الشرق الأوسط.. خطأ أميركي جديد

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

8/10/2014
العربي الجديد
المؤلف: 

يثير كلام الرئيس الأميركي، باراك أوباما، عن خطأ تقدير الاستخبارات الأميركية مخاطر "داعش"، القلق، أكثر ما يبعث على الطمأنينة، كما أنه ينثر مزيداً من الغبار على استراتيجية الإدارة الأميركية التي تطبقها في الحرب الحالية، سواء لجهة الحذر من استمرار البناء على الأخطاء نفسها في تقدير الموقف الأميركي، أو لجهة تأكد البعد التجريبي في السياسة الأميركية تجاه المنطقة.

وإذ يبدو الخطأ في التقدير أمراً غير مفهوم، على اعتبار أن وكالة الاستخبارات الأميركية تملك كل الإمكانات التي تبعدها عن مثل هذا الاحتمال، إن لجهة المعلومة الصحيحة التي يجري البناء عليها، لما للوكالة من مصادر موثقة ومعلومة عبر منظومة من العناصر البشرية والأقمار الصناعية، أو لجهة تحليل المعلومات وتقييمها، لامتلاك الوكالة كادراً احترافياً وخبيراً، ومن كل التخصصات، فضلاً عن ذلك، فإن الحالة وعلى الرغم من التعقيد الظاهري ودرجة التشابك الموجودة فيها، غير أن خطوطها واضحة، ولم يكن فيها أي عنصر مخفي، قد يتسبب بعملية التضليل. 

وفي الواقع، تفيد مراجعة تصريحات الساسة الأميركيين، وسلوكهم السياسي، طوال الفترة الماضية، من ظهور تنظيم داعش حتى إعلان الحرب عليه، أن الخطر الذي تم تقديره جرى حصر تعريفه في أضيق الأطر، وهو التهديد الداخلي للولايات المتحدة، وهذا يتفق تماماً مع السياسة الانسحابية التي كان يمارسها باراك أوباما، ما يعني أن نتائج التقديرات جرى تحريفها للتوافق مع المزاج الأميركي السائد حينها، بعد أن صار إلى تقييم أوزان متغيّراتها، انطلاقاً من درجة توافقها مع ذلك المزاج، واتخذت طابعاً رغبوياً أكثر منه عملياً، والدليل أن أوباما أبعد من دائرة صنع القرار سياسيين كثيرين، وجهوا له تنبيهات مختلفة، بشأن الوضع في سورية، والمخاطر التي ينطوي عليها، ما يعني، أيضاً، أن صانع القرار، ممثلاً بباراك أوباما، وربما دائرة ضيقة لديه، كانت بصدد صنع سياق سياسي، يتطابق مع توجهات الرئيس، حتى لو تعارض مع الوقائع. وفي هذه الحالة، نحن أمام فشل لصانعي السياسات، ومن تقع عليهم مسؤولية اتخاذ القررات الحاسمة، واختيار البدائل، وصناعة السياقات المناسبة لها، وفشل قدرتهم على الاستشراف، ورؤية الاحتمالات المستقبلية للمخاطر والفرص، ومسارات تطور الأحداث.

ثمة تفسيرات عدة، حملتها الردود على تصريحات أوباما، منها أنه يحاول تبرئة نفسه من هذا الخطأ الفادح، ومنها أنه يحاول إحراج وكالة الاستخبارات الأميركية لرغبته في تغيير مسارها والتدخل بعملها. ولكن، أياً تكن أسباب الرئيس، فإن اعترافه يطرح في الفضاء العربي سؤالين غاية في الخطورة: الأول، ما البدائل التي عملت عليها الإدارة الأميركية في الفترة ما بين تقييمها تدني الخطر وتصحيحها؟ وأين صبّت مخرجاتها؟ وما آلياتها؟ أما الثاني: ما هو التقدير الأميركي لإدارة الأزمة الحالية، أليس من الممكن انطواؤه على أخطاء محددة؟ تفتح الإجابة على هذه الأسئلة الباب على مصراعيه أمام سيل من الاحتمالات. لكن، قد يكون أكثرها قرباً لتفسير الحالة أن واشنطن كانت مشغولة بتصميم الواقع شرق الأوسطي، ليتحول إلى ساحة استنزاف لخصومها، وبالتالي، فإن جميع جهودها ومواردها الاستراتيجية كانت تعمل ضمن هذا السياق، وثمة ظاهرة محدّدة، كافية لتفسير ما سبق ذكره، وتتمثل بالإصرار العنيد والشخصي من باراك أوباما نفسه على منع دعم الجيش الحر في سورية.

لا شك في أن هذا الأمر كان سيعمل على تعديل المعطيات، وتغيير نتائجها، وتالياً، سيؤسس لسياق مختلف عن المسارات التي تطور في قلبها داعش. لكنها، في إطار تفضيلات أوباما، لم تكن قضية مهمة لعدم تأثيرها سلباً أو إيجاباً، في رؤيته المخاطر على الأمن القومي الأميركي، بمفهومه الضيق. ولا يبدو أن تقديرات إدارة الأزمة، ومساراتها العملانية، تحمل فوارق كبيرة، إذ كل المؤشرات تشير إلى بقائها ضمن إطار التعريف الضيق، وإن جرى فتح البيكار قليلاً تحت الضغوط، وتوسيع التعريف ليشمل نقاطاً بعينها (شمال العراق وجنوبه)، إضافة إلى أن الإجراءات تقتصر على إيجاد حلول جزئية للمشكلة، فهي، مثلاً، لا تهتم كثيراً بعملية غلق دائرة تغذية داعش، وتتركها مفتوحةً، طالما هي تدع إيران ونظام الأسد يقومان بحربٍ على المكون السني في المنطقة. لذلك، لن يفيد كثيراً استصدار قرارين من مجلس الأمن، لضمان وقف عمليات التمويل والتجنيد لداعش، إذ ثمة وسائل يمكن، من خلالها، الالتفاف على مثل هذه القرارات، منها العودة إلى الوسائل البدائية في التمويل والتنقل، وهي طرق لا تلمحها التقنيات الحديثة، وبعيدة عن أعين المراقبة. إضافة إلى ذلك، وعلى الرغم من أن استراتيجية أوباما تسعى إلى تحقيق أهداف جزئية، فإن النهج الذي تستخدمه يقوم على تدمير واسع في مختلف البنى، من أجل تدمير الجزئية الخاصة بعمل داعش، والتي قد تستخدم مواردها لضرب مصالح أميركا المحددة سلفاً؟ تماماً مثل الطبيب الذي يستأصل الزائدة الدودية، ولكن من الخاصرة المقابلة، بما يؤدي إلى تدمير كامل الأجهزة، وموت المريض الحتمي.

أسوأ ما في الخطة الأميركية أنها تعرّض مناطق كثيرة للخطر، وتضعها في عين الاستهداف، الأردن ولبنان، من دون الاهتمام بمصائرها، أو وجود خطة واضحة لتجنيبها المخاطر، ذلك أن انعدام المعالجات الشاملة مؤشر لنقص الرؤية الاستراتيجية، واعتمادها على زاوية نظر محددة، تناسب صانعيها، ولا تأخذ في الاعتبار واقع المنطقة وظروفها، في حين أن المنطقة، وبعد كل الكوارث التي عاينتها جراء السياسات التجريبية والخاطئة، لم تعد تملك فائضاً من الوقت والثروات، يعينها على احتمال تجريبيات جديدة، المؤكد أن الخطأ سيكون قاتلاً هذه المرة.