السياسة مملكة الكذب

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

17/9/2014
العربي الجديد

ليست الرواية وحدها "مملكة الكذب"، كما وصفها مرة ماريو فارغاس يوسّا الحائز على جائزة نوبل للآداب، وصاحب رواية "حرب نهاية العالم". السياسة، أيضاً، هي مملكة الكذب، وقد تكون المملكة الأكثر كذباً من غيرها، يندر أن تجد سياسياً لم يكذب مرات، ويندر أن يمر حدث سياسي من دون أن يكون مغلفاً بالكذب المباح، وما يبدو حقيقة في عالم السياسة يوماً قد ينقلب إلى نصف حقيقة في اليوم التالي، وربما إذا ما نظرت إليه عن قرب سوف تجد أنه يحمل في جعبته أكذوبة، أو أكاذيب!

حين قال الرئيس الأميركي، باراك أوباما، في خطابه، أخيراً، بخصوص استراتيجيته لمحاربة "داعش"، "إن الولايات المتحدة تؤازر الشعوب التي تناضل من أجل حريتها"، وهي معهم في "النضال من أجل الفرص، والتسامح، والمستقبل الأكثر أملاً"، ربما كان يسخر، في قرارة نفسه، من الذين مازالوا يعتقدون أن أميركا قلعة الحرية، وأن تمثال الحرية المنتصب في مدخل مدينة نيويورك هو رمز للحرية التي تقدمها الولايات المتحدة لأبناء الشعوب الأخرى، وقد يجهل هؤلاء أن الحرية التي يبحثون عنها لا يستطيع أحد غيرهم أن يؤمنها لهم، فالحرية تؤخذ ولا تعطى.

ومن تاريخنا القريب، نعرف أن حكام العراق الحاليين عندما طلبوا من أميركا أن تعيد إليهم حريتهم التي سلبها صدام حسين منهم، غزت بلادهم وأبقتهم عبيداً لها، وإن نصبتهم على رأس السلطة، بعدما عرفت أنهم يطمعون في الإمارة ولو على الحجارة، ومن التاريخ الأميركي، نعرف أن الأميركيين اخترعوا كذبة تمثال الحرية الذي نسبوه لأنفسهم ليخدعوا الآخرين، فيما هو فرنسي فناً وصناعةً وإنتاجاً، الملايين من الأميركيين أنفسهم لم يكتشفوا هذه الكذبة الكبيرة، والملايين من أبناء الشعوب الأخرى صدّقوها! ويعرف العراقيون الذين يصفهم أعداؤهم بأنهم "يقرأون الممحي" والحقيقة أكثر من غيرهم، فقد اختبروا الأميركيين، منذ كانوا يشترون صفائح النفط الأبيض "الكيروسين" من مغامري تكساس بدايات القرن العشرين، وتحول النفط، بعد ذلك، إلى رمز لعلاقة واشنطن ببغداد، عندما شاركت الشركات الأميركية نظيراتها البريطانية في سرقة النفط العراقي منذ منتصف القرن، واختبروهم، أيضاً، عندما غزا جورج بوش بلادهم، في ظل كذبة كبيرة عن امتلاك بغداد أسلحة دمار شامل، يمكن أن نلفت، هنا، إلى صفاقته، وهو يعترف لاحقاً بأنه حتى لو كان تأكد من عدم امتلاك العراق هذا النوع من السلاح، فإنه سوف لن يتراجع عن تصميمه على الغزو، ومن دون تردد! تكفي، أيضاً، عشر سنوات من القتل والدمار والفساد والبؤس والحروب الأهلية، وأكوام المصائب التي نزلت على رؤوس العراقيين، لكي يختبر العراقيون الأميركيين، ويتعرفوا إلى حقيقة أهدافهم ونواياهم.

ندرك، هنا، أن السياسة لا تعرف ما نسميه بمنظومة أخلاقية أو قيمية، فالسياسة مصالح ومطامح يختلط فيها الشخصي بالعام، ميكافيلي قال إن لا علاقة بين الأخلاق والسياسة، و"لا يحتاج الحاكم إلى أسباب مشروعة ليحنث بوعده". وقد وعد أوباما، في مستهل رئاسته الأولى، بأنه لن يخوض حروباً أخرى، وأن أميركا ستكون صانعة للديمقراطية في زمن السلام، لكن جيوشه تعود، اليوم، من الشباك، وإستراتيجيته الجديدة هي مجموعة حروب "بالوكالة"، تخوضها الجيوش والميليشيات العربية، فيما هو يراقب من الجو، لا أحد سوف يموت في هذه الحروب سوى العرب، ولن تخدم هذه الحروب أحداً سوى أميركا وإسرائيل!

أما "داعش"، وهي ابنة "القاعدة" الشرعية التي أوجدتها السياسات الأميركية نفسها، فوصفة استئصالها والقضاء عليها ينبغي أن تتضمن استئصالاً للظروف والأحوال التي شكلت حاضنة لها، فالشاب الذي يقمع صوته، وتسلب حريته، ويصادر حقه في العيش بكرامة وإباء، وتنهب ثروات بلاده التي هو صاحب الحق الأول فيها، لن يجد ملاذاً له سوى في الفكر الأسود المتطرف الذي يمنّيه بوعود الجنة والحور العين وأنهار العسل وموائد المن والسلوى، ولو استقامت السياسات، وكف الحكام العرب الذين في معظمهم أصدقاء لأميركا عن احتقار مواطنيهم وإذلالهم، لما وجدت "داعش" ولا غيرها من التنظيمات المتطرفة من يصغي لها، أو يستمع لدعاواها!

والسؤال الذي يفرض نفسه في النهاية، هل يريد أوباما القضاء على "داعش" فعلاً؟ وهل يريد حماية العرب والعالم من شرور الإرهاب حقاً؟ الجواب نجده في حديث لملك الأردن الراحل، الحسين بن طلال، مع الرئيس الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات، مرة "علمتني علاقة أربعين عاماً مع الولايات المتحدة أنها تريد من كل حروبها في المنطقة حماية اثنين، النفط وإسرائيل"، أما الباقي فهو باطل الأباطيل وقبض الريح.