السلطويّة العربيّة تجدّد شبابها

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

العربي الجديد

فاز الباجي قائد السبسي، صاحب الثمانية والثمانين عاماً، بالرئاسة في تونس، كي يصبح ثاني أكبر الرؤساء سنّاً في العالم، بعد الرئيس الزيمبابوي روبرت موغابي الذي يبلغ تسعين عاماً، ويحكم منذ أكثر من ثلاثة عقود. لم يكن فوز السبسي مفاجئاً، بل كان نتاجاً طبيعياً لمرحلة "الجزْر" الثوري التي تمر بها المنطقة العربية، ومحصّلة لإخفاق الموجة الأولى من موجات "الربيع العربي". وهو فوز يحسبه بعضهم ضمن انتصارات "الثورة المضادة" المتتالية، ودليلاً جديداً على فشل الثورات العربية في تحقيق إنجاز حقيقي طوال العامين الأخيرين.

بيد أن لفوز السبسي وجها آخر، هو قدرة السلطوية العربية على تجديد شبابها، وتحديث أدواتها ووسائلها، في مقابل استمرار حالة التفتت والتراجع والانحسار للقوى والتيارات الثورية العربية. فخلال العامين الأولين للربيع العربي، قاومت السلطويات العربية فكرة التغيير التي ضربت المنطقة من المحيط إلى الخليج، وحاولت، بكل ما استطاعت، وقف موجة "المد الثوري" التي انطلقت، حتى لا تصل إلى شواطئها أو يداعب هواؤها مواطني هذه السلطويات. أما خلال العامين الأخيرين، وبعد امتصاص الصدمة الأولى للثورات، بدأت السلطوية في إعادة ترتيب صفوفها وأوراقها، وانتقلت، عندما أُتيحت لها الفرصة، من مربع الدفاع إلى الهجوم. فشحنت "بطاريات" الثورة المضادة، وأطلقتها عبر استراتيجية ذكية، أعادت فيها بناء التحالفات الداخلية، وجدّدت مراكز القوى المسيطرة محلياً، واستقطبت ودجّنت كل ما وصلت إليه أيديها من شخوص وتيارات ومؤسسات وجماعات وأفراد، وذلك من أجل هدف واحد فقط، هو تشويه مسألة الثورة ووأد حلم التغيير في العالم العربي.

كذلك نجحت السلطوية العربية في قراءة خريطة التحولات المحلية والإقليمية والدولية. فمحلياً، تبدّل "مزاج" الشارع العربي سريعاً، وانقلبت أحواله من الثورة وطلب التغيير، إلى الرغبة في الاستقرار والعودة إلى حالة ما قبل الثورة. وإقليمياً، قامت السلطوية بتغذية "شبح" التطرف، ودعمت التيارات الراديكالية، لكي تستخدمها، لاحقاً، معولاً لهدم فكرة الثورة والتغيير التي أصبحت مرادفاً للفوضى والعنف. ودولياً، نجحت في الاستفادة من الارتباك والتردد الغربي، واستغلت أوراق الضغط ونفوذها مالياً واستراتيجياً وإعلامياً، من أجل إحباط محاولات التعاطف مع "الربيع العربي".

فوز السبسي يمثّل علامة على تماسك "الحلف السلطوي" العربي وصعوده، في مقابل تراجع "الحلف الثوري"، إن جاز التعبير، ومؤشراً على انحسار الآمال في إمكانية تحقيق تغيير سلمي ناجز في المنطقة العربية. وهو ما قد يفتح الباب على مصراعيه، أمام سيناريوهات كئيبة للفوضى والعنف، وخصوصاً أننا لم نعد إزاء سلطوية تقليدية، وإنما أمام سلطوية أصولية شرسة، لا تقبل التفاوض أو التراجع لحالة ما قبل "الربيع العربي"، ولا تتورع عن سحق كل ما له علاقة بالتغيير، وقمع كل حالم بالحرية والكرامة في منطقتنا.
تخوض هذه الأصولية السلطوية، الآن، معركة وجود، ويطاردها شبح التغيير، وهو ما كشفته، بوضوح، الموجة الأولى للربيع العربي. لذا، فهي لن تقبل التهدئة، ولن تقدم أي تنازلات سياسية، وإنما ستقوم بكل ما تستطيع من أجل إجهاض محاولات التغيير ووقفها، وذلك عبر توجيه ضربات استباقية لها ولمَن يدعمها.

لم يفز السبسي بسبب "كراهية" التونسيين البديل الثوري، أو لاعتقادهم بفشل هذا البديل في تقديم حلول ناجعة للمشكلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، والتي هي، بالأساس، إحدى نتائج الاستبداد القديم، بقدر ما يبدو هذا الفوز انعكاساً لقدرة الأصولية السلطوية في الاستفادة من أخطاء خصومها وانقساماتهم ورعونتهم. كما أنه دليل قوي على أن معركة التغيير في العالم العربي ليست سهلة، أو يمكن إنجازها في أعوام قليلة.
يبعث فوز السبسي رسالة واضحة، مفادها أن ما لا تحققه الأصولية السلطوية بالانقلابات، يمكن أن يتحقق من خلال صناديق الانتخابات، ولا عزاء للطامحين والحالمين بالتغيير.