحليين  في الفضاء الثوري حقوق هذه الحاضنة الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية والتي ينبغي أن تكون أساس حراكهم السياسي والعسكري وحتى التفاوضي، وهذا يستوجب إطلاق برامج تكامل للوظائف الثورية بين جميع المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، وبمعنى آخر يجب أن تكون القضية المجتمعية منطلق ومستقر أي حراك، وعليه ينبغي تغليب المصلحة العامة على المصلحة الحزبية والفصائلية ولفظ الممارسات الإلغائية سواء كانت عبر بوابة الهيئات الشرعية والقضائية أو حتى عبر التدخل المباشر للفاعل العسكري في القضايا الإدارية والمدنية، بالإضافة إلى المجاهدة في طرح قضية الإنسان السوري في كافة المحافل والفعاليات الدولية وذلك ضمن خطط محكمة تنفذها فرق محترفة.

وعلى الضفة الأخرى لطالما ساهم استغلال الحاضنة الثورية وإغراقها في الشعارات غير المتسقة مع ما تبيته القنوات السياسية الدولية، في صالح أجندة تخريبية للنسق الثوري وتعزيز شروط الانفعال غير المحسوب الذي لا يزال يفرز نتائج كارثية سواء كان هذا الاستغلال عن جهل أو علم، يساري أو يمني، ديني أو علماني، فكله ساهم بشكل أو أخر في تشظي الجبهة الثورية وتهديد المشاريع السياسية والعسكرية الثورية الأكثر نضجاً والتي سيغدو تغييبها عن المشهد خدمة مجانية لقوى الاستبداد والتوحش.

وفقاً لذلك فإن الحاضنة الشعبية مطالبة بتمييز الخطابات الابتزازية التي تسهم في تشويه الجسد الثوري وافتعال الاقتتالات البينية وتكريس حالة الإنفلات والفوضى، وبين النصائح الموجبة لشركائهم في الثورة سواء عبر تفعيل دورهم في الخدمات المدنية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو عبر طرح برامج مجتمعية تضمن لهم المشاركة في عملية التحصين والتمكين.

ولا بد لي كخاتمة أن أثبت أمراً لن تستقم بدونه المسارات الثورية وستبقى بعيدة عن غايتها ومطلبها الأساسي بأنه وفي ظل ثورة شعبيّة لا تزال تستخدم قوى الاحتلال (سواء ايران وأذرعها، أو النظام، أو التنظيمات الإرهابية) كل الأساليب الوحشية والعنفية وتنتهج سياسات انتهازية لا وطنية فإن ذلك يحتم على قيادات ومؤسسات هذه الثورة أن تقدم قيماً ومفاهيم إنسانية ثوريّة متجددة غيّبتها السلطة، عبر طرحها لمشروعها الوطني الجامع وتبنيها لنماذج حكم راشدة تفصل بين السلطات وتعزز وتمكن سبل الإلتقاء والتكامل فيما بينها، وتحسن فيه أداء الوظائف الدولتية التي تخلى او تركها النظام، بالإضافة إلى توحيد الغاية وتحديد الأعداء المشتركين وتنحية الخلافات التي أحسن الفاعلون الاقليميون والدوليون استثمارها لتكريس استقطاب لطالما سّفَه الطرف المعارض عموماً، وفي ذات الوقت ينبغي أن نعمل على عدم استغلال الحاضنة وتحصينها بوعي جمعي يراعي واقع المشهد السياسي والعسكري الثوري العام ويدفعه باستمرار نحو تحسين فرصه التي يتم الاتفاق دولياً على تقليصها.

 

 

تعليقات