الحل السياسي في سوريا: إشكاليات قائمة ومستمرة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

15/1/2015
مركز عمران للدراسات الاستراتجية
المؤلف: 

يفرضُ الحديث حول أطروحات الحل السياسي في سوريا توضيح بعض الحقائق التي التصقت بجسد الملف السوري، لأنها ستساعدنا في تحديد إجابة صريحة وواضحة عن تساؤل مفاده هل البيئة المحلية والإقليمية والدولية مفضية لحل سياسي عبر التفاوض؟ وعليه سأعرض جملة إيضاحات مهمة لا يمكن التهرب منه، وينبغي أن تبقى حاضرة في الوعي السياسي نظراً لمدلولات هذه الإيضاحات وتأثيراتها على الحلول التفاوضية، وسأختصر في أهم ثلاثة:

 أولها: المعادلة الأمنية في سوريا التي تتسم بتداخل كبير بين مفهومي الأمن الإقليمي والأمن الدولي، وتتجاوز أهميتها الاستراتيجية حدود المنطقة العربية.  ويتزايد الإدراك العالمي بأن الأزمة قد تحولت من محض ثورة شعبية إلى صراع إقليمي تتفاعل مكوناته في عملية إعادة فرز سياسي شامل (كما وصفها الباحث بشير زين العابدين)، وبالتالي فإن حلّ المعادلة الأمنية بطريقة أو أخرى تستوجب تقارباً دولياً أو إقليمياً على أقل تقدير، وهذا ما لم تظهر ملامحه بعد، تلك الملامح المرتبطة بملفات جيوسياسية إقليمية وبمحددات يفرضها داخل الوحدة الدولية.

ولعل انتفاء وظيفة المؤسسات الأمنية السورية بالمعنى الدولتي الذي يراعي خصوصية المفاهيم الأمنية في النظام الإقليمي والدولي عند تنفيذه السياسات الأمنية الوطنية، يمثل إشكالاً ممتداً للمعادلة الأمنية، متعدد الأبعاد يفرّغ فكرة "الحفاظ على مؤسسات الدولة" من مدلولاتها الترويجية كمبرر للحلّ السياسي، خاصة أنها استعرضت فشلها لأسباب عدة في قيادة المشهد الأمني تزايد حديّة الولاء الشخصي في هذه المؤسسات ، وتحوّل الوظيفة الأمنية (المطالَب ثورياً بتغيرها) إلى مفاهيم يحدّدها المفهوم الطائفي والمناطقي والغايات الاقتصادية التي لا تتعدّى الحاجز الأمني الذي يستلمه.

ومما يزيد هذه الإشكالية تسويق فكرة عدم فاعلية البديل الأمني لهذه المؤسسات، واستناد هذا البديل إلى مفاهيم وقواعد أمنية خاصة خارجة عن السياق الدولتي والإقليمي والدولي.

مستويات الصراع في الملف السوري تقع ضمن ثلاث دوائر: صراع نظام وثورة شعبية وصراع إقليمي ودولي وصراع ضد تنظيمات عابرة للحدود

وثاني هذه التوضيحات يتمثل في تحديد طبيعة الصراع، حيث يمكن القول إن أشكال الصراع في سوريا بشكل عام تقع ضمن ثلاث دوائر هي: صراع إقليمي ودولي، وصراع نظام وثورة شعبية، وصراع ضد "الإرهاب"، ويندفع الصراع فيها باستمرارية متّقدة للأسباب التالية:

 

  1. تعارض غايات ومصالح الفاعلين الدوليين والإقليميين الذي نجم عنه عدم ثبات واستقرار في استراتيجية المعالجة (غير الفعالة أساساً) نظراً للتسارع في مستوى الأحداث ودخول المتغيرات الطارئة مما يؤكد عدم نضوج مناخ التقارب المرتهن بظروف ومعطيات إقليمية ودولية.
  2. تجذّر وتعقّد الخلافات والصراع بين النظام والمعارضة، وكثرة المبررات المغذّية للمستند السياسي لكل منهما.
  3. فشل جميع المحاولات السياسية في تقليل تداعيات الملف الإنساني (اعتقالات – تهجير – تعويض – إغاثة مناطق محاصرة).   والأسباب في تحول الملف الإنساني من محفزٍ للمداخل السياسية إلى محركٍ ودافعٍ للحسم لهي كثيرة يمكن إيجازها بثلاثة:
  • عدم قدرة النظام على الاستجابة للمطالب الإنسانية لأسباب سياسية ولأسباب الإهمال والفساد المنتشر في صفوف مؤسساته الأمنية والعسكرية.
  • عدم تضمين العدالة القانونية والاجتماعية في صيغ الحلول السياسية المطروحة جمعاء.
  • عدم فعالية المجتمع الدولي واتكائه على منجزات متناهية في الصغر في هذا الملف ساهم في ازدياد العوامل الدافعة على استمرار الأزمة وعدم قبول أية حلول لا تتبنى حلاً شاملاً لهذا الملف. 

لقد اعترى جسمي المعارضة (بإطارها العام والفضفاض) والنظام (كبنية سياسية وعسكرية مؤيدة) جملةٌ من الصراعات التي تختلف من منطقة إلى أخرى، وهي أربعة صراعات في دائرة المعارضة وأربعة في دائرة النظام. فالصراعات المرتبطة بالمعارضة هي: صراع سياسي بيني ضمن مكونات المعارضة السياسية المستندة إلى قواعد إيديولوجية وسياسية مختلفة وتحالفات دولية متباينة، وصراع مع النظام وميلشياته، وصراع التنظيمات العسكرية الكبرى فيما بينها الذي تغذيه الاختلافات الفكرية والعقدية والسياسية، وصراع عسكري داخل الوحدة الجغرافية. أما الصراعات التي تزداد حدّتها في دائرة النظام فهي صراع ضد قوى الثورة السياسية والعسكرية، وصراع اجتماعي محتمل مع الحواضن الاجتماعية المؤيدة له ولو بعد حين حيث أن أسباب اندلاعه متوافرة، وصراع مصالح اقتصادية بين أمراء الحرب في صفّه، وصراع كامن مع الميلشيات الوطنية وغير الوطنية التي تقاتل ضد خصومه.

في هذا الإطار يمكن تبيان حقيقة أن صراعات النظام تتفاقم نتيجة الاستنزاف المستمر له ومفرزات سياسة الخصخصة العسكرية لمناطق سيطرته، ناهيك عن بدء ظهور ارهاصات الرفض المعلن في صفوف الحاضنة الاجتماعية للنظام والاستغناء عن حالة الارتياح التي كانت تعيش تلك الحاضنة في كنفه، لذا يدرك النظام أن فكرة استمرار الحرب تشكل عاملاً مسكناً لانفجار تلك الصراعات.  

وثالثها يتعلق بـقصور المبادرات السياسية المطروحة الملبسة لبوس الواقعية وتستهدف هوامش المشهد الثوري فحسب، الذي طغى بحكم تقاعس المجتمع الدولي من جهة، ومن جهة أخرى بطش نظامٍ مزّق النسيج المجتمعي وغذّى الاتجاهات الطائفية والمذهبية والعرقية. كما تتجاهل هذه المبادرات فكر النظام ورؤيته التي لا تقبل أي حل سياسي ليس على مقاس طموحاته الاستبدادية وفق النمط الستاليني، فالنظام يدرك أن أي إصلاح ولو كان جزئياً هو إنهاء له ولكل آلياته وهذا ما يجعله يعتمد مبدأ المراوغة والالتفاف والتغيير الصوري فقط، عبر عدة وسائل نذكر منها على سبيل الذكر لا الحصر: ترويج وتصدير نفسه بوصفه الدولة، وأن هذه الحرب موجهة ضد الدولة وليست ضده، وأن بقاء الدولة مرتبط ببقائه، وبالتالي يتاجر بفكرة " الحفاظ على الدولة" دوراً في تضمين النظام أية صيغة حل سياسية، بالإضافة إلى اعتماده على دوائره الدبلوماسية في إلغاء الأثر المرجو من الضغوط الممارسة عليه، مما يؤمن له كسب المزيد من الوقت ليتسنى له تغيير معادلات الصراع لصالحه مستغلاً بذلك فعالية حلفائه في المحافل الدولية. لذا أجد أن أي حل سياسي وحتى ضمن رعاية دولية سيساهم نظام الأسد في إفراغه من غاياته كما كان دأبه منذ مبادرة الجامعة العربية الأولى وحتى مؤتمر جنيف2 (آخر الأطروحات السياسية).

وفق التوضيحات أعلاه يمكن الاستنتاج أنه من الخطأ الموضوعي أن نعتقد بأن مناخ الحل هو تفاوضي أو تجميدي أو تسكيني سواء عبر:

  • ادعاءات فك الحصار التي هي غاية إنسانية لا يمكن تطويعها في هذا المسار لأنها ستغدو ابتزازاً واضحاً كما فعل النظام في مؤتمر جنيف2.
  •  أو عبر الاتكاء على نظام الهدن الذي لا يمكن أن يفضي إلى عملية سياسية، لأن أسبابه كانت محصورة ضمن ثنائية المطالب المعيشية للحاضنة الشعبية وعدم قدرة النظام على حسم المعارك في تلك المناطق، ناهيك عن جملة إشكاليات لا مكان الآن لعرضها ويمكن اختصارها بعدم واقعية قراءة واقع الهدن في سوريا ومآلاته.

وهناك أسباب كثيرة تجعلنا نؤكد (قسراً ورضوخاً للواقع) أن المناخ ليس مناخ حل سياسي، نجمل أهمها في:

  •  تعدد المهددات الأمنية لدول المنطقة والإقليم واختلاف سبل المعالجة وتضاربها وتعارضها.
  •  وطبيعة حلفاء النظام ونظرتهم البراغماتية للملف السوري وتوظيفه لتحسين تموضعات سياسية واقتصادية.
  •  زهد الفاعل الأمريكي في حل الملف السوري والاكتفاء باحتواء مفرزاته، فهو ليس معنيّ بالمشرق العربي إلا من خلال الملف النووي الإيراني والاستراتيجية الدولية لمكافحة ما سماه " الإرهاب".
  • طبيعة النظام العربي المشكّل حديثاً والمتبني للثورات المضادة، ومدى قدرته على الثبات والضغط على القوى المجتمعية التي مورس بحقها كبت شديد بمبررات تدعي "تحصين البلاد من الإرهاب".
  • أسباب تتعلق بالبنية العسكرية وطبيعة الفصائل المتحاربة وغاياتها وقياس قدرة التحكم بها سياسياً ومدى اقتناعها وقبولها بالحل السياسي.

دون معرفة طبيعة الملف السوري بعد أربعة أعوام وإدراك الغاية السياسية النهائية من أي حل أو أي مبادرة سياسية سيكون عنوانها كسب الوقت وتمييع القضية

 إن عدم إدراك طبيعة الملف السوري بعد أربعة أعوام والسياسية النهائية المرجوة من أي حل أو أية مبادرة سياسية سيكون عنوانه كسب الوقت وتمييع القضية.  ولذا يجب أن  يشمل الحل  تغير السلطة الحاكمة التي ثبت فشلها وعدم قدرتها على إدارة البلاد بالوظائف الدولية المنوطة بها سابقاً خاصة عبر مساهمتها بتحويل سوريا إلى مرتع لعصائب وأحزاب طائفية ترتهن لإمامٍ ما انفك عن شحن عناصره ضد المكون الأكبر  في البلاد، بالإضافة إلى ضرورة شمل هذا الحل وتبنيه لخارطة طريق تفضي لتغيير النظام السياسي والاقتصادي في سوريا، والأجدى اليوم وغداً وبعده، العمل على تحسين تموضعات المعارضة عبر عدة مداخل رئيسية أهمها تحويل مؤسسات المعارضة الرسمية إلى مؤسسات تمثيلية وتشريعية يشكل تواجدها وعمل هيئاتها ومكاتبها في الداخل السوري أولوية يبررها منطق المقاومة والالتحام مع القواعد الشعبية على أرض الواقع، بالإضافة إلى ضرورة تفعيل القنوات الدبلوماسية التي تستطيع التأثير قدر المستطاع في البيئة الدولية، ووضع استراتيجية وطنية تنهي الاحتراب الداخلي بين الفصائل الثورية في الداخل وتجمعها على ثوابت وأهداف مشتركة.

وأخيراً مما لا شك فيه -والطرح هنا ليس جرعة أمل بقدر ما هو فرصة كامنة يفرضها الواقع لامتلاك زمام الأمور- إن متغيرات المشهد العسكري على الأرض وتأزم المشهدين الإقليمي والدولي والاستنزاف العالي الذي يشهده جسد النظام يمنح قوى الثورة الفرصة السانحة لإعادة ترتيب أوراقها وتحديد أولوياتها وتجديد روحها وخطابها الثوري الجمعي القيمي الأصيل، ومن ثم التحرك في خمسة مسارات رئيسة سياسية ودبلوماسية وإدارية وعسكرية وشعبية، وفق مفاهيم الاحترافية والانضباط والابتعاد عن المهاترات السياسية والعسكرية لمصالح ضيقة آنية شخصية، والعمل من خلال استراتيجية منطلقها الوحيد الاستجابة إلى المطالب الأساسية للشعب السوري المنكوب.