السذاجة الأميركية.. هل هي كذلك حقا؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

10/12/2014
الشرق الأوسط

في أيام الشباب كنا نقرأ ونلاحظ ونسمع نكاتا عنصرية المضمون ونتابع أفلام السينما والمسلسلات التلفزيونية التي تعزز الصور النمطية عن شعوب الدول الكبرى، مع وعي بعضنا الصور النمطية للعرب، ولا سيما في الغرب. وعلى سبيل المثال كانت الصورة النمطية عن الأميركي السذاجة والعفوية، وعن الفرنسي المزاجية و«ضيق الخلق»، وعن الإنجليزي المكر والبرودة اللبقة، وعن الألماني الصرامة والكفاءة والانضباط، وعن الروسي الخشونة والالتزام بالأوامر.

طبعا، كشفت لنا الأيام أن هذه الصورة إلى «الكاريكاتير» وإن صدقت في الكثير من الحالات، ذلك أن التعميم خاطئ بالمطلق. ولقد التقيت في ألمانيا برجال وسيدات عاطفيين طيبين ظلهم خفيف استمرت صداقتي معهم حتى اليوم. وخلال إقامتي في بريطانيا المستمرة منذ 36 سنة صادفت نماذج كثيرة جدا تناقض تماما سمتي المكر والبرودة اللبقة.
ونصل إلى بيت القصيد.. أي «السذاجة الأميركية». من الطبيعي – كما يقال – ألا دخان بلا نار، إلا أن «السذاجة» المزعومة لم تحل دون نجاح شخصيات أميركية رميت بهذه التهمة في بلوغ أعلى المناصب كالرؤساء جورج بوش الابن ورونالد ريغان وجيرالد فورد. ومن يفهم تعقيدات النظام السياسي الأميركي يدرك استحالة أن ينجح شخص محدود الذكاء بالوصول إلى القمة. ثم أنه إذا حصل وجاء شخص لا يتمتع بمواهب خارقة إلى مواقع المسؤولية فإنه وصل بفضل «مؤسسات سلطة» اختارته لتمثيلها والدفاع عن مصالحها بينما يبقى مخططوها في الظل، وفي هذا دليل على قوة «المؤسسة» التي تتضاءل أمامها أهمية الفرد.

يوم الأحد الماضي حل وزير الخارجية الأميركي جون كيري ضيفا على مؤتمر نظمه «منبر صبان» التابع لمؤسسة بروكينغز للأبحاث في واشنطن، حيث ألقى كلمة أهم ما فيها إشارته لاحتمالات تطوير ائتلاف إقليمي واسع في الشرق الأوسط ضد التطرف – الإسلامي السني طبعا – يفتح، حسب رأيه، مجالات تعاون جديدة بين الدول العربية وإسرائيل.
كيري أبدى في كلمته ارتياحه للتقدم التدريجي الذي قال إن «الائتلاف الدولي» يحققه في حربه على «داعش» في مختلف المجالات العسكرية والتمويلية.. والعقائدية عبر تكذيب ادعاءاته الإسلامية. ورأى عبر مشاركة دول خليجية في الائتلاف مؤشرا، ولو في بداياته، لإمكانيات تعاون إقليمي جديد في مجالي الأمن ومكافحة الإرهاب يمكن أن يتسع ليضم إسرائيل والفلسطينيين والأردن ومصر (!).

«مركز صبان» أسسه عام 2002 رجل الأعمال الأميركي - الإسرائيلي ذو الأصل المصري حاييم صبان، والجمهور الذي كان يصغي لكلمة كيري جمهور جله متعاطف مع إسرائيل. ومن ثم، لعل وزير الخارجية الأميركي كان يحاول طمأنة ذلك الجمهور القلق من المستقبل إلى حصافة إدارة باراك أوباما وعمق التزامها بالتصدي للتطرف والإرهاب في الشرق الأوسط. واستطرادا إبلاغ مناصري إسرائيل بوجود تيار «اعتدال» عربي وإسلامي مستعد للتوصل إلى سلام مع إسرائيل.

بكلام آخر، كان كيري يتكلم «مع أهل بيته»، وهو يخاطبهم كفرد منهم... غير أن المشكلة مع كلام كيري ونيته ذات عدة أوجه، منها:
أولا، سبق لغالبية الدول العربية أن أيدت «اتفاق أوسلو» الذي توصل إليه ياسر عرفات مع قيادة إسرائيل، مع تأكيدها على أن يكون السلام سلاما حقيقيا، كاملا وشاملا، وألا يكون استسلاما يسعى إليه «صقور» الليكود في إسرائيل. أما القوى التي زايدت على الفلسطينيين وخونت قيادتهم الشرعية فقد تمثلت بمن كانت تصفهم واشنطن بـ«الدول الداعمة للإرهاب» وفي مقدمها قيادتا طهران ودمشق.

ثانيا، إن الجهة المصرة على بناء «أرض إسرائيل» ونسف «اتفاق أوسلو» هي قيادة الليكود، وهي المتذرعة بالأمس واليوم بالتشدد «الإسلامي السني»، ممثلا بحماس والجهاد الإسلامي اللتين تدعمهما طهران علنا، حتى بلغ الأمر ببنيامين نتنياهو حدا جعل «يهودية الدولة» شعاره للانتخابات الإسرائيلية المقبلة أمام صمت أميركي مريب.

ثالثا، على الرغم من إدراك واشنطن عمق علاقة القيادة الإيرانية الحالية بكل من كانت ترميه الإدارات الأميركية المتعاقبة بـ«الإرهاب» في منطقة الشرق الأوسط، فإنها في عهد رئاسة أوباما اختارت الانقلاب على أصدقائها «المعتدلين» الذين دفعوا ثمنا باهظا لصداقتهم معها، مثل حسني مبارك وزين العابدين بن علي، والعمل على إنشاء تحالف فعلي مع إيران وخذلان الشعب السوري عندما ثار على تسلط حكم بشار الأسد.

رابعا، إن مثل هذا الكلام ينسجم مع بعض الممارسات الأميركية القائمة على حسن النية في العلاقات مع العالم العربي منذ كامب ديفيد. فالنية في تحقيق السلام قد تكون موجودة، وهي كانت حقا موجودة في وجدان جيمي كارتر، لكنها أغفلت عن عمد أو عن «سذاجة» – كتلك التي بدأت بها هذه المقالة – الأسس الصلبة التي يجب أن يبنى عليها السلام، وفي طليعتها الثقة. فمن دون الثقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين لا فرصة للسلام، وفي غياب الثقة بين العرب والإسرائيليين والإيرانيين، من العبث الكلام عن تحالفات ورؤية مشتركة، وعندما تتلاشى الثقة بين الدول العربية – سواء على مستوى القيادات أو الشارع – والولايات المتحدة تغدو «الصداقة» خرافة.

واليوم مع التئام «قمة الدول الخليجية» التي كان المشاركون فيها في طليعة من يعتبرون أنفسهم «أصدقاء» للولايات المتحدة، ثمة قناعة في العالم العربي عامة، وفي منطقة الخليج خصوصا، أن إدارة باراك أوباما وجدت لها «أصدقاء» جددا. ومثلما سبق للإدارات الأميركية السابقة أن تجاهلت مصالح «الاعتدال» العربي وصدقيته في التزامها المطلق بسياسات أي رئيس وزراء في إسرائيل، فهي اليوم تدفع المنطقة دفعا نحو تقبل الهيمنة الإيرانية بحجة التصدي للتطرف «الإرهابي» و«التكفيري».

أنا أزعم أن ليس في الأمر سذاجة هذه المرة، بل خطأ فظيع في الحسابات، لأن القوة الوحيدة الكفيلة بالتصدي لـ«الإرهاب التكفيري» الذي يمثله «داعش» وأمثاله هو الإنسان العربي المسلم السني المعتدل الذي لا يجد نفسه مضطرا لمحاربة العالم.
خطأ الحسابات هذه المرة أن ثمة من يدفعه دفعا لمحاربة العالم... فينحر وينتحر.