"الحشد الشعبي" ذراع إيران القوية في العراق

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

6/1/2015
العربي الجديد

واهم من يعتقد أن إيران يمكن أن تهزم بالأماني والوعود والتعهدات والمفاوضات، فطهران وفية لطبيعتها المعقدة في نسج الحيل والأفانين، وهي وفية، أيضاً، لشخصية إنسانها الذي يجيد الحياكة، صاحب النفس الطويل، صاحب أشهر أنواع السجاد في العالم، الصبور، وبالتالي، فإنها لا تدع فرصة إلا استغلتها، حتى وإن بدت، في لحظةٍ ما، أنها ستكون على حسابها، وعلى حساب مشروعها في المنطقة.

عندما ظهر تنظيم الدولة الإسلامية، وسيطر على أجزاء واسعة من العراق في أيام قلائل، اعتقد بعضهم أن نفوذ إيران في العراق سيتزعزع، على الرغم من أن مشروع الدولة الإسلامية في النهاية لا يمثل مشروعاً عراقياً للخلاص من سيطرة إيران. ولكن مع ذلك، كان بعضهم يرى في هذا التطرف الذي يسير مشروع داعش فرصة لوقف التمدد الإيراني في العراق، أو على الأقل، تحجيمه.
تدرك إيران جيداً حجم الخطر الذي كان يمكن أن يلعبه داعش، لكنها تدرك، أيضاً، في الوقت نفسه، أن لديها أوراقاً كثيرة لتلعبها على الأرض العراقية، فكان أن ظهرت فتوى المرجع الشيعي، علي السيستاني، بتشكيل ما بات يعرف بالحشد الشعبي، استجابة لنداء الجهاد الكفائي الذي أطلقه عقب احتلال الموصل في يونيو/ حزيران الماضي.

وهنا كانت الرؤية الإيرانية، الواضحة مما تريده، حاضرة وبقوة، حيث شكلت تلك المجاميع المسلحة من عامة الشعب بداية، وإن كانت شيعية خالصة، قبل أن تأتي العمامة الإيرانية، لتضع يدها على أكبر جيش ميليشيوي في العراق، فلقد تجاوز عديد هذه الميليشيا نحو نصف مليون مقاتل، تم تجنيدهم وتجهيزهم وتسليحهم من خزينة الدولة العراقية، بذريعة محاربة داعش.
ليس هذا فحسب، بل باتت هذه الميليشيات هيئة شرعية، معترفاً بها من حكومة بغداد، وأيضاً مدعومة من مرجعية النجف، ما يضفي عليها طابع قوة يفوق، إلى حد كبير، حتى مؤسسة الجيش العراقي.
استحوذت إيران على هذه الميليشيات، أو قل الجيش الكبير، وتحولت قيادته إلى إيران شيئاً فشيئاً، خصوصاً أن تجربة الأشهر الأولى لهذه الميليشيات لم تكن جيدة، حيث تأخرت الحكومة عن دفع رواتبه عناصرها، قبل أن تعود إلى إغراء المال للتجنيد، وأيضاً إغراء الوجود الإيراني الذي يمثل، لنسبة لا بأس بها من شيعة العراق، عاملاً مهماً وحاسماً في توجهاتهم.
نصّبت إيران قيادات هذه الميليشيا الكبيرة، فكان أن عينت أبو مهدي المهندس جمال جعفر إبراهيم، المتهم بتفجير السفارتين الأميركية والفرنسية في الكويت في الثاني عشر من ديسمبر/كانون الأول 1983، نائباً لرئيس ما باتت تعرف بهيئة الحشد الشعبي، المرتبطة بمكتب رئيس الوزراء مباشرة، وظهر المهندس في مؤتمر صحافي، ليتحدث عن إنجازات هذه الميليشيات وما حققته من انتصارات على داعش.

الغريب أن هذا المهندس سبق له أن فر ليس من الكويت وحسب، عقب تفجيره سفارات غربية، وإنما فر من العراق، بعد أن كان نائباً في البرلمان عن محافظة بابل في الدورة الانتخابية قبل الماضية، يوم أعلن رئيس الحكومة آنذاك، نوري المالكي، نيته محاربة الفساد، وتحسين علاقاته مع دول الجوار، حيث قيل، في وقتها، إن الكويت طالبت المالكي بتسليم المهندس، غير أن الأخير فر إلى إيران، أو بالأحرى سهلت الحكومة عملية فراره.

المشكلة، اليوم، أن هذه الميليشيات التي تحولت إلى ذراع إيرانية بامتياز في العراق، ترتكب واحدة من أبشع مجازر التاريخ، حيث عمدت إلى تهجير وقتل عشرات من أبناء السنة في المناطق التي كانت تسيطر عليها داعش، بل إن مهدي العامري، أحد أبرز الأذرع التي تقود هذه الميليشيات، قال، في تسجيل مصور، إنه سوف يقتل نساء وأطفال المقدادية القريبة مع حدود إيران من جهة الشمال الشرقي، إذا لم يخرجوا في منازلهم.

تقوم ميليشيات الحشد الشعبي، أو جيش إيران في العراق، بعملية تغيير ديمغرافي للمناطق السنية التي لم يكن يخطر على بال أحد يوماً أنها قد تتعرض لمثل هذا النوع من التهجير، حيث إنها تقع في محيط جغرافي وديمغرافي سني بالكامل، غير أن قدرة إيران على انتهاز الفرص جعلت هذا غير الممكن ممكناً، يقابل ذلك غياب أي مشروع سني عراقي، أو وطني حتى.
تحدثت إيران بصراحة عن وجود جيش لها في العراق، يماثل ويفوق حزب الله في إيران، في اعتراف لم يجد حتى أي حالة استنكار أو إنكار، ليس من الدول العربية التي تقف متفرجة، وكأن الأمر لا يعنيها، بل من الساسة العراقيين، بمختلف أطيافهم، وخصوصاً العرب السنة.

لن تكتفي إيران بالتغلغل في العراق، وها هي اليوم تعلنها صريحة، أنها لا تريد جزءاً من العراق دون جزء، بل تريده كله، فهو حلقة الوصل بينها وبين سورية التي لا ترى إيران أن نظامها الدموي قابل للسقوط والانهيار، واليوم ربما، ستكون ميليشيات الحشد الشعبي سبيل إيران الجديد لإخضاع العراق كله لسيطرتها، وسط غياب أي مشروع عراقي وطني جامع، أو حتى مشروع عراقي سني.