الخسائر الاستراتيجية الإيرانية في الحرب السورية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

03/ 05 /2014
بوابة الشرق
المؤلف: 

مع تشييع الحرس الإيراني الثوري لأربعة من عناصره الذين قتلوا في معارك دمشق مؤخرا، يكون النظام الإيراني قد أعلن واستكمل كل مراحل تدخله الكامل في النزاع السوري الداخلي وفي مقاومة الثورة السورية التي دخلت عامها الرابع، وهو تدخل كانت له أصداء ونتائج وإفرازات كثيرة، كما أنه قد عبر عن الصورة الكاملة لتطور الطموح الإقليمي الإيراني من مرحلة التربص وانتظار الفرص السانحة لمرحلة التوسع والتمدد الأيديولوجي والعسكري والمجال الحيوي الإقليمي الإيراني الذي تمدد من كابل الأفغانية وحتى بيروت المتوسطية مرورا ببغداد العباسية ودمشق الأموية، الخسائر المباشرة التي أعلنتها إيران لا تعني بأن ذلك التدخل لم يشمل خسائر سابقة، لكون إيران قد استعملت أسلوبا تكتيكيا يتسم بالحرب بالوكالة عن طريق تعبئة وحشد وتدريب وتجنيد عناصر عربية تحديدا من لبنان والعراق وحتى اليمن مرتبطة أيديولوجيا بالنظام الإيراني لتقاتل في ربوع الشام تحت شعارات ودلالات طائفية بحتة تخفي الأهداف الإستراتيجية العليا للدولة الإيرانية، كقضية ما يسمى بالدفاع عن الأضرحة المقدسة والتي جعلت حزب الله والميليشيات الطائفية العراقية لا تقاتل ضمن نطاق وأسوار تلك المناطق المحصورة بريف دمشق، بل انتقلت بعدتها وعديدها لتقاتل في أماكن ساخنة أخرى كحلب ودرعا والقلمون وحمص، فالتدخل الإيراني لم يعد مجرد حالة عابرة ومؤقتة فقد تحول بحكم تطور العمليات، واتساع ساحة المواجهات، وتوسع التدهور العسكري والأمني للنظام السوري لحالة استنزافية مرهقة للخزينة الإيرانية رغم أن العراق المجاور بحكومته الموالية للنظام الإيراني قد تحمل أيضا أعباء مالية ولوجستية كبرى في دعم النظام السوري المنهار، إلا أن للجهد العسكري الإيراني سواء بشكله الاستشاري وبأشكاله المتحولة الأخرى القدر الأكبر في ميزانية المواجهة، فقد سبق لقائد سلاح الجو في قيادة الحرس الثوري الإيراني أن أعلن صراحة أنه لولا التدخل العسكري الإيراني المباشر لسقط النظام السوري منذ الشهور الأولى للثورة بعد انهيار جيشه المتسارع، والعالم يراقب اتساع حجم التدخل والتورط الإيراني دون أن يأبه بخسائر الشعب السوري لأن للمسألة أبعادا إستراتيجية كبرى تتمثل في كون زيادة الاستنزاف والتورط العسكري لإيران في الشام سيؤدي بالضرورة لإضعاف قدراته وشروطه التفاوضية في المسألة النووية، كما سيساهم في خلخلة وإضعاف قاعدة النظام الإيراني الشعبية في العمق الإيراني بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية ورفع الدعم الحكومي عن المحروقات، وزيادة الخسائر البشرية في حرب ليس من مصلحة الشعب الإيراني التدخل فيها وتحمل تكاليفها وأعبائها المرهقة وفي ظل غموض الموقف العسكري وعدم القدرة النهائية على الحسم بعد أن تحولت العمليات العسكرية لمعارك متنقلة لا يمكن لأي جيش أن يكسبها لكونها حرب عصابات وبأساليب الكر والفر، فالثوار السوريون هم من يمتلكون زمام المبادأة والمبادرة، وهم وحدهم من يحدد زمان ومكان المعركة، والنظام السوري لا يمتلك من وسيلة سوى أسلوب الضرب العشوائي والتدمير الشامل بالبراميل وحتى الغازات السامة، وإيقاع أكبر قدر من الخسائر بالمدنيين لكسر الحاضنة الشعبية للثوار وهي حاضنة مليونية كما اعترف بذلك بشار نفسه مؤخرا!!.

التدخل الإيراني الواسع في الحرب السورية يتشابه في إطاره العام ولربما حتى في نتائجه مع التدخل السوفيتي السابق في أفغانستان عام 1978 لدعم نظام الرئيس الأفغاني السابق بابراك كارمل والنظام الشيوعي الأفغاني الذي كان والذي أدى في محصلته النهائية لإرهاق الجيش السوفيتي بالكامل مما أسهم لاحقا في انهيار الاتحاد السوفيتي نفسه عام 1991! 
النظام الإيراني يبحث في سوريا اليوم عن تسوية تحفظ له ماء الوجه ولا تنهي حلفاءه بالكامل وهي معادلة صعبة وغير متوازنة ولا يمكن تحقيقها على الإطلاق سوى بالهروب من المستنقع السوري، لذلك تبدو إيران اليوم حريصة أشد الحرص على تهدئة الموقف الداخلي في العراق المجاور والتفرغ للوضع السوري الذي باتت نتائجه الارتدادية تشكل هاجسا مؤلما على الداخل الإيراني نفسه.. ومع زيادة التورط العسكري الإيراني في بطاح الشام فإن الإيرانيين ينتظرون لا محالة المزيد من الجثث في حرب طالت كثيرا وتجاوزت خسائرها كل الحسابات.. فهل سيتجرع الإيرانيون كأس السم من جديد ويتركون بشار ونظامه لمصيره.. تلك هي المسألة والمعضلة، والكارثة أيضا.