الحرب النفسية الجارية أخطر من النووي الإيراني

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

17/7/2015
بوابة الشرق
المؤلف: 

انتهى أمر الخلاف الغربي الإيراني حول الملف النووي بتوقيع الاتفاق، لتبدأ حرب نفسية شرسة على العرب حكومات وشعوب، هي الأخطر عليهم من البرنامج النووي الإيراني نفسه، الذي هو سلاح ردع في نهاية المطاف. وكان هناك من يحاول تحقيق أهداف البرنامج النووي الإيراني دون تمامه. فهناك من انطلق من توقيع الاتفاق ليقول للعرب، لقد انحاز الغرب إلى إيران -اصطفوا إلى جوار الشيعة الإيرانيين - وإنكم الآن في مواجهة إيران المدعومة أمريكيا وغربيا وروسيا وصينيا، وكأنه يقول إن العالم كله أصبح في صف إيران وما عليكم إلا الاستسلام أمامها. وقال البعض إن الاتفاق أوقف البرنامج النووي لمصلحة إسرائيل، لكنه أطلق يد إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن وفتح الطريق أمامها لاحتلال أو تفكيك دول ومجتمعات عربية أخرى، وكأنه يقول للعرب: أعيدوا الحسابات، وأنه لا مكان لما تولد لديكم من قوة إرادة وقدرة اكتسبتموها من عاصفة الحزم في اليمن وفيما جرى من تطوير قوة الثوار في سوريا. ووصل الحال أن تحدث البعض مخوفا من أن المائة مليار دولار التي سيفرج عنها بعد إسقاط العقوبات على إيران ستصب طاقة وقوة عسكرية في الحرب الإيرانية على العرب، وكان العرب ينقصهم المال. وقال البعض إن إيران فعلت ما فعلت بالعرب وهي مشتبكة مع الغرب، مخوفا من حال أسوأ ما بعد خلاصها من الضغوط الغربية. وضمن هذا السياق،عاد الرئيس الأمريكي ليلعب اللعبة الأمريكية القديمة بأنه حامي حمى العرب!
وكل تلك الأقوال والتهويلات لا تقصد إلا دفع العرب مجددا ليكونوا تحت الحماية الأمريكية، تكرارا للعبة القديمة التي قامت على تخويف العرب من إيران –شرطة الخليج- إلى حد "الرعب" وإقناعهم بأن لا قبل لهم بتحدي إيران من الآن فصاعدا، وأن لا فائدة لهم من امتلاك عوامل القوة والقدرة الذاتية، وذلك بهدف شل إرادتهم على بناء تلك القدرة وليعود العرب إلى وضع الاستسلام للحماية الأمريكية والبعض يستهدف دفع العرب لإقامة تحالف مع إسرائيل في مواجهة إيران، ليكونوا في وضع المستجير من الرمضاء بالنار.

وواقع الحال، إن إيران ليس بإمكانها أن تفعل أكثر مما فعلت في العالم العربي، وأنها الآن في مواجهة خاسرة وفي وضع استنزاف لقدراتها في كل الدول التي غزتها أو احتلتها وأنها تتلقى الهزائم الواحدة تلو الأخرى، وأن الاتفاق النووي وفك الحصار الاقتصادي على إيران، جاء مرتبطا بإنهاء حالة الاستقلال الذاتي الإيراني وهو يضع إيران على عتبات الاختراق الغربي لها من الداخل، وهو يرهن قرارها الخارجي بالتوافقات مع الغرب. ومن الأصل فإن إشكالية العرب لم تكن في ما امتلكته أو ستمتلكه إيران قبل أو بعد الاتفاق، بل في عدم امتلاك الرؤية والخطة والقدرة والقرار بالمواجهة، وأن أخطر ما في هذا الاتفاق هي الحرب النفسية الجارية بهدف دفع العرب إلى وضعية الوقوع تحت الحماية الغربية مجددا. هذا الاتفاق يستخدم الآن لمنع تطوير الموقف العربي الراهن، الذي يمكنه دفع إيران إلى داخل حدودها وإنهاء دورها الوظيفي كمخوف للعرب لدفعهم للاحتماء بالغرب.

كما أن الغرب لن يحقق إضافة كيفية لقوة إيران في التو واللحظة بعد التوافق. لقد كانت المفاوضات والخلافات جارية تحت عناوين صراعية وتحت ظلال التهديدات، فيما الطيران الأمريكي بل والغربي يلعب دور الذراع العسكرية للميلشيات والفيالق الإيرانية المتحركة في الدول العربية، وقبلها كانت إيران متحالفة مع الغرب خلال غزو واحتلال أفغانستان والعراق، كما أن الغرب وروسيا كانوا ولا يزالون في صف إيران في سوريا وهم وحدهم من يمنعون سقوط الأسد، وكذا فإن الولايات المتحدة وروسيا في وضع التحالف العسكري الكامل مع إيران في العراق على الأقل ودون مواربة.

وبمعنى أو آخر، فالفروق القادمة مباشرة بعد الاتفاق ليست فروقا كيفية على مستوى السلوك الإيراني أو على مستوى التحالف الغربي والروسي مع إيران. وما هو قادم قريبا لن يخرج كثيرا أو كيفيا عما هو قائم، وأن الأخطر فيما جرى بهذا الاتفاق، هي الحرب النفسية على العرب ومحاولة إعادتهم إلى عصر الحماية الأمريكية والغربية للحيلولة دون بناء قدراتهم الذاتية.
بإمكان العرب مواجهة التحديات المستقبلية لهذا الاتفاق، من خلال تدبر أمورهم في ضوء التجربة التي أظهرت لهم ضرورة بناء قدراتهم الذاتية عسكريا وعلى صعيد امتلاك التكنولوجيا النووية السلمية –ليكونوا عند مستوى ما حققت إيران وليس بوسع أحد رفض ذلك– وأن يقوموا بحشد قواهم بما تيسر من الدول ليعظموا من قدرتهم على الردع، وبإمكانهم مواجهة التحديات الحالة والمباشرة بأن لا يتراجعوا في ميادين القتال المفتوحة حاليا في مواجهة إيران حتى إعادتها إلى داخل حدودها، وذلك ممكن حسب وقائع الأحداث.
إيران ليست وحشا كاسرا والمشكلة في إرادتنا لا في قدراتنا.

تعليقات