الرمزي والتكتيكي في مقتل البغدادي

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قناة TRT عربي
المؤلف: 

عقب سلسلة من العمليات الفاشلة لاغتيال زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي شاركت فيها دول عديدة، نجحت الولايات المتحدة الأمريكية في قتله ليلة السبت/الأحد 27 أكتوبر/تشرين الأول 2019.

وقد أدلى الرئيس الأمريكي في مؤتمر صحفي طويل بتفاصيل حول عملية الاغتيال، في محاولة لاستثمار العملية سياسياً وانتخابياً. لكن روايته جاءت متضاربة ومتنافضة وتضمنت كعادته تهويلاً وكذباً فاضحاً أفسد عملية الاغتيال الصحيحة. وغذى نظرية المؤامرة، وقد ادعى ترمب متفاخراً القضاء على "خلافة داعش"، وفي حقيقة الأمر لا يعدو مقتل البغدادي كونه نجاحاً تكتيكياً ونصراً رمزياً.

لا جدال في أن ترمب لا خبرة له في المجالات العسكرية عموماً وحقل الإرهاب خصوصاً، ولا يصلح كناطق عسكري. فقد أفسد رواية اغتيال البغدادي بالكامل عبر سلسلة من الأكاذيب والمزاعم في سياق تفاخري، استدعت تدخلاً من جهات عديدة في إدارته لتصويب الأمور، وتلافي اللبس والتناقض والكذب.

فقد زعم ترمب في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض، أن البغدادي قتل بعد تفجير "سترته" الناسفة إثر محاصرته من قبل القوة الأمريكية داخل نفق، كان يدرك زعيم داعش أنه كان مغلقاً، وفق الرئيس الأمريكي، وأوضح أن البغدادي دخل إلى نفق ولاحقته الكلاب وكان يصرخ ويبكي خلال هروبه. وقال إن البغدادي قتل نفسه وثلاثة من أطفاله بتفجير السترة الناسفة، مشيراً إلى أنه "مات كالكلب والجبان" مع "عدد كبير" من أنصاره.

وذكر ترمب إجراء فحص DNA لجثة البغدادي وجرى التأكد من أنها له، موضحاً أن التفجير حوّل الجثة إلى أشلاء. وقد تحفظت القوة الأمريكية عليها. وأشار ترمب إلى أن زوجتين للبغدادي قتلتا أيضاً في العملية، التي شاركت فيها قوة أمريكية فقط، وكانتا أيضاً ترتديان أحزمة ناسفة، مضيفاً أنه كان يوجد أيضاً 11 طفلاً وهم بأمان. وقال إن البغدادي "الذي سعى بكل ما أمكنه لترهيب الآخرين قضى لحظاته الأخيرة في هلع تام. في ذعر كامل ورعب من القوات الأمريكية التي كانت تنقض عليه"، قتل "مثل كلب".
 

وكشف ترمب أن ثمانية "طائرات هليكوبتر" شاركت في العملية وكانت تحلق على مستوى منخفض، لافتاً إلى أنه كان وجود تنسيق مع روسيا والعراق وتركيا والقوات الكردية. وقال الرئيس ترمب إنه لم يُصَب أحد من جنوده في العملية باستثناء إصابة "كلب"، إذ نشر في تغريدة على حسابه الرسمي في "تويتر"، في اليوم التالي قائلاً: لقد رفعت السرية عن صورة الكلب الرائع "لن تُرفع السرية عن الاسم"، الذي قام بعمل رائع في القبض والقضاء على زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي.

إن تفاصيل الرواية الترمبية المتخيلة لاغتيال البغدادي، حجبت الحقيقة الأساسية وهي مقتل البغدادي، وقد اضطر رئيس الأركان الأمريكي مارك ميلاي في اليوم التالي إلى عقد مؤتمر صحفي للتخفيف من ركاكة رواية ترمب، ونفى المعلومات التي أدلى بها الرئيس الأمريكي حول مقتل زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي وهو "يبكي"، وقال ميلاي في مؤتمر صحفي جمعه بوزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر، إنه لا يملك معلومات حول مقتل البغدادي وهو يبكي.

وأوضح الجنرال ميلي أن عملية التخلص من أشلاء البغدادي اكتملت وأُجريت بالشكل الملائم، مشدداً على أنه لن يجري الإفصاح عن المكان الذي انطلقت منه العملية. لكن ميلي رفض التعليق على ما إذا كان يملك تسجيلاً مصوراً من داخل المجمع الذي وصفه بأنه مكان كان البغدادي يقيم فيه "بشكل دائم". ومن جهته، قال وزير الدفاع الأمريكي: إن مقتل البغدادي لن يقضي على الإرهاب في العالم، أما وزارة الدفاع الروسية فقد أكدت أنها لا تملك أي معلومات تؤكد مقتل البغدادي، نافية تقديم أي مساعدة لتحليق الطيران الأمريكي في منطقة إدلب شمالي غرب سوريا.

إذا تجاوزنا عن أكاذيب ترمب السخيفة، وتبجحه وتفاخره المتعلقة بتفاصيل عملية قتل البغدادي، فإن السؤال الرئيس يتعلق بمصداقية دعواه أنه تمكن من القضاء الكامل على تنظيم الدولة الإسلامية، إذ يوجد إجماع لدى الأجهزة الاستخبارية والمراكز البحثية ولدى الخبراء والباحثين على أن مقتل البغدادي هو نجاح تكتيكي ونصر رمزي.

فتكشف مزاعم ترمب بقضائه المبرم على تنظيم "داعش" وهزيمته، عن جهل فاضح بطبيعة التنظيم عموماً، ومسألة الحرب على الإرهاب خصوصاً، ذلك أن إطلاق جملة من الأحكام الكبرى ينم عن غياب الحد الأدنى من المعرفة التاريخية لطبيعة تنظيم داعش ومكوناته على صعيد الهيكلية التنظيمية، والسردية الإيديولوجية وماهية العناصر المنتمية إلى التنظيم.

يرى عدد من الباحثين أن تنظيم الدولة الإسلامية شكّل ذروة تطور غير مألوفة في نشاط الجماعات "الجهادية" العالمية، وبدت مبتكرة في العديد من خصائصها واستراتيجياتها، وحسب كولين كلارك الباحث في معهد أبحاث السياسة الخارجية والأستاذ المساعد جامعة كارينغي ميلون الأمريكية ومؤلف كتاب "ما بعد الخلافة: تنظيم الدولة الإسلامية والشتات الإرهابي"، فإن واحدة من الاختلافات الأساسية بين التنظيمين "الجهاديين" القاعدة وداعش، أن تنظيم داعش تبنى منذ بدايته هيكلاً تنظيمياً صارماً ومنضبطاً من أعلى قياداته إلى أصغر مراتبه، ولم يكن يتمتع بالحرية النسبية في اتخاذ القرار للقيادات الفرعية التي كانت تميز الكثير من عمليات القاعدة.

إن مقارنة بسيطة لوضعية تنظيم الدولة مع ما كانت عليه عندما تولى أبو بكر البغدادي زعامة تنظيم داعش في العراق سنة 2010 خلفاً لأبي عمر البغدادي، تكشف عن حقائق مذهلة، فقد ورث أبو بكر البغدادي آنذاك منظمة ضعيفة وهشة ومتداعية تسير على طريق الانحدار، وسرعان ما صعد بالتنظيم بعد أقل من أربع أعوام ليصبح قوة قتالية مرعبة تسيطر على مساحات واسعة في العراق وسوريا ويتمدد في بلدان عديدة، وقد تطلب وقف تمدده جغرافياً وإنهاء سيطرته المكانية تشكيل تحالف دولي من أكثر من 75 دولة بقيادة الولايات المتحدة.

تشير الحقائق الواقعية إلى أن تنظيم داعش من أكثر التنظيمات الجهادية تطوراً على صعيد تماسك الهيكلية التنظيمية والصلابة الأيديولوجية، فقد شكّل ذروة تطور غير مألوفة في نشاط الجماعات "الجهادية" العالمية، وبدت هيكليته وأيديولوجيته مبتكرة في العديد من خصائصها واستراتيجياتها، فعلى الرغم طرد تنظيم "الدولة الإسلامية" من مناطق سيطرته الحضرية المدينية في العراق وسوريا، فإن التنظيم لا يزال يتمتع بقدرات قتالية وتمويلية وإعلامية كبيرة.
 

فقد كشفت الوقائع الميدانية عن سرعة تكيّف التنظيم مع التطورات الميدانية، وتمتعه بمرونة شديدة بالتحول من نهج المركزية إلى حالة اللا مركزية، إذ تمكن من إجراء إعادة هيكلة تنظيمية على الصعيد العسكري والأمني والإداري والشرعي والإعلامي، فمع نهاية المشروع السياسي للتنظيم كدولة "خلافة"، عاد إلى حالة "المنظمة"، ورجع إلى الاعتماد على تكتيكاته القتالية التقليدية بالاعتماد على نهج الاستنزاف وحرب العصابات.

إن المعرفة الكافية بتاريخية تنظيم داعش، وقدرته على التكيف مع التطورات، قادت إلى موجة واسعة من الانتقادات لإعلانات ترمب الاستعراضية المتكررة عن هزيمة تنظيم "داعش، وقوبل قرار ترمب المفاجئ الانسحاب من سوريا في ديسمبر/كانون الأول 2018، باعتراض كبير أدى إلى استقالة وزير الدفاع السابق جيمس.

ومنذ إعلان ترمب نيته الانسحاب من سوريا تنامت التصريحات وتكاثرت التقارير حول قدرة تنظيم الدولة على العودة من جديد، وكان من بين المشككين بهزيمة تنظيم داعش الجنرال جوزيف باتل قائد المنطقة العسكرية الوسطى الأمريكية.

كما تنبأ عسكريون في وزارة الدفاع الأمريكية ببعث جديد للتنظيم خلال 6-12 شهراً إذا لم يتواصل الضغط عليه ومطاردة أفراده. إذ لا يزال الآلاف من مقاتليه على قيد الحياة، فضلاً عن احتمال فرار مقاتلي التنظيم من المحتجزين في سجون مليشيا YPG، الذين يقدر عددهم بنحو 12,000 مقاتل، بالإضافة إلى 70,000 من ذويهم في مخيمات تسيطر عليها قوات قسد أيضاً، مثل مخيم الهول.

في هذا السياق قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في تقرير مقدم لمجلس الأمن في فبراير/شباط 2019، جاء فيه أن التنظيم تحول إلى العمل السري في العراق، وقال غوتيريش في تقريره: "إنهم في مرحلة انتقالية، انتقلت فيها مهام القيادات الرئيسية إلى خلايا التنظيم في الأقاليم".

وقدر تقرير غوتيريش أعداد مقاتلي التنظيم في العراق وسوريا بما يتراوح بين 14-18 ألف مقاتل، بجانب ثلاثة آلاف من المقاتلين الأجانب، وفي 7 أغسطس/آب الماضي، قال غوتيريش إن تنظيم "الدولة" يمتلك مبالغ تصل إلى 300 مليون دولار، بقيت معه، وذكر جيمس جيفري المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا وجود ما يتراوح بين 15-20 ألفاً من مقاتلي التنظيم النشطين في المنطقة، من بينهم خلايا نائمة.

تشير كل المعطيات إلى أن تنظيم داعش لن يجد صعوبة باختيار زعيم جديد للتنظيم، فالهيكلية التنظيمية واضحة، منذ أن عمل البغدادي على إعادة هيكلة المنظمة، ويعتبر عبد الله قرداش الأوفر حظاً في خلافة البغدادي، وكان قد تولى سابقاً منصب أمير ديوان الأمن في سوريا والعراق، وغيره من المناصب، ويليه في الأهمية حجي عبد الناصر العراقي الذي أدرجته الخارجية الأمريكية على قوائم الإرهاب نهاية عام 2018، وهو يتولى قيادة ما يعرف باللجنة المفوضة، المسؤولة عن إدارة التنظيم، وقد سبق أن تولى مناصب مهمة عديدة.

خلاصة القول أن تنظيم الدولة الإسلامية بعد مقتل البغدادي سوف يواصل نهجه الجديد الذي يقوم على حرب الاستنزاف، ذلك أن القضاء على "الخلافة" لا يعني نهاية خطر "المنظمة"، وقد برهن التنظيم منذ تأسيسه عن قدرة فائقة على التكيّف مع التطورات والمتغيرات، وتمكن من إعادة الهيكلة والعمل كمنظمة لا مركزية تعمل في بلدان عديدة.

وعلى الرغم من قوة التنظيم الذاتية فإن قوته الحقيقية تنبع من وجوده في محيط من الفوضى وعدم الاستقرار بسبب الأنظمة الدكتاتورية المحلية الفاسدة في المنطقة، والبيئة السياسية المغلقة، وتنامي الحرب الإقليمية الطائفية الباردة، وارتفاع وتيرة التدخلات الدولية الخارجية والصراعات الجيو سياسة، كل ذلك يشير إلى أن مقتل البغدادي مجرد نجاح تكتيكي ونصر رمزي لا أكثر.

تعليقات