"السورية.نت" في مخيمات الشمال.. غلاءٌ وغُربة واشتياقٌ لِبَهجةِ رمضان الضائعة

مخيم صلاح الدين - خربة الجوز ريف ادلب الغربي الجمعة 5 رمضان (الصورة: السورية.نت)
الجمعة 10 مايو / أيار 2019

على غير ما اعتاده في السنوات السابقة، ينتظر الحاج أبو خالد على باب خيمته، موعد الإفطار في أول أيام رمضان، بلا أي جلبة أو ضجيج كما كان الحال بمدينته في ريف دمشق سابقاً. يستذكر أبو خالد مع بعض جيرانه في المخيم الذي وصله قبل أشهر، عاداته الدمشقية العريقة، و"اللمة" الرمضانية التي تجمع الأبناء والأحفاد عنده، وتلك المائدة الطويلة في الأيام الخوالي.

حال الخمسيني الذي نزح من ريف دمشق، إلى مخيم "الأنصار" بإدلب، مشابهٌ لمئات الآلاف من  النازحين السوريين، الذين استقبلوا رمضان بعيدين عن أجواءهم العائلية، في ظل أوضاع انسانية واقتصادية صعبة.

يقول بلال عابدين، وهو مهجّر من قرية كنسبا بريف اللاذقية، ويقيم حاليا في مخيم "عين البيضا" بإدلب:"في كل عام يتناوب النظام وتجار الحرب في رمضان على قتل الناس وتجويعهم وخنقهم، هذا العام لم يكن مختلفاً، بَعدَ القصف العنيف على إدلب، وقدوم آلاف العائلات إلى المخيمات الحدودية".

ويقول عابدين لـ"السورية.نت"، إن " معظم الخيم استقبلت ضيوف جدد، من الصعب أن ندعهم في الشارع، لكنّ الحياة باتت صعبة. أعمل لساعات طويلة وابني ذو الأربعة عشر عاماً أيضا أقوم بتشغيله، ومع ذلك لا نكاد نؤمن أبسط احتياجاتنا اليومية".

غياب المنظمات

من جهته يرى القيادي في "الفرقة الساحلية الأولى"(التابعة للجيش الحر) محمد خليلو، المقيم مع عائلته في مخيم "خربة الجوز" بريف إدلب الغربي، أنّ رمضان هذا العام هو "الأصعب" على النازحين، لجهة غلاء المعيشة، وانخفاض رواتب العاملين، وضعف المساعدات الانسانية، وتراجعها كثيراً عن السنوات الماضية.

ويوضح خليلو في حديثه "للسورية نت"، الأسباب التي أدت لهذا الحال بالقول:"عدد كبير من الشبان كانوا يعملون في المنظمات الاغاثية أو يساعدون أسرهم من خلال الرواتب التي يتلقونها من فصائلهم، لكن منذ أشهر توقفت هذه الأعمال، وساءت أوضاع الناس، والنشاط الاقتصادي قليل، وهذا الأمر ترافق مع غلاء جنوني في الأسعار بحجة ارتفاع الدولار".

من جهته انتقد عمار فاعور، وهو ناشط في المجال الإغاثي بمحافظة إدلب، تراجع أداء المؤسسات والجمعيات الإغاثية في تقديم السلات الغذائية للمحتاجين، رغم تزايد أعداد النازحين من ريف إدلب، مضيفاً:"العام الماضي نَظّمتْ الكثير من الجمعيات الإغاثية مطابخ رمضانية، ووفرّت المساعدة للفقراء ولأهالي المخيمات، أما هذا العام كان توزيع السلل الغذائية ضئيل جداً، فيما عدد كبير من النازحين استقبل في خيمته ضيوف(نازحين) جدد، وبعضهم لم يستلم إعانات منذ سبعة أشهر".

ودعا فاعور في حديثه لـ"السورية. نت" ما دعاهم "أهل الخير" والمغتربين السوريين، لإغاثة أهلهم المنكوبين في المخيمات، في أيام شهر رمضان المبارك، مضيفاُ:" دخلنا على عائلات في أول أيام الشهر الفضيل طعامهم الشوربة وقطعة بطاطا".

و الواقع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه العائلات السورية، في المخيمات، دفعَ الأهالي حسب أم أحمد، وهي من سكان مخيم "مزين" بريف إدلب، للاقتصار على وجبات بسيطة في رمضان، تعتمد على ما يتوفر لهم من خضار موسمية وبقوليات يحصلون عليها من السلل الغذائية.

بهجةٌ مفقودة 

شهر رمضان الذي عُرفَ بين السوريين بعاداته الاجتماعية الجميلة، وأجواء الفرح والحارة والزينة، لا تبدو مظاهره حاضرة أبداً، كما تقول أم أحمد:"منذ سنوات، حُرمنا بهجة رمضان من جراء القصف والحصار. واليوم بعدما هُجرّنا إلى إدلب، نُحرم أيضاً من الأجواء العائلية".

تضيف النازحة الحمصية:"أين هي لمة الأقارب والأصحاب، وجلسات السمر عند المساء، هذه الحرب لم تترك عائلة إلا تشتت، وأنا فقدت أبنائي أيضاً".

طقوس رمضان الغائبة، عن خيم النازحين، تشغل بال أيمن، وهو نازح أربعيني من منطقة ببيلا بريف دمشق، و وصل قبل قرابة العام إلى إدلب.

يقول الاربعيني الذي قضى كل رمضاناته السابقة في دمشق:" رغم وجود العديد من العصائر هنا، لكن أي منها لا يشبه قمر الدين والعرقسوس الذي كان في حينا. أفتقد في رمضان كأس الشاي الذي كان يجمعني مع أصدقائي في القهوة، الحرب سرقت منا طقوسنا التي كنا نحبها في رمضان".

وبين هاجس الخوف من القادم وفرحة الشهر الفضيل وأجواءه، عَبَّرَ عددٌ من النازحين، عن خشيتهم من تكرار تجربة التهجير، لاسيما بعد التطورات العسكرية الأخيرة.

أم فراس عادت إلى مخيم أطمة قبل أيام قليلة فقط، وذلك بعد أشهر من إقامتها في منزلها بخان شيخون، التي نزحت عنه سابقاً، و تقول لـ"السورية.نت"، أنها كانت تتأمل "أن تكتمل فرحتي بالشهر الفضيل، وأنا في منزلي الذي عدت إليه. بعد اتفاق خفض التصعيد، قالوا بأن الأمور سَتُحل، لكن للأسف، نحن عدنا من جديد للنزوح والتشرد، وأخشى أن نضطر لإعادة تجربة النزوح مرات ومرات".

على وقع صوت آذان المغرب، يعود الحاج أبو خالد المنحدر من ريف دمشق، و المقيم حالياً في مخيم "الأنصار" غربي إدلب، إلى خيمتهِ، مُمسكاً "بسكبةٍ" وصلته من أحد جيرانه في المخيم. يرفع صوته :"الحمد لله على بقاء الخير بين الناس.. رمضان كريم".

المصدر: 
السورية.نت