الساروت ووالدته وأغنياته

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

10 يونيو/حزيران 2019
العربي الجديد
المؤلف: 

 

يستثير فيديو صورة والدة شهيد سورية، عبد الباسط الساروت، تقبّله وتودّعه إلى الجنة، زوبعة من اللواعج التي تتْعب اللغة في البحث عن مفرداتٍ تعبّر عنها. واللاعج في المعاجم حُرقة القلب من الحب.

وسيرة هذا الشاب الذي غادر الحياة عن 27 عاما مثقلةٌ بما يجعل حبّه ليس شعورا عاطفيا فحسب، وإنما حاجة يتسلح بها كل فردٍ منا، لتُسعفنا في مناوأة كل تعاسةٍ في العالم، في كل العالم. .. تنطق صورة الجثمان المسجّى، وحواليْه جمعٌ من رفاق عبد الباسط ومن الشباب السوري النظيف، يحيطون بالأم المكلومة، بحزمةٍ من المعاني، تجعل التخلص من نظام الأسد في سورية ضرورةً من أجل حفاظ الجنس البشري على اسمِه هذا جنسا بشريا.

تتملّى في الصورة، وفي بالك أن عبد الباسط الساروت هو ابنٌ خامس لهذه المرأة، يرتقي إلى الأعالي بفعل جرائم هذا النظام الذي تقصّد مرّات قتل هذا الثائر النبيل، صدّاح الثورة السورية وبلبلها عن حق، حاول مرّات وأخفق، أعلن عن آلاف الدولارات لمن يرشدُه إليه.

تُحدّق في الصورة، وفي بالك أن ثلاثة من إخوة المرأة، أخوال أولادها، قضوا أيضا برصاص نظام القتل نفسه، وكذا اثنان من أحفادها، وزوجُها أيضا. أي خنساءَ إذن، تلك التي شابه بعضُنا هذه الأم، الزوجة، الأخت، الجدّة، بها. المخيّلات الفقيرة جعلتها كالخنساء، فيما مخيلةٌ رحبةٌ كانت سترى هذه المرأة التي كانت تقول "لله ما أعطى ولله ما أخذ" جبروتا لا مثالَ له، أرضا لا تجفّ، وإن ينعف منها الدم كثيرا، وإن يسّاقط الدمع فيها كثيرا. 

ربما يصيب نجاحا من يكتب، بحذاقةٍ ونباهةٍ ضروريتين، عن عبد الباسط الساروت من مدخل التعليق السياسي على لحظةٍ مستجدة، بالغة الصعوبة، تعبر إليها سورية وثورة شعبها وخرائط مستقبلها، ولكن الحمولات الوجدانية والعاطفية الباهظة في هذا الحدث المجلّل بأرطالٍ من الأحاسيس المرّة لا تجعل كتابةً من هذا اللون ميسورة، سيما أن صور تشييع الساروت، والأهازيج التي هتفها المحتشدون في وداعه، والموكب المهيب الذي نقله إلى مدفنه، لا تترك لأي كلامٍ في السياسة موضعا جدّيا.

ببساطةٍ، لأن حارس مرمى منتخب شباب سورية لكرة القدم سابقا، ومغنّي ثورة السوريين، وشهيدها الشجاع، الفارس، يغادر الدنيا بطلا شعبيا، أمثولةً استثنائية، لا يمنّ عليه أحد عندما يخلع عليه صفته أيقونة. ثمّة بساطةٌ شاسعةٌ في انتقاله من لاعب كرة قدم إلى ثائرٍ بالأغنية والتظاهر وبالبارودة.

قال إنه لم يكن يهتم بالسياسة، ثم صيّرته جرائم النظام ضد السوريين، في مدينته حمص وغيرها، يصبح من الثائرين، الساخطين الناقمين الغاضبين، الساعين إلى تحرير سورية من الحاكمين القاتلين فيها. هذه هي القصة فحسب. ثم في سبع سنوات، صار الساروت يغنّي، ويتظاهر، ويقاتل.. ثم يُقتل.
كأن صوت عبد الباسط الساروت احتاج إلى شيءٍ من اللكنة البدوية، والبحّة العراقية، ليلهج بأغنياته القصيرة، المشحونة بحب البلد، بسورية جنّةً، بالوطن "الحْبيّب". كتب زملاؤه كلمات أغنياته، ولحّنوها، تبدو غير سوريةٍ تماما، ففيها تلك الرّنتان، البدوية والعراقية، وقد لا يكون زعمي هذا دقيقا تماما، الأهم أنها تضرب الخسيس المطلوب رحيلُه بالهجاء الذي يليق به، وتحتفي بحمص، وبالنصر والشهادة، وذلك كله بقاموسٍ متقشّف، ومفرداتٍ لا تتقصد الشعرية، ولا الإيحاء، فما تنطق به عن السلاح وحمْله "لأجل عيونك يا حمص" هو المُراد منها.

ولمّا جاءت آخر أغنيات الساروت (إنتاج تلفزيون سوريا، 2019) على ثورتي الجزائريين والسودانيين، وتمنّت لمصر خلاصا من الطاغية فيها، فذلك يستقيم مع الجوهريّ في كفاح هذا البطل الشعبي، الحمصي الجولاني المنبت، استهداف الظلم، والهجس بالعدالة.
باسل شحادة، وغياث مطر، وإبراهيم القاشوش، وزران زيتونة، وسميرة الخليل، ورائد الفارس، وحميد الجنيد، وفدوى سليمان، ومي سكاف، وباسل الصفدي، وعمار جربوع، ونيراز سعيد، وعبد الباسط الساروت.. أسماءٌ لشجعان سوريين وسوريات وفلسطينيين، فنانين ومبدعين، ثوارٍ ومناضلين، أقمارٍ دلّ ضياؤها الباقي على أن الأمل في انتصار سورية على نظام الفتك والقتل غزير، وهذه وداعيات عبد الباسط، وقبلات والدته على جبينه، وأغنياتُه، تنعش هذا الأمل الذي لا يغيب.