الشرق الأوسط عام 2015 كأوروبا عام 1914

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

12/10/2015
Slate
المؤلف: 

(ترجمة السورية نت)

مشاهدة الأحداث المتتالية في سورية يجعل من السهل إلى حد مخيف رؤية كيف تعثر نخبة من السياسيين في عام 1914 ودخلوا الحرب العالمية الأولى، وهم يعتقدون أنهم يناضلون من أجل مجموعة معقولة من المصالح الوطنية.

أوجه الشبه بعيدة كل البعد عن الدقة. فالتحالفات التي تربط بين اللاعبين في الشرق الأوسط اليوم ليست متشابكة كما كان الحال في أوروبا أوائل القرن الـ 20. وآلية تعبئة الحرب ليست صارمة. وبالطبع، فإن مثال الحرب العالمية الأولى الوقائي يلفت انتباه قادة اليوم: فهم يعرفون مزالق التصعيد والعواقب المأساوية للحرب غير المحدودة – على الرغم من أن الناس لا يهتمون دائماً بدروس الماضي.

مثل أوروبا منذ 101 عام مضى، فالشرق الأوسط اليوم في وضع خطير، مع العديد من وسائل الإشعال التي توفرها مجموعة من الأنظمة الضعيفة والميليشيات التابعة والثوار الذين يعملون بمفردهم على مختلف القناعات، وكل فصيل تم تأييده (أو تم تسليحه ومساعدته بشكل مباشر) من قبل قوى أكبر، وبعض هذه القوى اشتبك في حروب بالوكالة، وأخرى تم جرها إلى الحرب لتقارب الدوافع مع محاولتها مقاومة الجر الذي يجذبها إلى تدخل أعمق (مع فرص نجاح ضئيلة). الأمر لا يتطلب خيالاً جامحاً لتصور إشعال عود كبريت -  فهناك بعض الشبه المعاصر لعملية اغتيال أحد أمراء الأسرة الامبراطورية فرديناند.

ترتيب العناصر:

بدأ الرئيس أوباما بغارات جوية ضد "داعش" منذ عام مضى، مع النية في تركيز الجهود في العراق (والتي كان لها حكومة متحالفة ظاهرياً ومجموعة مألوفة من القادة العسكريين)، في حين وضع سورية (التي لا تملك الإثنين) على الرف الخلفي. وعندما أثبتت هذه الخطة عدم جدواها (لأن داعش متجذرة في سورية)، بدأ بتدريب وتجهيز بعض الثوار "المعتدلين"، فقط ليقول لحكام المنطقة السنة إنه كان يفعل شيئاً حيال سورية. وجاء هذا النهج بنتائج عكسية عندما ضُرب هؤلاء الثوار الذين دربتهم أمريكا في أرض المعركة، وربما جاء بنتائج عكسية أكبر هذا الأسبوع، عندما دمرت صواريخ كروز الروسية مستودع أسلحة لثوار تمولها وكالة المخابرات المركزية في جنوب سورية. كل هذا يضع أوباما في وضع حرج. فهل يجب أن يتراجع أو أن يدخل في حالة التريث والترقب لتجنب تصعيد الصراع، أم عليه الارتقاء إلى مستوى التحدي عن طريق سكب المزيد من الموارد في مهمة لم ير مطلقاً أنها حيوية بشكل خاص؟

الخيار الأول يخاطر فيه بتنفير الحلفاء الذين ينادون بالتزام ملموس من أمريكا (في حين أنهم في بعض الحالات يهربون من رؤية أطفالهم وهم ينزفون)؛ ويخاطر الخيار الثاني بالتحريض على الحرب مع روسيا.

أرسل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الطائرات والدبابات وربما قوات "متطوعة"، في الأسابيع الماضية، للمساعدة في دعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، حليفه السياسي العسكري الوحيد خارج الاتحاد السوفييتي السابق. وفي الأيام الأخيرة، ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك وأطلق صواريخ كروز – 26 صاروخاً في يوم الأربعاء فقط – من السفن الراسية على بعد 1,000 ميل، في بحر قزوين، والتي ذُكر أنها لم تضرب فقط القليل من أهداف "داعش" بل قصفت بعض جماعات الثوار "المعتدلة" التي كانت تدعمها الولايات المتحدة ودول أخرى في المنطقة.

ولكن بوتين، الذي يُصور غالباً على أنه ساحر استراتيجي (من قبل المشرعين الأمريكيين)، ربما يكون قد أوقع نفسه في ورطة. فعلى المستوى التقني فقط، لم يجر الجيش الروسي عمليات جوية أرضية منذ سنوات عديدة، وهناك بعض الأدلة على أنه لا يعرف كيف ينفذها. ذكرت قناة CNN يوم الخميس (وأكد لي مسؤول كبير في الإدارة) أن أربعة صواريخ كروز روسية سقطت في الأراضي الإيرانية في طريقها إلى سورية. ومن غير المعروف كذلك كم من الصواريخ الـ 22 الباقية قد ضربت فعلاً أهدافها داخل سورية، وكم منها قد انحرف ربع ميل أو نحو ذلك عن مساره. (بعض صواريخهم لديه أنظمة توجيه بدائية مقارنة مع النماذج الأمريكية الأكثر تطوراً الموجهة بالأقمار الصناعية). هل ستسقط بعض الصواريخ الروسية، التي ربما تطلق غداً، في قاعدة أمريكية في العراق؟ وماذا سيحدث بعد ذلك؟

من ثم، وكما يحدث غالباً مع روسيا في عهد بوتين، فهناك الألغاز المحضة. هذا الأسبوع، عبرت طائرتان روسيتان إلى المجال الجوي التركي – عمداً، حسبما يقول مسؤولو الدفاع الأمريكيون. اشتبكت واحدة من الطائرات في سلوك "استفزازي" مع الطائرات التركية التي سارعت إلى الهواء. وعلى الأقل اثنتان من الطائرات الروسية الأخرى كادت أن تصطدم بطائرة استطلاع أمريكية – واحدة ربما عن طريق الخطأ والأخرى في نية واضحة في التظليل على الطائرة. ماذا لو حدث هذا مجدداً وقام الأتراك بإسقاط الطائرة الروسية أو أسقط الروس طائرة تركية؟ تركيا ضمن حلف الناتو؛ ويمكنها استدعاء المادة 5 من نص المعاهدة والمطالبة بمساعدة الدول المتحالفة معها. احتمالات الأخطاء وسوء التقدير – أو الإهانات الغريبة المقصودة – تبدو بلا نهاية.

في 1 أكتوبر/ تشرين الأول، قدم مسؤولو البنتاغون لنظرائهم الروس "مذكرة تفاهم"، وُضع فيها ترددات اتصالات الطيارين الأمريكيين اللاسلكية وغيرها من المعلومات الأساسية لتقليل فرص تداخل عمليات الجانب الروسي مع عمليات الجانب الآخر. وهذا هو الإجراء المعتاد كلما اجتمع اثنان أو أكثر من البلدان – أصدقاء أو أعداء أو مهما كان – في المجال الجوي نفسه. ولكن إلى الآن، لم يأت الرد من الجانب الروسي.

تعليقات