الدعم السعودي للمعارضة السورية بين الضرورة وفرص النجاح

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

11/2/2015
السورية نت

يتسلم الأمير سلمان بن عبد العزيز مقاليد الحكم في المملكة العربية السعودية وأمامه ملفات كثيرة شائكة وبالغة التعقيد في المنطقة العربية، وعلى رأسها القضية السورية التي أولتها السعودية منذ البدء أهمية كبيرة. فخلال السنوات الأربعة الفائتة كانت سياسة المملكة العربية السعودية حاضرة بشكل جلي في الملف السوري، فقد شَرَعَ الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز في وضع القضية السورية على أولوية أجندته، فبادر بسحب سفير السعودية من دمشق رداً على قتل النظام للشعب، وعزز الملك دعمه للمعارضة السورية سياسياً وعسكرياً ومادياً، معتبراً أن نظام الأسد فقد الشرعية. كما أولت السعودية أهمية قصوى لإعانة اللاجئين السوريين في دول الجوار، وهو إجراء لا زال مستمراً حتى بعد تولي العاهل السعودي سلمان للحكم.

ومع ازدياد تعقيدات الملف السوري والفراغ الحاصل جراء تخلي المجتمع الدولي عن القضية السورية وانشغال الولايات المتحدة في حربها ضد ما يسمى تنظيم "الدولة الإسلامية"، وسعي إيران وروسيا إلى ملء هذا الفراغ، تتزايد الحاجة إلى دور سعودي قادر على تحريك الجمود الذي يحيط بالقضية السورية وكسر أقفال الأبواب الموصدة أمام حل ينهي نزيف الدماء المستمر منذ نحو أربع سنوات.

وتتجه الأنظار حالياً إلى الرياض، وتترقب ما ستكشفه المرحلة المقبلة من توجه السياسة الخارجية للملك سلمان بن عبد العزيز. ومع ازدياد تأزم الوضع السوري تتطلع المعارضة السورية إلى دور سعودي أكثر زخماً يكون بحجم الأزمات الحالية التي تحيط بالقضية السورية، وينظر البعض إلى الدور السعودي القادم حيال سورية بشيء من التفاؤل لا سيما وأن الملك سلمان أكد أنه سيواصل العمل على إحلال السلام في المنطقة العربية.

وفيما تعمل المعارضة السورية بشقها السياسي على المزيد من رص الصفوف وتوحيد القوى، بالموازاة مع تقدم المعارضة عسكرياً في شمال البلاد وجنوبها، فإن من شأن الدعم السعودي أن يساعد المعارضة على الوصول إلى هدفها الكبير وهو إسقاط نظام بشار الأسد، ويمثل هذا الهدف مصلحة في الوقت نفسه للمملكة العربية السعودية عملت عليه خلال وجود الملك الراحل عبد الله.

فالحقيقة التي لا يخامرها شك هي أن نظام الأسد أوجد الأرضية لتواجد المتطرفين في سورية وساهم في تعزيز قوتهم في العراق إلى أن وصلوا إلى الحدود السعودية، وبدؤوا يعبثون في أمنها مع الهجوم الذي نفذه عناصر تنظيم الدولة بداية العام على الحدود السعودية العراقية وقتلهم لثلاثة عناصر من الأمن السعودي.

لذا فإن من شأن الدعم العسكري السعودي لقوات المعارضة أن يساعد الأخيرة في حربها ضد التنظيم وإخراجه من سورية إلى حد يضعف التنظيم في العراق أيضاً، وتتلاقى مخاوف المملكة من تقدم المتطرفين إلى أراضيها مع مخاوف المعارضة السورية، وبالتالي فالقضاء على التنظيم يستوجب حكماً مقاتلة النظام أيضاً على اعتبار أن وجود التنظيم في سورية لم يكن إلا نتاج السياسات القمعية التي ارتكبها نظام الأسد.

وفيما تواصل إيران تمددها في المنطقة العربية عبر أذرعها الخفية والظاهرة، تتعاظم الحاجة إلى دور سعودي يعيد توازن القوى إلى المنطقة ويملأ الفراغ الذي سببه تخلي الدول الكبرى عن مهامها ومساومة بعضها مع إيران على حساب المنطقة العربية، وتخشى المعارضة السورية من توسع النفوذ الإيراني في سورية كما يتسع حالياً في اليمن وهو الأمر الذي يؤرق السعوديين أيضاً، ما ينذر بإيجاد "لوبي شيعي" بدءاً من العراق مروراً بسورية واليمن ولبنان لتشكيل خطر يلف الخليج العربي.

لذلك فليست مصالح السعودية في إضعاف إيران العدو التقليدي لدول الخليج بعيدة عن سعي المعارضة إلى مواجهة الوجود الإيراني في سورية، وعليه فإن المعارضة السورية تتوق إلى دعم كبير يمكنها من مواجهة دولة أمدت النظام بالسلاح والمال على مدار السنوات الأربعة الفائتة. وإذا تحقق سقوط أول حجر دومينو إيراني في سورية فإن بقية الأحجار ستتداعى في العراق واليمن ولبنان وهو ما سيمثل حينها ضربة موجعة لطهران.

وعند الحديث عن الدعم العسكري السعودي فمن الضروري الإشارة إلى ما حققه ذلك الدعم من تقدم للمعارضة على جبهات القتال، يسانده الآن في ذلك توجه فصائل المعارضة إلى تنسيق الجهود وتكافلها، وهو أمر بات يخشاه نظام الأسد لا سيما بعد خسارته لمناطق استراتيجية في حلب حرمته من فرصة حصار المدينة. من الممكن القول اليوم إن حصول المعارضة السورية على دعم واسع قد يكون كفيلاً بإنهاء نظام متهالك يعيش على جثث الميليشيات التي يستقدمها من بلدات صديقة له أو ميليشيات مرتزقة.

إن الحديث عن فرص نجاح أي تحرك سعودي في سورية يفسح المجال للقول إن مفاتيح الحل السعودي للقضية السورية ليست بعيدة عن متناول المملكة، فإذا ما نظرنا إلى مواقف الدول الإقليمية مما يجري في سورية، نجد أن هناك تقارباً في قراءة الوضع السوري بين تركيا والسعودية، فكلا البلدين ينظران إلى ضرورة إحلال السلام ووقف نزيف الدماء والتخلص من نظام الأسد الذي صدّر مشكلاته إلى دول الجوار، ومن الممكن أن يؤدي تقارب الرؤى بين السعودية وتركيا ليس فقط إلى إسقاط نظام الأسد بل إلى خلق توازن في القوى داخل المنطقة، وبالتالي إيجاد تحالف سني يقف أمام المد الإيراني. وفي هذا السياق يبدو أن تحسناً ستشهده العلاقات التركية السعودية في المرحلة القادمة، في ظل حديث عن تغيير المملكة لسفيرها في أنقرة تكون من أولى مهامه إزالة الشوائب التي تعكر علاقات البلدين.

أما فيما يتعلق بوجود عقبات لأي حل في سورية تقف وراءه دول عظمى تدعم نظام الأسد حتى اللحظة، فإن المملكة العربية السعودية بقوتها الاقتصادية ونفوذها السياسي قادرة على فرض حل لا مناص منه، وعند الحديث عن قوة الاقتصاد السعودي أعني بذلك إلى حد كبير النفط السعودي، فالمملكة تملك ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم، وكشفت الأيام الأخيرة الفائتة تأثير النفط السعودي على أسعار النفط العالمية وبالتالي اقتصاد الدول، لذلك فإن لدى المملكة قوة من شأنها أن تفرض معادلات تخدم القضية السورية والشعب السوري مقابل المضي في سياسة نفطية تريح اقتصادات الدول الأخرى.

ويبقى التعويل على دور سعودي مؤثر في الملف السوري كبيراً جداً، فقد سبق للملكة أن بذلت جهوداً في حل معضلات لدول عربية شتى، لا سيما في قضايا لبنان وفلسطين، وصولاً إلى البيت الخليجي نفسه الذي أعادت السعودية ترتيبه بطرحها لمبادرة الاتحاد الخليجي التي ذللت الخلافات وحافظت على المنظومة الخليجية.