"الدائرة تضيق على الأسد" بفعل التنافس الروسي الإيراني.. ورسائل تحذير من موسكو

رأس النظام في سوريا بشار الأسد - صورة أرشيفية
الأحد 24 مارس / آذار 2019

وصل التنافس الروسي الإيراني في سوريا، وما أظهره بشار الأسد من انحياز أكبر تجاه طهران، إلى زيادة في الضغوط الروسية على الأسد، بل وإبلاغ موسكو له برسائل حملت نبرة التحذير من مغبة التغريد خارج سربها.

وخلال الأيام الثلاثين الماضية، أظهر الأسد تقرباً أكبر لإيران، بدءاً من زيارته لطهران يوم 25 فبراير/ شباط الماضي، وانتهاءً بالمشاركة في لقاء ثلاثي، جمع قادة أركان إيران، والعراق، والنظام، وهو الأمر الذي دفع موسكو لإرسال وزير الدفاع سيرغي شويغو وإبلاغ الأسد بالعديد من الرسائل.

وسلط تقرير مفصل من "Strategy Watch" (المرصد الاستراتيجي)، الضوء على تفاصيل زيارة شويغو للأسد والرسائل التي حملها له، وحمل التقرير الذي حصلت "السورية نت" على نسخة منه، اليوم الأحد، عنوان: "شويغو في مهمة عاجلة: الدائرة تضيق على بشار الأسد".

الأسد يستنجد بإيران

وأشار التقرير إلى أن الأسد بذهابه إلى طهران نهاية فبراير/ الماضي، كان مدفوعا بالحاجة القصوى إلى جهود إيران لإنقاذه من الأزمات الداخلية التي يعانيها.

وزار الأسد إيران في وقت لا يوجد لدى النظام لمخزون الاستراتيجي ما يكفي إلا لمدة 4 أسابيع، ويعاني نقصاً حاداً من المواد الأساسية كالطحين والسكر، والوقود والمازوت والغاز، ما دفع بشار للتعبير عن قلقه على مستقبل النظام نتيجة إحكام الحصار عليه، وتنامي السخط الشعبي الذي كاد أن يصل في بعض المحافظات إلى مستوى المظاهرات الشعبية عام 2011، وفقاً للتقرير.

وبحسب المرصد فإن الأسد التمس من خامنئي التحرك للمحافظة على المكتسبات التي تم تحقيقها بفضل العمليات الإيرانية في سوريا، وتفادي انهيار كامل "للدولة" في ظل تردي الوضع الاقتصادي.

من جانبه، وجد خامنئي في التماس الأسد الفرصة المناسبة لتنفيذ مشروع انتشار واسع النطاق، حيث تعهد بتوفير الإمدادات اللازمة، وخاصة الوقود الذي تمتلك إيران فائضًا منه نتيجة العقوبات الأمريكية الجديدة التي منعتها من بيعه في الآونة الأخيرة.

عطاء مقابل شروط

وأراد خامنئي استغلال حاجة الأسد إليه، فاشترط عليه التزام بتعهداته في منح الشركات الإيرانية الأفضلية في مشاريع إعادة الإعمار، وخاصة منها ما يتعلق ببناء ضاحية جنوبية في دمشق تتضمن 200 ألف وحدة سكنية، ومنح نحو 5000 عنصر أفغاني وباكستاني من ميلشيات "فاطميون"، و"زينبيون"، الجنسية السورية ودفع رواتبهم من ميزانية الجيش السوري، وتوطين عوائلهم في تلك المشاريع الإسكانية المزمع بناؤها في دمشق.

وكان لـ"حزب الله" نصيب أيضاً من الشروط، إذ طلب خامنئي - وفقاً لتقرير المرصد - توطين آلاف من المنتسبين لـ"حزب الله" في قرى تنوي إيــران إعمارها في المناطق الحدودية بين سوريا ولبنان، ومنح الجيش الإيراني تعاقدات إعادة تسليح وتجهيز جيش النظام وتفضيلها على المناقصات الروسية.

رضوخ الأسد

ويشير ما حدث بعد عودة الأسد من طهران، أن الأسد وافق على شروط إيران والتزم أمامها بما طلبه خامنئي، حيث بادرت طهران إلى رعاية الاجتماع الثلاثي يوم 18 مارس/ آذار الجاري، والذي جمع رئيس الأركان الإيراني محمد حسين باقري، مع نظيره في نظام الأسد عبد الله أيوب، والعراقي الفريق الركن عثمان الغانمي.

ونوقشت في هذا الاجتماع بنود مشروع إيراني يتضمن فتح الحدود العراقية-السورية لتوصيل المساعدات الطارئة إلى النظام، وذلك من خلال صيانة طريق "القائم-البوكمال" الذي بقي مغلقًا لسنوات طويلة، وتكليف قوة مشتركة من الجيش العراقي وميليشيا "الحشد الشعبي" لحماية الطريق من العراق.

أما مهمة النظام، فتكمن في تولي قواته بالتعاون مع بعض الميليشيات الموالية حماية المنطقة الحدودية من الجانب السوري، وذلك لضمان عبور نحو 128 ألف برميل يوميًا قادمة من مدينة كرمنشاه والتي التزم خامنئي بإرسالها إلى لإنقاذ نظامه من الانهيار.

ولضمان عدم التعرض لها من قبل القوات الكردية وحلفائهم؛ تم الاتفاق على منح الصهاريج الإيرانية أرقامًا عراقية، واستبعدت فكرة نقل المواد والبضائع عبر معبر الوليد نظرًا لقربه من قاعدة "التنف" الأمريكية.

وسيكون بمقدور إيران من خلال إعادة فتح الحدود العراقية السورية، الحصول على الغنيمة الأكبر من مغامرتها العسكرية في سوريا، والمتمثلة في تحقيق طموحها بإنشاء معبر بري يصلها بالبحر المتوسط عبر الموانئ السورية واللبنانية، بحماية ميلشيات عراقية، وسورية، ولبنانية تخضع لقيادة "فيلق القدس".

رسائل الانزعاج الروسي

ولفت تقرير المرصد إلى أن المعضلة الأكبر أمام تنفيذ تلك التفاهمات تمثلت في غياب التنسيق مع روسيا، التي أرسل رئيسها فلاديمير بوتين وزير دفاعه شويغو يوم 19 مارس/ آذار الجاري إلى دمشق في مهمة عاجلة وأبلغ بشار الأسد رسالة شديدة اللهجة، في أربعة نقاط، بحسب ما أوردها تقرير المرصد:

1-ضرورة الاستفادة من الفرصة التي وفرتها العمليات الروسية في غضون السنوات الماضية للتغلب على "الإرهاب الدولي"، والمحافظة على الدولة السورية، وضرورة "تفويت الفرصة على الذين لا يرغبون في رؤية سوريا دولة مستقرة"، وذلك في إشارة إلى إيران التي ترغب في تنفيذ سياسة انتشار يذكي المزيد من الصراعات الإقليمية مع دول الجوار، وعلى رأسها "إسرائيل".

2-مطالبة الأسد بإطلاع شويغو على تفاصيل ما دار في لقائه مع خامنئي بطهران، وفي اجتماع الجنرالات الثالثة، وتذكيره بضرورة إطلاع ضابط التنسيق الروسي في دمشق، وعدم تجاهل ما يمكن أن تشكله أية التزامات مع أية دول أخرى من مخاطر على القوات العسكرية الروسية المرابطة في تدمر وحمص، والتي يبلغ قوامها نحو ثلاثة آلاف عنصر.

3-تذكير الأسد بالعواقب الوخيمة المترتبة على تبني أجندات سياسية أو عسكرية مستقلة في معزل عن الأدوار العسكرية والالتزامات الأمنية التي تلتزم بها روسيا إزاء القوى الإقليمية فيما يتعلق بأمن سوريا، وما يمكن أن يعود على ذلك من أضرار على سالمة أفرادها وعلى منشآتها الحيوية في البلاد.

4-تحذير بشار الأسد من المضي في خطة تسليم ميناء اللاذقية لإدارة إيرانية، وإبلاغه بأن موسكو قد بدأت بأعمال تنقيب بحري عن النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية، الأمر الذي مثل مفاجأة غير متوقعة لمضيفي شويغو في دمشق.

عدم رضى بوتين

ونقل "المرصد الاستراتيجي" عن مصادر مقربة من الكرملين - لم يذكر اسمها - قولها إن "شويغو أخبر الأسد بعدم رضا بوتين عن التحركات الإيرانية التي تسير وفق أجندة مغايرة التفاهمات التي أبرمتها القوى الثالثة الضامنة في أستانا (روسيا، وتركيا، وإيران).

وقالت المصادر إن قاسم سليماني يعمل وفق خطة جديدة، دون التنسيق مع موسكو التي حرصت على تنسيق مواقفها السياسية والعسكرية مع أنقرة وطهران منذ تدشين مسار أستانا التفاوضي، الأمر الذي دفع بوتين بالتصرف منفردًا، عندما استدعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوم 27 فبراير/ شباط الماضي، وأدخله لأول مرة في مسار الحل السياسي بسوريا.

وفي هذا الاجتماع، اتفق بوتين ونتنياهو على إنشاء آلية مشتركة لضمان خروج "القوات الأجنبية" من سوريا، بما في ذلك القوات الإيرانية، الأمر الذي أصاب إيران والأسد بالحيرة، حيال تموضع القوات الإيرانية عقب الاتفاق مع إسرائيل على استئناف عمليات القصف الجوي لأهداف الإيرانية، لا سيما وأن نتنياهو أبقى على التزاماته غير المعلنة لنتنياهو، بشأن عدم استخدام روسيا لمنظومة صواريخ "إس 300" الموجودة في سوريا.

وتعليقاً على ذلك، قال تقرير المرصد: "يبدو أن بوتين يخفي في جعبته خططاً استراتيجية أبعد مدى من الخطة الإيرانية فيما يتعلق بالاستحواذ على غنائم المعركة في سوريا؛ حيث شرعت حفارتان بحريتان روسيتان في الأسبوع الثالث من شهر مارس الجاري بالتنقيب عن النفط والغاز في السواحل السورية على بعد 35 كم عن ميناء اللاذقية، فيماُ تعتبر المغامرة النفطية الروسية الأولى في البحر الأبيض المتوسط".

رسالة رئيسية

وحملت زيارة شويغو للأسد رسالة رئيسية أخرى، تحدث عنها تقرير أمني - أشار إليه المرصد -، وتمثلت في إشعار بشار رسميًا بأعمال التنقيب، والذهاب بعد ذلك إلى قاعدة حميميم لتقييم المتطلبات العسكرية وإرسال قوات روسية لتولي إدارة ميناء اللاذقية، ومنع الأسد من تسليمه للإيرانيين.

وأكد التقرير أن تحذيرات شويغو للأسد من إبرام أية اتفاقيات عسكرية منفردة مع الإيرانيين تزامنت مع إرسال الفرقاطة "Admiral Gorshkov" التابعة للأسطول الشمالي والتي عبرت مضيق جبل طارق في 12 مارس/ آذار الجاري بصحبة أسطول من السفن اللوجستية، متجهة إلى شرق المتوسط لحماية الحفارات البحرية الروسية وتوفير المعدات اللازمة لها للقيام بأعمال التنقيب.

وتزامن البدء في أعمال التنقيب الروسية مع وصول وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو ومساعد وزير الطاقة فرانيس فانون إلى إسرائيل يوم 20 مارس/ آذار لحضور القمة الثلاثية: (القبرصية-اليونانية-الإسرائيلية)، لتأمين مــوارد الطاقة في البحر المتوسط.

وتضمنت القمة إقرار الخطة الروسية التي تقضي بإنشاء خط أنابيب بطول 1900 كم، وسعة تقدر بنحو 10 مليون متر مربع، لنقل الغاز الطبيعي من الموانئ الإسرائيلية إلى اليونان عبر قبرص، ليوفر نحو 10 بالمائة من احتياجات أوروبا من الغاز الطبيعي، علمًا بأن الترتيبات النهائية للمشروع قد وضعت بالكامل في اللقاء الأخير بين بوتين ونتنياهو نهاية فبراير الماضي.

وبالإضافة إلى البدء بأعمال التنقيب في السواحل السورية دون علم الأسد؛ تلقّى النظام ضربة أخرى تمثلت في مطالبة النظام بوقف مشروع تسليم ميناء اللاذقية لإدارة إيرانية، وذلك على الرغم من قيام إيران، في غضون السنوات السبعة الماضية، بتطوير الميناء الذي يشكل مصب الطريق البرية الواصلة بين إيران وسوريا عبر العراق.

وكانت شركات إيرانية مرتبطة بالحرس الثوري قد بدأت -بعد سنوات من العمل الــدؤوب- بشحن البضائع عبر الميناء الذي يضم نحو 23 مستودعًا ضخمًا، حيث أبدى سليماني في لقائه الأخير مع بشار رغبة في تسليم إدارة الميناء لموظفين إيرانيين، وذلك بالتزامن مع مطالبة رئيس لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى الايراني، حشمت الله فلاحت بيشة يوم 12 آذار لنظام الأسد دمشق بتسديد ديونه لإيران.

ودفعت المطالبات الإيرانية موسكو للتحرك بسرعة؛ حيث تضمنت زيارة شويغو المفاجئة عقد اجتماع مع الضباط الــروس في قاعدة "حميميم" لمناقشة سبل بسط السيطرة العسكرية الروسية على ميناء اللاذقية لتفويت المشروع على إيران، وتزامن ذلك مع صدور تعاميم تضمنت إقالة رؤساء أقسام، ومدراء فنيين ومشرفين في ميناء اللاذقية جميعهم من الموالين لقادة الميليشيات الموالية لإيران.

وقال التقرير إن على رأس الذين تم إقالتهم: "نائب مدير محطة الحاويات في مرفأ اللاذقية، وثلاثة مهندسين أحدهم مدير في قسم الروافع والآليات، ومدير المختبر المركزي التابع للمرفأ، إضافة لمسؤولين آخرين في المستودعات ومراكز التخزين ورؤساء أقسام".

وتتحدث المصادر التي نقل عنها "المرصد الاستراتيجي" عن قيام ضباط روس بزيارة للميناء على شكل وفود تضمنت مهندسين وخبراء، وذلك في ظل الحديث عن توجه موسكو لملء المناصب الشاغرة بموظفين وفنيين روس بهدف جعل الميناء تحت إشراف روسي كامل.

وكانت موسكو قد اتبعت الطريقة نفسها من قبل في مناطق أخــرى من الساحل السوري، حيث أخلت مصفاة نفط بانياس إداريًا من جميع موظفيها السوريين، وسلمتها إلى القوات الروسية ليقيم بها ضباط وتقنيون روس مع تكليفهم بالإشراف على كل ما يتعلق بالمصفاة وتشغيلها وإيراداتها وخطط عملها. وكذلك الحال بالنسبة لميناء طرطوس.

الــدائــرة تضيق على بشار وماهر

وبناء على هذا التنافس المحتدم بين روسيا وإيران، قال التقرير إن الأسد والدائرة المقربة مــنــه من سلسلة فــضــائــح مــدويــة، وكــذلــك من إجراءات دولية ضيقت مجال حراكهم المالي.

ففي مطلع شهر آذار الجاري سربت وسائل الإعلام اللبنانية فضيحة اختطاف حسين العلي، مرافق زوجــة ماهر الأسد في لبنان، ما دفع برئيس فرع مخابرات الجيش اللبناني في البقاع، علي عواركة، للتحقيق مع رئيس بلدية بريتال وبعض أهالي القرية حــول مكان تواجد المرافق الخاص لمنال جدعان، والذي كان يزور لبنان ببطاقة أمنية تخوله المرور عبر ما يعرف بالخط العسكري.

وفيما رجحت بعض المصادر أن يكون عناصر من "حــزب لله" هم من قاموا باختطافه بعد دخوله إلى لبنان، تبين أن الاختطاف تم لأسباب تتعلق بعمليات تهريب يــقــوم بها مــرافــق زوجـــة ماهر الأسد، ما دفع بالجيش اللبناني لشن عملية في منطقة البقاع يوم 17 آذار لتحرير المختطف، دون أن ُتسجل عملية أمنية خاصة لتحريره باقتحام أو مــداهــمــة، بــل تــم ذلـــك، وفــقاً لــمــصــادر أمنية، عبر: "ممارسة ضغوط على مجموعات قريبة من المجموعة الخاطفة ولها اتــصــالات معها، وتمت ممارسة الضغوط على المجموعتين للإفراج عنه… فيما يرجح أن تكون هناك عمليات تهريب وأسباب فردية خلف عملية الخطف".

وتأتي تلك الحادثة ضمن سلسلة أحــداث أفضت إلى تضييق الخناق على ماهر الأسد الذي ينشط عبر شبكة مــن عناصر "الــفــرقــة الـرابــعـة" وبعض منسوبي قوى الأمن في عمليات تهريب وأنشطة تبييض أموال، حيث عمدت القوات الروسية في الأسابيع الماضية إلى اعتقال ضباط بـ"الفرقة الرابعة" و"الــحــرس الــجــمــهــوري" عــلــى خلفية تــهــم تتعلق بالمحسوبية والفساد والتواطؤ مع "حزب الله" لتهريب المخدرات وتهريب مطلوبين باتجاه لبنان مقابل أجور باهظة.

واستهدفت الحملة الروسية شخصيات يعمل من خلالها ماهر الأسد على مد شبكات التمويل والحوالات المالية وغسيل الأموال والتحايل على العقوبات الدولية، عبر شبكاته المالية في دمشق وبيروت ودبي، والعديد من العواصم الغربية، وفقاً لتقرير المرصد.

ولم تكد تهدأ فضيحة اختطاف "المهرب" المقرب من ماهر الأسد في لبنان؛ حتى ظهرت إلى الواجهة فضيحة "تبييض أمــــوال" تتعلق ببشار الأسد؛ وشكلت ضربة لشبكته الخاصة التي يعمل من خلالها على إدارة أمواله والتحايل على العقوبات الدولية عبرها.

وجاء ذلك من خلال اعتقال قوات الأمن الكويتية في 19 مارس/ آذار، رجل الأعمال السوري مازن الترزي وأربعة من معاونيه في مقر مجلة "الهدف" التي يديرها في الكويت، وذلــك في عملية نوعية استغرقت 3 ســاعــات، أسفرت عن خــروج "رجــل بشار الأسد" مكبل اليدين بعد مــصــادرة أجــهــزة الكمبيوتر وكاميرات المجلة والهواتف الخاصة به، قبل الإفراج عنه دون توجيه أية تهم.

وتحدثت التسريبات عن اتهام الــتــرزي بتبييض أمـوال لجهات خارجية، كما ُاتهمت سكرتيرته ومعاونيه اللبنانيين بالانتماء إلــى "حـــزب الله" والتخابر معه، فيماُ يعدّ ضربة ثانية لشبكة بشار المالية التي يديرها في الخارج، حيث استهدفت عملية إدراج الترزي ضمن شخصيات أخرى مقربة من "القصر الجمهوري" في قائمة العقوبات الأوروبية، الحد من قــدرة بشار الأسد على تمويل مشاريع الإسكان الإيرانية التي تتم تحت إشرافه الشخصي والمباشر.

وجاءت عملية اعتقال الترزي في الكويت مباشرة عقب الإجراءات الدولية التي تــم اتخاذها بحقه وبحق سامر فوز، واللذين ُيمثلان الأداة التمويلية لبشار الأسد في أعماله العمرانية لإعادة تخطيط أحــيــاء مــن دمــشــق فيما يــتــوافــق مــع طموحات طهران الاستيطانية في العاصمة السورية.

اشتعال جبهة اللاذقية

وختم "المرصد الاستراتيجي" تقريره بالحديث عن التصعيد التي شهدته اللاذقية، والتي وصلت إلى القرداحة مسقط رأس الأسد.

وقال التقرير إنه خلال الأسابيع الأربعة الماضية برزت ظاهرة الصراع الداخلي بين آل الأسد بصورة أوضح من ذي قبل، حيث تحولت شوارع المدينة إلى ساحة حرب تصفيات بين أبناء الأسد وحلفائهم من جهة، وبين خصومهم من العشائر العلوية من جهة ثانية.

وظهرت “جبهة اللاذقية” أكثر اشتعالاً في شارعي "الأمريكان"، و"الزراعة"، حيث دارت فيهما اشتباكات بالأسلحة النارية بين شبان من آل الأسد وآل الشعبو أغلقوا الشارع بسياراتهم، ثم شرعوا في إطلاق النار.

ولم تكن هذه المعركة الأولى من نوعها؛ إذ شهد شارع “الأمريكان” في الأسابيع الماضية أكثر من عشرين مواجهة تزعّم أغلبها آل شاليش وآل ديب الموالين لآل الأسد ضد منافسيهم من آل شعبو وآل بركات وآل الخير وآل نجيب وآل عثمان.

وتثير تلك المظاهر مشاعر الخوف لدى حاضنة النظام نتيجة اضمحلال هيبة آل الأسد وضعف نفوذهم، حيث يــدور الحديث في الأروقة الأمنية عن مشاهد لم تعرفها سوريا من قبل، وتتمثل فــي: تجرؤ الميلشيات المحلية على تحدي عائلة الأسد وقتل بعض شبانهم في اشتباكات أصبح مشهدها متكررًا، وخرج عن السيطرة في بعض الحالات لدرجة استنجاد الفروع الأمنية بعناصر من "حزب الله"، وبالقاعدة الروسية في "حميميم" والتي ُهرع ضباطها، أكثر من مرة، لإنقاذ هيبة بشار المتداعية في المحافظة، وفقاً للتقرير.

كما يدور الحديث في اللاذقية عن فقدان آل الأسد السيطرة على شبانهم المتمردين على بشار، وعلى رأسهم سليمان هلال الذي دأب على اقتحام المحلات بالسلاح واختطاف الفتيات، وإطلاق النار على مناوئيه، وكذلك الحال بالنسبة لحلفائه من آل ديب وآل شاليش الذين دأبوا على إثارة الفوضى في اللاذقية وسط غياب كامل للمؤسسات الأمنية التي تخشى من سطوة تلك العصابات.

تصفية حسابات

وتتأهب اللاذقية في الوقت الحالي لتصفية حساب دمــوي مرتقب بين آل الأسد الذين تعرض أحد شبانهم لإطلاق النار وبين آل نجيب، وذلك بسبب خلاف في أحد النوادي، حيث انتقل الصراع من شارعي "الأمريكان"، و"الزراعة" إلى النوادي الفارهة.

ففي يوم الإثنين 4 مارس/ آذار الجاري، هاجم أحد الشبان في مدينة اللاذقية مقر نادي الضباط بمنتجع "الشاطئ الأزرق"، ما أسفر عن وقوع قتلى وجرحى، وسط تضرر أجزاء كبيرة من ساحات النادي الذيُ يعتبر أحد أكبر التجمعات السياحية للضباط ورجالات النظام.

وكان المهاجم، علي محمد حسن سعد، قد اقتحم المقر بسيارة "سوزوكي"، وهاجم غرف النزلاء وألقى قنابل داخل الممرات، وفتح النار على عناصر الأمن الموجودين في النادي، ودارت اشتباكات بينه وبين مجموعة من عناصر الأمن لأكثر من ساعة، ما أسفر عن وقوع نحو سبعة قتلى، عرف منهم الرقيب أول أشرف مصطفى ياسين.

وتزامن “اشتعال جبهة اللاذقية” مع اشتباكات واسعة شهدتها مدينة القرداحة مسقط رأس حافظ الأسد، نتيجة صراعات عشائرية بين آل الأسد ومناوئيهم الذين أصبحوا أكثر جرأة وتحديًا.

وفي هذا السياق، تحدث تقرير المرصد عن اندلاع صراعات عنيفة خلال الشهر الجاري في القرداحة، ففي يوم الجمعة 8 مارس/ آذار الجاري، هاجم أحد أبناء آل الأسد أحد أبناء آل بركات وقام باعتقاله، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات بين أجهزة الأمن التابعة للدفاع الوطني من جهة، وبين ميليشيات تابعة للإخوان يسار وبشار ابني طلال الأسد على أطراف مدينة القرداحة من جهة ثانية.

ووفقًا لمصادر محلية - نقل عنها المرصد الاستراتيجي -  فقد تصدت ميلشيا آل الأسد لمحاولات "الدفاع الوطني" دخول القرداحة لحماية منزل "آل بركات" الذي تعرض لهجوم َّشنه بشار طلال الأسد، وأسر خلاله إياد بركات، الذي يشغل منصب قائد الدفاع الوطني في مدينة جبلة، ليقوم بعدها بكسر ذراعه عمدًا عقوبة له بعد شكوى تقدم بها "بركات" ضد أحد العناصر التابعين لبشار طلال الأسد.

وأضافت المصادر أن بشار طلال الأسد قاد هجومًا مضادًا على قرية "خريبات القلعة" القريبة من القرداحة، بهدف اعتقال ضابط برتبة نقيب بالأمن الجنائي من أبناء القرية، لكنه تمكن من الهرب قبل إلقاء القبض عليه، علمًا بأن بشار طلال قد شن حملة خطف مؤخرًا لعناصر وضباط جنائيين من قوات وزارة الداخلية، على خلفية قبضهم على تاجر مخدرات في اللاذقية، يعمل لحسابه.

وفيما يثير مشاعر القلق إزاء فقدان بشار الأسد السيطرة في حاضنته الشعبية؛ يتندر أهل اللاذقية حول زيــارة وزيــر الداخلية اللواء محمد خالد الرحمون، وباجتماعه مع رؤساء الفروع الأمنية والحزبية باللاذقية وإدراجه أسماء جديدة على لائحة المطلوبين من آل الأسد، كحافظ منذر الأسد ويسار طلال الأسد، بالإضافة إلى "المهرب الكبير" بشار الذي ال يزال متحصنًا في القرداحة، وبيده المخطوفين.

وتزامنت تلك الأحداث الدامية؛ مع هجوم عنيف شنه فراس بن رفعت الأسد على ماهر الأسد بسبب اقتحام قوات تابعة لشقيق بشار الأسد منزله وإحراقهم كتبه وأغراضه الشخصية.

وفيما يحتدم الصراع الروسي-الإيراني للسيطرة على البؤر الاستراتيجية في سوريا؛ تضمحل سلطة آل الأسد وتضيق الدائرة على بشار وشقيقه ماهر اللذان يجدان أنفسهما في دوائر ولاء دولية متناقضة، ويخوضان في الوقت نفسه صراعًا شرسًا مع حاضنتهم الشعبية التي طالما وفرت لعائلتهم الأمان في غضون العقود الخمسة الماضية.

اقرأ أيضاً: تعديلات مقترحة لمعاقبة المتسولين في سوريا.. عقوبات تصل للسجن 3 سنوات

المصدر: 
السورية نت