الحلقة المفقودة في التحليل المقارن بين موجتي الثورات العربية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

18/04/2019
القدس العربي
المؤلف: 

استدعت تطورات الثورتين السودانية والجزائرية، لدى المراقبين والمحللين، مقارنات بينها وبين الموجة الأولى لثورات الربيع العربي التي اندلعت في 2010 ـ 2011، وبخاصة من ناحية الاختلافات الظاهرة والمسارات المتباينة بين الموجتين. الغريب أن أكثر الأقلام ركزت على الفروقات على ضفة الثورة، بين الموجتين الأولى والثانية، ولم تتحدث عن ضفة النظام إلا من حيث غياب العنف التام أو النسبي في الموجة الثانية (السودان والجزائر) بالقياس إلى العنف المنفلت الذي أدى، في حالاته القصوى كسوريا وليبيا واليمن، إلى تفكك النسيج والكيان الوطنيين واستدعاء الاحتلالات الأجنبية وتشظي الدولة، إضافة إلى الإبادات الجماعية وخراب العمران.
لكن السؤال الغائب هو: لماذا غاب العنف عن الثورتين السودانية والجزائرية؟ هل لأن الثوار «أكثر حضارية» أو مشبعين بالوعي المدني؟ أو لأن الإسلام السياسي قرر عدم الانخراط؟ أو لأن «الخارج» لم يتدخل؟ أو أن للثورتين قيادتين أكثر وعياً وتنظيماً؟ أم بسبب المشاركة النسائية الكثيفة؟ أم انخراط المدن الكبرى في الحراك الثوري بدلاً من هيمنة المجتمعات الريفية؟… إلخ
أم لأن النظام، في كل من الجزائر والسودان، أكثر وطنية من مثيلاته في بلدان الموجة الأولى، أم لأن المؤسسة العسكرية أكثر استقلالية وأكثر وطنية؟ أم لأن رئيسي السودان والجزائر ليس لديهما مشروع توريث للحكم، كحال عائلات القذافي والأسد وصالح؟… إلخ
قد تلعب بعض العوامل المذكورة في حزمتي الأسئلة أعلاه أدواراً متباينة القوة في تعزيز الخيار الكارثي في الموجة الأولى، أو الخيار السياسي في الموجة الثانية، لكنها، برأيي تبقى من نوع العوامل الثانوية المساعدة، وليست العامل الرئيسي المفسر لتباين المصائر بين الموجتين.
العامل المشترك الأبرز بين حالتي السودان والجزائر هو وجود أزمة داخل النظامين، يعبر عنها بوجود مراكز قوى تتبنى معالجات مختلفة لمواجهتها. هذا ما يفسر الإطاحة بسهولة برأسي النظامين «من الداخل» تحت ضغط المجتمع الثائر. لم يتأزم نظاما بوتفليقة والبشير في مواجهة الأزمة، بل كانا مأزومين مسبقاً في لحظة المواجهة، وهو ما سهل انقلاب بعض النظام على بعضه.
بسبب البنية المغلقة والكتيمة للأنظمة العربية، لا تظهر أزماتها الداخلية إلى العلن، إلا في حالات الاستثناء. لكن مؤشرات، ربما تبدو، للوهلة الأولى، ضئيلة قد تشي بوجود الأزمة. من ذلك مثلاً إعادة ترشيح بوتفليقة لمنصب الرئاسة للمرة الخامسة، على رغم حالته الصحية التي لا تسمح بهذا الترشيح السوريالي. فهو يعني أن النظام لديه أزمة بديل عن بوتفليقة، أي أن النخبة الحاكمة غير متفقة على ترشيح شخص آخر يؤمّن استمرار النظام. وهكذا استهتر النظام بمشاعر الجزائريين معتمداً على رهاب «العشرية السوداء» التي أسست لاستنقاع الوضع وقتل روح الحرية والكرامة البشرية في المجتمع. لكن السحر انقلب على الساحر، فتحولت إعادة ترشيح الكرسي المتحرك إلى حافز لالتقاط لحظة أزمة النظام للانقضاض عليه متلبساً في حالة ضعف.
لنفترض ـ جدلاً ـ أن إعادة انتخاب بوتفليقة تمت بلا مقاومة، فهل كان بوسع الجزائريين أن ينتفضوا بعد سنة أو سنتين مثلاً؟ وعلى فرض أنهم فعلوا، هل كان بوسع تحركهم أن ينمو بلا أي مواجهة عنيفة من النظام؟ بالطبع لا أحد يملك جواباً على هذه الأسئلة الافتراضية. ولكن يمكن القول إن نظاماً مستقراً وموحداً لا تخترقه تصدعات داخلية، يمكنه أن يتخذ قرارات حاسمة من نوع المواجهة حتى النهاية والتمسك بالسلطة مهما كان الثمن.

لكي لا نبقى في دائرة افتراضات لا يمكن الجزم بها، لنلق نظرة مقارنة إلى أبرز مثال كارثي في الموجة الأولى، أعني المثال السوري. لقد اندلعت الثورة في سوريا في لحظة لم يكن فيها النظام في أزمة، بل في حالة استقرار تامة، موحداً وراء واجهته المتمثلة ببشار الأسد. لقد مر نظام الأسد بأزمتين متفاوتتي الحدة، منذ تولي بشار بعد موت أبيه، الأولى هي لحظة التوريث الذي كان مهيئاً له منذ وفاة أخيه الأكبر باسل قبل ست سنوات، وكان السوريون يعرفون ذلك ضمنياً على رغم عدم الإعلان عنه مسبقاً. وحين مات الأب كان كل شيء مهيئاً لنقل السلطة «بسلاسة» كما وصفتها حكومات الدول الغربية. ظهر مؤشران باهتان على عدم الانسجام التام أو «السلاسة» الكاملة، هما غياب (تغييب) نائب الرئيس عبد الحليم خدام الذي قيل إنه معترض على التوريث، وظهور صوت وحيد في جلسة مجلس الشعب المخصصة لتعديل الدستور لكي يناسب سن بشار الأسد، ذلك الصوت الذي طالب رئيس المجلس بتقديم مسوغات للتعديل الدستوري.
في الأيام اللاحقة تراجع الرجلان عن تحفظاتهما، أو أرغما على التراجع، فأعلنا ولاءهما للرئيس الجديد أمام الملأ. أما المجتمع السوري فقد ابتلع الإهانة بصمت كامل تقريباً، باستثناء تصريح المعارض رياض الترك عن اعتراضه على رئاسة بشار الأسد. وهكذا مرت لحظة التوريث التي يمكن وصفها بـ»أزمة موضوعية» ظلت في حالة كمون. كان من شأن اعتراض اجتماعي واسع، في تلك اللحظة، أن تنقلها من الكمون إلى الواقع، لكن ذلك لم يحدث.
أما الأزمة الثانية فهي ما حدث بعد اغتيال رفيق الحريري وإخراج الجيش السوري من لبنان. لكنها بقيت أزمة خارجية ولم تترجم إلى لحظة ثورية تعمّقها وتؤدي إلى تفكك النخبة الحاكمة. وتشير حادثة «انتحار» غازي كنعان إلى احتمال تحولها إلى أزمة داخلية للنظام جرى قطعها باستئصال كنعان من المشهد.
إنه لأمر لافت ومعبر أن كلتا الأزمتين المحتملتين، في 2000 و2005، قد تم بترهما باغتيالين تم تصويرهما في صورة انتحارين. يمكن البناء على هذين المثالين للقول إن صيف 2012 الذي شهد تفجير خلية إدارة الأزمة، كان موعداً مع أزمة ثالثة للنظام استطاع التغلب عليها بواسطة اغتيال جماعي هذه المرة.
أما في آذار/مارس 2011 الذي شهد بداية الثورة الشعبية في سوريا، فقد واجهها النظام بلا أي أزمة داخلية في بنيته. وهو ما يسر له مواجهتها بعنف منفلت لم يتراجع عنه لاحقاً، بل واظب على تصعيده باطراد، وبخاصة بعدما حمل الثوار السلاح وبدأت تدخلات دول إقليمية ومجاورة. لذلك كانت مواجهته مشهدية لأزمته الداخلية الثالثة حين اغتال أبرز قادته العسكريين والأمنيين وعلى رأسهم الصهر آصف شوكت.
لا يمكن تفسير المواجهة السلمية من قبل النظامين الجزائري والسوداني للثورة السلمية، بأسباب أخلاقية كالقول مثلاً أن بوتفليقة والبشير أكثر وطنية أو إنسانية من زميلهما بشار الأسد. فالمقارنة الشخصية تشير بوضوح إلى تفوقهما على الأسد في خصلة الذكاء على الأقل. كل ما في الأمر هو صلابة نظام الأسد في آذار/مارس 2011، مقابل أزمة داخلية في النظامين الجزائري والسوداني في 2019.