"السورية.نت" تُفندُ ملف ميناء طرطوس: هذه أبرز الأسباب الاقتصادية والسياسية لـ"صفقة" النصف قرن

بيع مقدارت سورية وانبطاحٌ لموسكو مقابل مصالح النظام الضيقة
الجمعة 26 أبريل / نيسان 2019

فتح إعلان نائب رئيس الوزراء الروسي، يوري بوريسوف، المفاجئ، أن نظام الأسد، سيؤجر ميناء طرطوس على ساحل البحر الأبيض المتوسط، لموسكو مدة 49 عاماً، باب التساؤلات حول سر توقيت هذه الخطوة، التي أثارت جدلاً واسعاً في أوساط الموالين والمعارضين لنظام الأسد، من ناحية تنازل الأخير، عن مقدرات الدولة مقابل مصالحه الضيقة.
و في وقت يرى مراقبون أن تسليم النظام مرفأ طرطوس للعهدة الروسية، مدة نصف قرن، تأتي في سياق هدف استراتيجي، تسعى موسكو من خلاله، لاستكمال السيطرة على المفاصل الاقتصادية الاستراتيجية في سورية، فإنه يبرز عزم الروس، استرداد الكلفة الاقتصادية، التي تكبدوها، جراء دعمهم العسكري للأسد.

التوقيت السياسي لتأجير ميناء طرطوس

وحول سر توقيت عزم النظام، تأجير ميناء طرطوس لروسيا، مدة نصف قرن من الناحية السياسية، رأى الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، معن طلاع، في تصريح لـ السورية نت، أنه "لا بد من الرجوع لخلفية أن دوائر اتخاذ نظام الأسد لقراراته بمعزل عن ضغوط خارجية أصبحت ذات هوامش محدودة، بمعنى أنه لا يمتلك النظام خياراً. بالتالي بات يفقد أوراق قوته في سورية بالمعنى التنموي، بشكل واضح، وعلى رأسها ميناء طرطوس. ولذلك فإن هناك ضغط من الحلفاء وهي فواتير ما بعد الحرب وخاصة في أسئلة نهضة النظام فهو يحتاج الآن لهؤلاء الحلفاء أكثر من ذي قبل".

وأضاف طلاع أن "الروس اليوم وراء الذهاب في هذه الخطوة هم أمام أمرين، أمر يتعلق بالمعنى الأمني، بمعنى امتداد لحماية قواعدهم في تلك المنطقة في طرطوس، وبالتالي فإن الميناء هو خطوة دفاع متقدمة لموسكو، للتواجد العسكري الروسي الرسمي(...) إضافة إلى أن هناك سبب سياسي يتعلق بموضوع إعادة الإعمار في سورية، لأن في موضوع إعادة الإعمار، دائماً المداخل والمخارج الرسمية للدولة، تكون لها الدور الرئيسي في ذلك. لذا فإن الوجود الروسي على هذا الميناء سيمنحها عناصر ربح اقتصادية شديدة، وخاصة أن عملية الإعمار ستكون طويلة زمنياً".

هل هناك تنافس روسي إيراني؟

وألمح الباحث إلى وجود ترابط بين منح النظام ميناء اللاذقية لإيران، وميناء طرطوس لروسيا، قائلاً:"إن مدى الترابط لا ينفك عن كونه ضمن دوائر التنافس بين الروس والإيرانيين في المجال الاقتصادي في سورية، وهو على قدم وساق باتجاه قطاعات عديدة ومنها قطاع المعابر".

لذلك فإن "منح إيران ميناء اللاذقية هو مرتبط باستراتيجية الوصول إلى المياه الدافئة بأي شكل، وهذا في سبيل زيادة تموضعها في سورية، وبالتالي جعل أي سياسة تحد من تموضعها على الأرض تكون غير واقعية، واقصد هنا بالمشروع الأمريكي لمحاصرة إيران، وبالتالي فإن طهران تتغلغل بشكل أفقي في سورية، وبالمحصلة كلا الأمرين: ميناء طرطوس واللاذقية، يدل على أن سورية، أصبحت ساحة استثمار وتنافس بين الإيرانيين والروس، والذي لم يرقى لدرجة الاختلاف، ولكنه واضح في الاستحواذ على قرارات نظام الأسد التنموية والاقتصادية، بعد أن تم الاستحواذ على قراراته السياسية والعسكرية".

دوافع اقتصادية

وبما يخص الأسباب الاقتصادية التي دفعت نظام الأسد لتأجير ميناء طرطوس لروسيا لمدة، اعتبر محمد العبدالله، الباحث الاقتصادي في مركز عمران للدراسات، أن "تأجير ميناء طرطوس يأتي في وقت يعيش فيه النظام السوري ضائقة اقتصادية كبيرة في ظل العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، إلى جانب أزمة الوقود التي تفاقمت بشكل حاد في المناطق الخاضعة لسيطرته".

وأضاف العبدالله في تصريح لـ السورية نت، أن "الاتفاقية وإن بدت في ظاهرها كعامل يمكن من خلاله تجاوز الأزمة الاقتصادية من خلال العوائد التي يمكن أن يحصل عليها، كما يروج لذلك نظام الأسد في قدرة الاتفاقية على تحريك الاقتصاد السوري وانتشاله من حركة الجمود، التي يعيشها بسبب العقوبات المفروضة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي؛ إلا أنها تعد هدف استراتيجي تسعى موسكو من خلاله لاستكمال السيطرة على المفاصل الاقتصادية الاستراتيجية في سورية، إلى جانب التموضع الروسي على البحر المتوسط، وما سيقدمه ذلك لها من مزايا اقتصادية وتجارية واسعة مع حلفاءها في الشرق الأوسط".

تصدير روسيا للفوسفات والنفط والغاز عبر الميناء

ولفت الباحث، العبد الله، إلى أن "الروس لا يخفون رغبتهم الكبيرة بالاستحواذ على مشروعات عملية إعادة الإعمار في سورية، والتي تشكل المنافذ البحرية أحد أهم مقوماتها الحالية والمستقبلية، ما سيمنح الشركات الروسية موطئ قدم أكبر للاستحواذ على الكثير من هذه المشروعات.
إضافة إلى ذلك، فإن  موسكو وبعد سيطرتها على قطاع الفوسفات في سورية، عبر توقيعها لعقد مدته 50 عام، ستقوم باستخدام الميناء(طرطوس) لتصدير هذه المادة التي احتلت سورية المرتبة الخامسة على قائمة الدول المصدرة لها على مستوى العالم في عام 2011، إلى جانب قيام موسكو بتصدير النفط والغاز عبر هذا الميناء، بعد أن قام النظام بتوقيع عقود استثمارية مع شركات نفط روسية تقضي بمنحها حقوق التنقيب عن النفط والغاز في الساحل السوري لمدة 25 عام. كذلك ستستمر في توريد القمح الروسي عبره والذي تجاوزت الكميات المستوردة منه مئات آلاف الأطنان خلال الأعوام الثمانية الماضية".

وأكد الباحث الإقتصادي، أن "الجدوى الاقتصادية لتوقيع هذه الاتفاقية ستكون في قسمها الأكبر لصالح الروس، الذين يعملون على استرداد الكلفة الاقتصادية التي تكبدوها جراء دعمهم العسكري للنظام لمنع سقوطه، مع وجود بعض الإيرادات التي يمكن أن يحققها نظام الأسد من أنشطة الاستيراد والتصدير، ومن دون أن يساهم ذلك بشكل فعلي في رفد خزينة الحكومة بالإيرادات الكبيرة التي يروج لها النظام حال تطبيقها وبدء العمل بها".

الالتفاف على العقوبات الاقتصادية  

وبيّن الباحث، العبدالله، أن "أحد أهداف النظام لتوقيع هذه الاتفاقية يكمن في فك عزلته بعد فرض العقوبات عليه، إلا أن هذا المسعى يصطدم بوجود عقوبات مفروضة على روسيا، والذي سيحدُّ بشكل كبير من قدرة النظام على إعادة الحركة التجارية، عبر الاستيراد والتصدير، وتنشيط حركة مرور البضائع. وكما أسلفت يروج الاقتصاديون القريبون من النظام حول قدرة هذه الاتفاقية، على إعادة تعويم قطاع الأعمال السوري من خلال الواجهة الروسية، إلا أن ذلك سيصطدم بتخوف الشركات في العديد من الدول، من الرقابة التي تفرضها الولايات المتحدة على الدول والشركات المتعاملة مع النظام، وسيحدُّ بشكل كبير من فاعلية الاتفاقية في هذا الخصوص. وقد يتم الالتفاف على هذه العقوبات فقط من خلال الطرف الروسي عبر تسهيل عبور البواخر الروسية من الموانئ الروسية لميناء طرطوس وانسياب السلع والخدمات بين السوقين وتكثيف عدد السفن القادمة والمغادرة".

قيمة الأرباح والعوائد

وبالتعريج إلى قيمة الأرباح المباشرة التي يمكن أن يحققها النظام، على صعيد احتياجاته من المحروقات ومن التجارة بشكل عام، عبر ميناء طرطوس، أوضح العبدالله، أنه "قد يكون هناك ارتباط ولو بشكل غير مباشر بين أزمة الوقود الحالية في سورية، وتأجير الميناء في ظل التنافس الاقتصادي الروسي الإيراني في سورية، وسعي موسكو لتزويد النظام بالمشتقات النفطية بدلاً من إيران عبر ميناء طرطوس، وإحكام سيطرتها عليه، مع محدودية المكاسب التجارية التي يمكن أن يحققها النظام جراء هذه الاتفاقية".

واستطرد متابعاً، بأن "اتفاقية تأجير الميناء وإن كانت في ظاهرها تشير إلى المكاسب الاقتصادية التي تسعى موسكو لتحقيقها، إلا أن الهدف الاستراتيجي لها يكمن في الطموح الروسي، في تأمين موطئ قدم لها شرق المتوسط، كقوة دولية في هذا البحر، وفي منطقة نفوذ الأسطول السادس الأمريكي، إلى جانب تعزيز أولوية حضورها في هذا البلد وفرض شروطها استباقاً لأي تفاهمات دولية لإنهاء الحرب".

زيادة حجم الاستثمارات الروسية

وفيما يخص ما إذا كان تأجير نظام الأسد ميناء طرطوس لروسيا سيمنح زيادة حجم الاستثمارات الروسية، على الأراضي السورية، ودخول شركات التصدير والاستيراد إليها، رأى الباحث الاقتصادي السوري "سقراط العلو"، أن "تأجير ميناء طرطوس لروسيا سيساهم بتشكيل بوابة للمنتجات الروسية إلى سورية، وخصوصاً في مرحلة إعادة الإعمار، فالميناء يشكل خط بحري مع القرم، وهذا ما تؤكده زيارة وفد اقتصادي من القرم، أعلن عن اتفاقيات لتصدير السلع إلى سورية، وعلى رأسها القمح والنفط، كما أن الميناء سيكون قاعدة للسفن الروسية التي تنقب عن الغاز والنفط في الساحل السوري، والتي انطلقت أعمالها الفعلية مؤخراً".

ويقول العلو، في تصريحاته لـ السورية نت، إن تأجير الميناء "لن يساهم في رفع العقوبات الغربية المفروضة على النظام، كونها مرتبطة بتنازلات لابد أن يقدمها النظام للولايات المتحدة والسعودية، بخصوص العملية السياسية والوجود الإيراني في سورية، وروسيا جزء من تلك العقوبات، لذلك إذا ما تم تقديم تلك التنازلات، من قبل النظام، سيتم رفع الحصار وتزويده بالنفط الروسي القادم من القرم إلى ميناء طرطوس، وهذا سيعني رفع العقوبات الأمريكية عن بعض الشركات الروسية العاملة في القرم كمكافأة عن تعاونها في سورية".

تأجير أم استثمار

ونفى وزير النقل في نظام الأسد، علي حمود، ما تم طرحه مؤخراً في وسائل التواصل الاجتماعي، عن استئجار أو مقايضة ميناء طرطوس مع الجانب الروسي، وزعمَ أن العقد استثمار شراكة في إدارة وتوسيع وتشغيل مرفأ طرطوس، وفق نظام عقود التشاركية بين القطاع العام والخاص، المعمول به في سورية، وتم توقيعه مع شركة (ستروي ترانس غازCTG)الروسية.

وبيّن حمود في حديثه لصحيفة "الوطن" الموالية للأسد، أن تحديد فترة العقد بـ49 عاماً، كون الدراسة والجدوى الاقتصادية للمشروع تحتاج لهذه المدة، لتحقيق الربح المطلوب للطرفين، إذ إن المشروع يتضمن إجراء توسيع بالاتجاه الشمالي للمرفأ، إضافة لجميع الأعمال التطويرية فيه، وتحديث البنية التحتية للمرفأ الحالي وإنشاء مرفأ جديد بحيث يزداد الإنتاج من 4 ملايين طن حالياً، ليصل إلى 38 مليون طن سنوياً، وبتكلفة تقديرية تتجاوز (500) مليون دولار، منوهاً بأنه وبناء على طلب حكومته، سيتم إنجاز المرفأ الجديد وفق أحدث المواصفات والمعايير العالمية، و"بأعلى مستوى من التكنولوجيا الحديثة والنظم الإدارية المتطورة ما سيخفف الكثير من النفقات".

ميزات فنية لميناء طرطوس

يعتبر ميناء طرطوس الأكبر في سورية، حيث يمتلك مرفأ طرطوس ميزات فنية تؤهله ليكون ضمن المرافئ المتطورة، إذ يشغل حالياً مساحة 3 مليون متر مربع منها 1.2 مليون متر مربع مساحة الأحواض المائية و1.8 مليون متر مربع مساحة الساحات والمستودعات والأرصفة.

كما جُهزت هذه الساحات والمستودعات والأرصفة بالإنارة الجيدة، وشبكة إطفاء، وخدمة متكاملة،  في شبكات من الطرق البرية والحديدية، المرتبطة بالشبكة العامة للخطوط الحديدية في سورية، إضافة إلى الآليات والتجهيزات والزوارق، متنوعة المواصفات، والقدرات، كي تلبي حاجة عمليات الاستثمار وتناول البضائع.

وتم تصميم المرفأ من قبل شركة "كامب ساكس" الدانماراكية المتخصصة بتصميم المرافئ، وبدأ بناؤه في مايو/ أيار ،1960 من قبل مجموعة شركات عربية وأجنبية، وبات يمتلك، تصاميم وخدمات وشبكات حديثة، تلبي حاجة خدمة البواخر في التحميل والتفريغ والتخزين.

المصدر: 
خاص: السورية.نت