الربيع: ما الأخطر من القتل والترويع ؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

30/1/2015
بوابة الشرق
المؤلف: 

لم ينجح القتل والتدمير والسجن والتعذيب في حسم أي معركة ضد أي شعب مقاوم أو ثائر، ولو كان الترويع قادرا على تطويع أو كسر إرادة الشعوب، لكانت الولايات المتحدة، قد نجحت في إخضاع وكسر إرادة الشعب العراقي أو الأفغاني أو الفيتنامي أو الكوبي..إلخ. لقد أكدت تجارب الحروب والصراعات مدى قدرة القوات العسكرية المعتدية والمحتلة، على إحداث التدمير والقتل والهدم، كما أثبتت تعاظم تلك القدرة على إحداث التدمير بسبب التطوير التكنولوجي للآليات العسكرية –وهذا هو الفارق بين احتلال فيتنام في السبعينيات واحتلال العراق وأفغانستان 2003 –لكن التجارب أثبتت كذلك (وهذا هو الأهم) إن كل هذا القتل والتدمير والتعذيب والخراب والترويع، لم ينجح أبداً في تحقيق الهدف السياسي للمحتل في بقاء الاحتلال وسيطرته، قديما أو بعد كل هذا التطور الحادث في قدرة آلات القتل والتدمير.

وإذ ليس هناك من هو أقوى قدرة على البطش والتدمير والتنكيل من الجيش الأمريكي، فقد كان طبيعيا أن تثبت التجارب أيضا، عدم قدرة الأنظمة الديكتاتورية –كما الديكتاتور بينوشيه في شيلي أو القذافي في ليبيا أو بشار في سوريا وأمثالهم في تاريخ العالم –على كسر إرادة الشعوب الثائرة وإخضاعها عبر أعمال القتل والترويع والهدم باستخدام القوة العسكرية.
والملاحظة القاطعة الدلالة في هذا الشأن، أن نموذجا مثل الديكتاتور بشار، قد مارس كل أشكال القتل والتدمير والقمع والترويع باستخدام القوة العسكرية، حتى أحدث بسوريا نفس ما أحدثته آلة التدمير الأمريكية في العراق. فهو قصف شعبه بالطائرات الحربية ثابتة الجناح والهليكوبتر والصواريخ بعيدة المدى والدبابات ومدفعية الميدان. هنا تشابهت الوسائل التي استخدمها الديكتاتور مع الوسائل التي استخدمها المحتل الأمريكي وتشابهت النتائج التدميرية، لكن كلا من محتل العراق وديكتاتور سوريا لم يتمكن (كليهما) من إخضاع إرادة أي من الشعبين العراقي أو السوري. لكن ملاحظات هامة ترد هنا. أولها أن بعضا من البلدان لم يتوقف كفاحها عند عدم الركوع، بل هي انتصرت (فيتنام مثلا)، فيما دول أخرى توقفت طويلا عند عدم الركوع (العراق وسوريا مثلا) ولم تتمكن من إحراز النصر الناجز!

وذلك ما يطرح التساؤل، عن الأخطر والأشد فتكا بالثورات والمقاومات، من أعمال القتل والهدم والترويع بالقوة العسكرية والأمنية، التي أثبتت التجارب فشلها؟ والإجابة ببساطة، في اعتماد المحتل والديكتاتور لعبة الاختراق الداخلي للجماعات أو الحركات أو الأحزاب المعادية له، ولعبة تعميم وتطوير حالات الانقسام بين القوى المقاومة أو الثورية ودفعها بطرق استخبارية مخططة للدخول في مشاحنات أو اختلافات أو أعمال اقتتال بينها وبعضها أو في مواجهة فئات من الشعب، ولعبة الثورات المضادة وعمليات تشكيل الحكومات العميلة للاحتلال..إلخ.
تلك هي الأدوات الأخطر من أعمال الهدم والقتل والترويع والتعذيب. أو دعنا نقول، إن عمليات القتل والهدم والترويع ليست إلا أدوات يجري اعتمادها في المرحلة الأولى من الاحتلال أو الحكم الديكتاتوري، لكن تتلوها مرحلة وخطة ثانية لتفعيل نتائج خطة التدمير والقتل والترويع وتحقيق أهداف اعتمادها.
لقد كان شرطا لنجاح المقاومات –ولا يزال-ضد المحتلين، ولنجاح الثورات ضد النظم الديكتاتورية –ولا يزال-أن تتجمع وتحتشد قوى المقاومة أو قوى الثورة، وأن لا تعيش حالة من الانقسامات والاختلاف الذي يصل بها لحالات الاقتتال.
والأمر هنا لا يتعلق بأن الانقسام والتفتت يعرقل فقط، حشد الجهود، في مواجهة الديكتاتور أو الاحتلال، بل إن تلك الحالات من الانقسام والتشرذم والاقتتال، إنما تشوه الثورة والمقاومة أمام الشعب. وهذا هو بيت القصيد النهائي في لعبة نجاح أي احتلال وأي نظام ديكتاتوري.

تلك هي النقطة الجوهرية. فكل خطط العدوان في أصلها تستهدف الوصول إلى تلك الحالة تحديدا. فالمقاومة حين لا تحظى بإجماع واحتضان شعبي تفقد صفة المقاومة التي أصلها فعل شعبي ومن داخل حركة الشعب وفي حالة تواصل مع الشعب وارتباط يومي به وليست تعبيرا عن حركة النخب أو أفكارهم فقط. وتلك هي النقطة الجوهرية في حالات ثورات الربيع العربي، إذ الهدف دوما من كل أعمال الثورات المضادة وأعمال التعطيل لحكومات الثورات ونشر الشائعات والتشويه وإدخال الأحزاب والقوى السياسية في الاختلاف والاقتتال أو طرح غرائب الأفكار والإتيان بغرائب الأعمال. الهدف هو عزل الناس عن الثورة أو المقاومة.. وهذا هو الأخطر من الترويع والقتل.