الدولار في “دولة حزب الله”

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

موقع درج
المؤلف: 

الوضع القاتم الذي يمر فيه لبنان على المستويين المالي والاقتصادي، هو تتويج لمسار بدأ مع انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية، من دون أن يعني ذلك أن عون وتياره هما المسؤولان عما آلت إليه أوضاع الليرة اللبنانية من هشاشة وضعف. الرئيس شريك بما حصل ويحصل، لكنه ليس الشريك الأكبر. لقد وضع “حزب الله” يده على لبنان، وأتى بعون رئيساً، ووافق على أن يكون سعد الحريري رئيساً للحكومة في ظل ما أصاب الأخير من وهنٍ وصل إلى حد التلاشي. والحزب فعل ذلك “ديموقراطياً” هذه المرة، أي بعد تفويض شيعي له، ومسيحي لحليفه عون، ونسبياً سني أيضاً بعدما تمكن من كسر احتكار الحريرية للتمثيل السني.

ولبنان وسط ذلك صار مطلوباً منه أن يؤدي وظيفة، بل وظائف وفق خريطة إقليمية حادة الزوايا، لا مكان فيها لموقع ثالث. أنت في الإقليم إما مع طهران وإما مع واشنطن، ولبنان في ظل “حزب الله” مع طهران طبعاً، مع قدرٍ من التذاكي مارسته طبقته السياسية، خلال محاولتها تمويه انحيازها.

مطلوب أميركياً من مصرف لبنان أن يلتزم ما تمليه العقوبات الأميركية على “حزب الله“، والعقوبات الدولية على النظام السوري. وطبعاً المطلوب إيرانياً من لبنان ومن نظامه المصرفي أن يلتف على هذه العقوبات. حاكم مصرف لبنان يعيش هذه الأيام بين فكي هذه الكماشة، أي بين سندان العقوبات ومطرقة “حزب الله”. ويبدو أن المصارف اللبنانية توهمت أن بإمكانها ممارسة “عبقريتها” والانخراط في حملة التذاكي، فجاءت صفعة “جمال ترست بنك” لتنبئها بأنها تحت المجهر الأميركي، وأن هذا المصرف ليس وحده في دائرة الاستهداف. وكشفت وثائق بدأت واشنطن تسريبها انخراط مصارف لبنانية أخرى في عمليات مواربة لتحويل أموال غير محددة المصدر ومجهولة الوجهة!

لكن يبدو أن المصارف ليست وحدها من حاول التذاكي على العقوبات الدولية. فأزمة دولرة المحروقات وضعت علامات استفهام كبيرة حول كميات مضاعفة من المحروقات، تم استيرادها باسم شركات لبنانية ومن المرجح أنها تُهرب إلى سوريا التي تخضع لعقوبات أميركية وأوروبية على صعيد استيراد النفط. الأمر نفسه يحصل في موضوع فقدان الدولار من الأسواق، ذاك أن السوق السوري امتص على ما يبدو الكميات المفقودة من السوق اللبنانية.

هذه وقائع تشهدها البلاد في ظل ضعف حساسية “دولة حزب الله” حيال التزام ما يمليه بقاء لبنان خارج الاستهداف الدولي. فالسوق اللبنانية صارت جزءاً من منظومة فك الحصار عن النظام السوري، والالتفاف على العقوبات على الحزب. والعونية تولت المهمة الرئيسة في هذه الوظيفة، وهنا يقع تصنيفها في المستوى الثاني لجهة تحمل مسؤولية ما يصيب الليرة، ويصح عندها قول المدافعين عنها إنها ليست المسؤولة الوحيدة عن الانهيار المرجح لليرة اللبنانية.

لكن في الأيام الأخيرة، شهدنا انعطافة موازية كشفت مزيداً من الوقائع التي لا تُبشر بأن في الدولة اللبنانية من يرغب في مواجهة المأزق. فمن الواضح أن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة صار اليوم هدفاً واضحاً لرئيس الجمهورية، ومن ورائه “حزب الله”. سلامة الذي يبدو أنه نصح بالحذر وبأن تلتزم المصارف التعاميم الدولية حول حظر التحويلات المالية غير الواضحة، صار هو المشكلة. رئيس الجمهورية وخلال رحلة عودته من نيويورك قالها بصراحة، والتظاهرات التي خرجت نهار الأحد الفائت احتجاجاً على السياسات المالية أشارت بشكل واضح إلى دور لـ”شارع حزب الله” في تنظيمها. ورياض سلامة يبدو وحيداً في هذه المواجهة، ذاك أن سعد الحريري أضعف من أن يعطيه غطاء، وبينه وبين رئيس مجلس النواب نبيه بري جفاء أين منه الجفاء بين الأخير وبين العونيين.

أمام هذا المشهد تتولى الشائعات اليومية حول التلاعب بالحدود الوهمية لسعر صرف الليرة، ويتقاطر المودعون على المصارف للاطمئنان على ودائعهم، فيما باشر كثر منهم بالقيام بسحوبات، بدأت تنعكس على الاحتياطات بالدولار. أما العلاج، فيقتصر اليوم على محاولات الحد من السحوبات عبر تقييدها بشروط لا تمت إلى النظام الاقتصادي الحر بصلة.

لا أحد يجادل في أن لبنان صار جزءاً من منظومة إقليمية لها موقع محدد في الصراع الذي تشهده المنطقة. ومن المنطقي أن يكون اقتصاده وماليته امتداداً لهذا الموقع، وبهذا المعنى يبدو حاكم مصرف لبنان في غير موقعه الطبيعي حين يطلب من المصارف أن تلتزم شروط الدول التي فرضت عقوبات على أصحاب الدار. لكن أيضاً من غير المنطقي أن يكون الاقتصاد اللبناني خارج منظومة العقوبات. ويبدو أن تخيير لبنان بين أن يقبل بالشروط الدولية أو يتحمل العقوبات، سؤال قد فات أوانه. لبنان أجاب عن هذا السؤال في الانتخابات النيابية، وأجاب مرة أخرى في انتخابات الرئاسة.

 

 

تعليقات