السيسي على خطى حافظ الأسد

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

13 - 2 - 2019
العربي الجديد
المؤلف: 

قبل عشرة أعوام، كان ثمّة اعتقادٌ بأنّ الدول العربيّة قد تتعافى من الديكتاتوريّة رويداً رويداً بحكم التطور الطبيعي، وبحكم طبيعة المتغيرات الكبيرة، خصوصاً منها الثورات التقنيّة التي جعلت العالم أكثر انفتاحاً وقبولاً للآخر. وكان الاعتقادُ يفيد بأنّ مصر تسبق باقي الأنظمة الجمهورية بأعوامٍ عدة على الأقل في هذا المضمار.

سبب الاعتقاد الوجيه بهذا التفوّق المصري آنذاك، كان وجود هامش واسع لباقي مؤسسات الدولة في مواجهة احتكار العسكر السلطة، فقد كانت السلطة القضائيّة، خصوصاً، على درجة من الاستقلال، ما يجعل المرء قادراً على التكلم عن توزّع نسبة معقولة من مراكز القوى خارج قبضة الديكتاتور. وكذلك كانت أحوال النقابات ومنظمات المجتمع المدني مقبولةً، مقارنة بغيرها من البلدان العربيّة، وكذلك كان للأحزاب العلنيّة والسريّة وجودٌ لا بأس به.

مع نهاية العقد الأول وبداية العقد الثاني من هذه الألفيّة، بات المشهد مختلفاً تماماً. استطاعت سلطات الاستبداد في "الجملكيّات العربيّة" أن تعزّز من سطوتها ومن نفوذها، وكان ذلك على حساب مستقبل الدول والشعوب. مضت كلٌّ من ليبيا واليمن وسورية إلى دمار عميم، لا مثيل له منذ تاريخ الغزو المغولي وسقوط الدولة العبّاسية. كما بات واضحاً بعد خمسة أعوامٍ ونيّف على انقلاب العسكر، وتحطيم أوّل شرعيّة ديمقراطيّة منتخبة منذ عصر الأسرة الفرعونيّة الأولى، أنّ مصر قد بدأت فعلاً بالدخول في نفقٍ مظلم، سبقتها إليه سورية بعقود عدّة. والمتتبّع لمسيرة عبد الفتاح السيسي يراها متطابقة مع ما خطّه حافظ الأسد منذ استيلائه على الحكم في سورية في نوفمبر/ تشرين الثاني 1970. ما قام به حافظ الأسد بالتدريج، عبر ثلاثين عاماً، يقوم به عبد الفتّاح السيسي بقفزاتٍ نوعيّةٍ عبر سنوات أقلّ بكثير؛ فالأوّل احتاج إلى ترويض

القوّات المسلّحة، وإلى استبعاد الضباّط المنافسين له بالتدريج، ثم إلى تعزيز سيطرة المخابرات على الجيش ذاته، ثم إلى بناء جيوشٍ بديلةٍ مؤلّفةٍ من سرايا الدفاع والوحدات الخاصّة، ثم الحرس الجمهوري الذي حلّ مكانها جميعاً. بعد ذلك، احتاج سنوات طوال لإفراغ مؤسسات الدولة الأخرى من مضمونها، وتحويل السلطات، القضائيّة والتشريعية والتنفيذيّة، إلى مجرّد واجهة ظاهريّة للدولة العميقة المتمثّلة بالأجهزة الأمنيّة. كما احتاج إلى فترات متفاوتة، وعمليّات جراحيّة كثيرة، لترويض المجتمع المدني، المتمثّل بالنقابات والاتحادات والجمعيات، واحتاج أيضاً فترات متفاوتة لتدجين المجتمع، بكلّ أطيافه وفئاته.

استخدم الأسد سلاحين خطيرين: إرهاب الدولة المنظّم والفساد، واستغلّ تحرّك الإخوان المسلمين الاحتجاجي في نهاية السبعينيّات، على الرغم من أنّه كان من ضمن حراك المجتمع المقاوم للتحوّل البطيء إلى الديكتاتوريّة الفردية، لرفع وتيرة القمع وتسريع عمليّة إخضاع المجتمع بأكمله، واستثمر بقوّة في نتائج انتصاره على هذه الحركة، وصعّد العنف والإقصاء إلى أعلى درجاته الممكنة. وتنسبُ للأسد مقولة شهيرة أدلى بها في إحدى جلساته الخاصّة: من أطاعنا له فرصة للبقاء، ومن عارضنا له فرصة للحياة في السجن، ومن عادانا فليس له سوى القبر.

يبدو أنّ التاريخ يعيدُ نفسه مرّتين، وفي كلتيهما يأتي على شكل مهزلة، ويبدو أن السيسي يسير بكلّ أناةٍ على خطى حافظ. ألم يصرّح على الملأ علانية أنّه سيمسح من يفكّر بالاقتراب من كرسيّ الحكم عن وجه الأرض؟ ألم يقدّم للقادة الكبار من جنرالات الجيش قانوناً أعفاهم بموجبه من أيّة مساءلة محتملة، بل أكثر من ذلك أعطاهم ميّزات المراتب العليا في الدولة وخصّهم بميزات الوزراء، بل اعتبرهم عاملين في الدولة مدى حياتهم؟ ألم يُشرعن مسألة تأبيد حكم العسكر بالقوانين، إضافة إلى السيطرة الفعلية؟

استطاع السيسي أن يستغلّ حالة التردّي الرهيبة التي وصلت إليها مصر بعد ثلاثة عقود من حكم حسني مبارك، واستطاع أن يستثمر في خوف فئات كبيرة من المجتمع المصري من حكم الإسلاميين قبل أن يجرّبوه، كما استطاع أن يجنّد أبواق الإعلام الرخيص، وأصحاب الفنّ الهابط، ليكونوا رأس حربة في الهجوم على كلّ من يتجرأ على مخالفته. وتمثل النجاح الأكبر للسيسي في السيطرة التامّة على المؤسسة القضائية التي حوّلها، بكل يسر وسهولة، إلى أداة للقمع والإرهاب، بدل أن تكون أداة للعدل والإنصاف. ويُسجّل له نجاحٌ باهرٌ في الهيمنة على الأزهر الذي يعتبر بحقٍّ أهمّ مركز ديني في وجدان المصريين. كان التحالف بين العسكر والأزهر بادياً للعيان منذ انقلاب الضباط الأحرار على الملك فاروق، لكنّه كان تحالفاً مبنيّاً على نوعٍ من التوازن في الاحتياجات، أي أن العسكر كانوا بحاجةٍ لشرعيّة رجال الأزهر، وكان هؤلاء بحاجة لحماية العسكر وسطوتهم. أمّا في عهد السيسي الميمون، فقد انقلبت الموازين، وبات الأزهر رهينة بيد العسكر، بعد أن تمّ تشويه فهم الدين وجوهره بطريقة ممنهجة. لقد بات الدين ورجاله في موقع المتّهم، حتى ولو كانوا في صفّ الحاكم المستبدّ ومن بطانته اللصيقة. وصل المستبدّ إلى حال من النشوة والشعور بالقوّة، بحيث أصبح يشعر بأنّه مصدر الشرعيّة، وأنه ليس بحاجتها من أية جهة كانت. كانت الديكتاتوريات تعقد تحالفاتها مع رجال الدين، كي تحظى بمباركتهم التي تُغنيهم عن متطلّبات الشرعية الانتخابية. أمّا الآن، وبعد أن بات التغلّبُ عنواناً أبدّياً للوصول إلى سدّة الحكم، والبقاء فيها، فلا حاجة لأيّة شرعيّةٍ من أية جهةٍ كانت.

يسير السيسي على خطى حافظ، وتسير مصر على خطى سورية، إن لم يستفق أهلها، وإن لم يتنبّهوا لما تخطّه لهم أيادي الفساد والاستبداد الملطّخة بالدماء.

تعليقات