الدراما السورية .. دراما للتفكك

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

12/10/2016
السورية نت
المؤلف: 

هذه اللا أخلاقية المستترة خلف غباء وصعوبة الريفي وسوء ابن المدينة في الدراما السورية هو خبث مستتر وهدّام لهذا الجيل يفتعله القائمون على الدراما بطريقة استعمارية فظّة. فهم أشخاص لم يؤمنوا يوماً بالسوري "كإنسان"، في نظرة أنانية مغلّفة لم تراه أبعد من علّة لمصلحتهم في الشهرة والمجد، أو باعتباره جزء من مشروع سياسي غير أخلاقي لا أكثر، ومن ثم تعليبه واستهلاكه في الدراما السورية كريفي و مدني مجرد عن الطموح، محباً للظهور، والشهوة، والتسيب.

هم من خانوا سوريتنا وديننا، وتاجروا بدمنا باسم مثقفوا الدراما والمسرح والسينما. فالسوري يسرق .. وقد يكذب .. وربما يقتل لأجل أبناءه وعائلته وشرفه وكرامته لكنه لا يتلذذ في خيانة وطنه، ولا يصاحب على زوجته، فنحن لسنا منحرفين أخلاقياً ولا مفككين أسرياً يضرب بعضنا رقاب بعض في حالة اغتراب نفسي رهيب كما تحاول بجهد قذر أن تصوره الدراما السورية. نحن لسنا كذلك، فالبون بين نمط حياتنا وبين ما يتم عرضه على شاشتنا هو بون شاسع. 

والمرأة السورية ليست سلعة تروج لها شاشتنا لتنشيط الفعل السياحي المنفلت أمام شهوة الاثرياء، فهي لا تخون زوجها ولا تصاحب عليه، تستره إذا غاب، وتحفظه في بيتها وفي سره، وليس من خياراتها السير في دروب البغاء بحثاً عن لقمة العيش، ولا تتسيب وفق نمط سردي قذر ومرضي تروجه هذه الدراما في عهد السقوط.

و على هذا المنوال الحر المستريح كان من المفترض أن تُعبّر الدراما في بلادنا في توجه أخلاقي مفترض لوجودها، دون صدم عنيف، و دون تصرف فجائي يخرّش الحياء المبتذل. وعلى هذا المنوال الملتزم أيضاً وفي نوع من الانقياد الباسم لصدق الأحداث الذي يجسد الأخلاق الحقيقية كان موجباً على هذه الشاشة المسير لتعبر عن نفسها وعنّا.

فالدراما هي مصنع تَشَكّل ليرمم ثقافتنا، لا أن يخلق ويبتكر ثقافات جديدة تجافي ضمائرنا كما تسعى لترويجه دراما السلطة اليوم، لذلك في هذا الوقت بالذات تلزمنا الصلابة لنكون سوريين حقيقيين من أجل تحقيق الخير والسمعة الحسنة لبلادنا.

فطوال هذه المدة أُفرِغت الأخلاق السورية من مضمونها وتحولت لتمثيل مثير للسخرية والمهانة، لذلك هم يمارسوا تخريب دولتنا وديننا واخلاقنا عن سابق قصد .

فأنا لا أعلم كيف تحولت القيم السورية وخصالها إلى جانب هزلي كوميدي مؤلم يتم تسويقه وبيعه للمتفرجين العرب.  وكيف أنّ روح النَبَالة والقيم السورية تحول إلى عالم مضحك مفكك لنفسه وفي نفسه من الأحداث التي استخفت بنا.

كان من الممكن أن تخلق الدراما السورية طوال سني الحرب القوة التي نتمكن فيها من نبذ مصالحنا التي تأزمت، ورغباتنا وأطماعنا التي استفحلت، وخلق القوة التي نستطيع بها التوحد و حماية أنفسنا وشبابنا وبناتنا في اللجوء أمام من أرادوا هدمنا من الداخل، لعلّنا نضع حداً لمن انساقوا وراء بروباغاندا دعائية بغيضة يروجها الطامعون في الشهرة على حساب الدراما وحساب سمعتنا.

إنّ مناقشة الماضي لا تنتج شيئاً جديداً، فنحن بحاجة لنقد جديد للمجتمع، لعلّنا نتمكن من وضع حدٍ لكي لا تكون الدراما الحديثة تربية جديدة في المجتمع وهذا هو المخيف، فمراهقينا ينحرفون أمام حالات متبدلة وأدوار متبدلة ضمن طابع الترويض الذي تحمله هذه التربية الجديدة والذي يخدمها تفكك الترابط المنطقي بين الواقع والمادة المقدمة في التلفاز.

فالمؤلف .. المخرج .. والممثل , جميعهم ساهموا في هدم إرثنا وشخصيتنا وكياننا في تركيزهم على عيوبنا كسوريين و إنكار شخصيتنا إنكاراً تاماً. وصراعنا اليوم هو صراع قيم وما ثورتنا إلّا للعودة لقيمنا الأصيلة التي ضيّعتها وساهمت في تضييعها الدراما.

فهذا النظام الدرامي الذي عاش مأساة تكوينه في الثمانينات بالوجع والاجتهاد والصبر يلعب دور ملهاته اليوم بعد أن عرّت الثورة مثقفوا السلطة وأصحابها، فأصبح بالياً ورثّاً، لذا فالأمر يتطلب شجاعة، شجاعة من المؤلف والمخرج والممثل والناقد، لأنّ المسألة هنا أكبر من كونها مسألة شاشة تكرر الفسق والفجور يومياً وتصورنا وتصور شبابنا ونسائنا كمدمني شهوة أمام الآخرين.

فإذا كانت الفترة الجمالية الثورية لسوريتنا اليوم بعد ست سنوات من الصراع صراعاً بين الأخلاق والانحدار اللا أخلافي لإثبات هويتنا واسترجاعها ممن اغتصبوها فإنّ الدراما اليوم هي تجسيد المرحلة الأخيرة التي لابد أن تنتصر فيها الأخلاق انتصاراً كاملاً، أخلاقنا كسوريين متحررين بنمط محافِظ لا يُذيب ولا يُفني شخصيتنا .

فعلينا أن نتراجع إذاً عن كل هذا الفعل، فإما أن نبقى متورطون في هذا الجنون أو أن نضع حداً لكل هذا التفسخ وأن نقول "نحن لسنا كذلك .. نحن لسنا كما تصورنا الدراما"

 

 

 

تعليقات