رجل فقدناه: الشيخ الفاضل محمد سرور زين العابدين(رحمه الله)

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

29/11/2016
السورية نت

«لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى»، ونسأل الله أن يلهم أهله وإخوانه الصبر والاحتساب، فما عند الله خيرٌ وأبقى.

رحمك الله يا أبا عصام..

فلقد كنتَ رجلاً عصامياً، بكل معنى الكلمة..

كنت رجلاً خصّك الله بمعظم صفات الرجولة..

تلك الرجولة، التي لم تتنازل حتى عن بعض خصائصها في كل الظروف والأحوال..

كنت صادقاً مع نفسك.. واضحاً في مواقفك.. صريحاً، بعيداً عن المصانعة والمداهنة، مهما كانت دواعيها.

تعاطيت مع العملية السياسية لكنك لم تسقط في أوحالها، من المراوغة والكذب والمكر واللف والدوران والنفاق الاجتماعي.. ولقد دفعت ثمن ذلك كثيراً.

لقد حملت هموم بلادك، بلاد الشام، وكنت مسكوناً بها في كل الظروف والأحوال، رغم بُعدك عنها.. فأنت الحزين، دائم الحزن، فعلاً على ما لحق بها وأصابها.. لكن الأمل بموعود الله لم يغادرك لحظة واحدة، حتى عند الأنفاس الأخيرة لحياتك.

لم أكن قريباً منك في دمشق، وكل ما عرفت عنك أنك حادّ المزاج، صعب المراس.. وكنتُ أستغرب علاقتك الجيّدة والمتينة بشقيق زوجتي غسّان أبا زيد، رحمه الله، لما أسمع عن شخصيتك الصعبة (!) لكن لا يلبث استغرابي أن يتبدد؛ لأن غسّان، رحمه الله، كان شخصية رحبة، تسع الناس جميعاً.

كنت أتابع بعض ما تكتب في مجلة «السنّة»، التي أسستها في لندن، وأجد من الحدّة والصراحة وعدم المهادنة وقولة الحق، مهما كانت النتائج، الأمر الذي تسبب لك بعداوات كثيرة، وخاصة من الحكام الظلمة.

لقد قدمت إلى الدوحة، في قطر، وعندها بدأتُ أتعرف عليك عن قرب عندما بدأتني بالزيارة.. ولفت نظري أنك شخصية متفردة، عركتها الأيام والسنين، وأفادتها التجارب المريرة، التي مر بها العمل الإسلامي، وأن ما في ذهني عنك يحتاج إلى المراجعة والكثير من التصحيح.

رأيتُ شخصية واضحة، صادقة، كريمة، مرنة، قليلة الكلام، تحسن الإفادة من كل ما يُطرح، مسكونة بهموم سورية بشكل خاص والمسلمين بشكل عام.

واستمرت الزيارات بيننا، والمداولات بالشأن الإسلامي، والكثير من المناقشات في أكثر من مجال، فرأيتك رجلاً منصفاً، بعيداً عن الادعاء والانغلاق والتعصب وتفخيم الذات، حريصاً على الإفادة من كل لحظة.. وقد كانت تستوقفك بعض الأمور، التي أطرحها، وتطلب إليّ متابعة النظر فيها مستقبلاً.. ولم تزرني مرة -وغالباً ما تتم الزيارة بصحبة الأخ الأستاذ إسماعيل الكيلاني- إلا وتسأل عما عندي من جديد، وتطلب إليّ دائماً أن أتحدث إليك.

وللحق أقول: إن الكثير من الطروحات كانت نقدية للحال، الذي انتهى إليه أمر المسلمين عامة ومسلمي بلاد الشام خاصة والتي لم تكن بعيداً عنها، وأسباب ذلك، ومدى مساهمة القائمين على أمر المسلمين بشكل سلبي في ما يحصل للبلد، وسبل الخلاص؟

ولعل بعض النقد كان ينال من بعض توجهاتك وخياراتك، فكنت تستمع وتنصت ملياً، ولم أر لك أيّاً من حظ النفس، بل كنت تتقبل مني من النقد والتعريض ببعض المواقف ما لا يُحتمل إلا من رجل صادق مخلص، يتحرى الحقيقة.. وكنت أشعر بالمسؤولية الكبرى عن المناصحة؛ لأن الشيخ سرور، رحمه الله، كانت له بعض المجالات والعلاقات والتأثيرات، التي لا يمكن لي الوصول إليها والتأثير فيها.

وأذكر، فيما أذكر، أن أحد إخوانه وشركائه في خيار الطريق والعمل، الذي كان يجيء إلى الدوحة في فترات متباعدة، زارني في مكتبي، وبعد شرح وتفصيل لما هم عليه، بيّنت له ما أعتقد من الخطأ والمجازفة، وخطورة السير في هذا الخيار، وأهمية الاعتبار بالماضي، القريب والبعيد، وختمت قولي معه بأن السير في هذا الطريق، أو هذا الطريق لا يصلح لي ولا أصلح له، وما عليّ في ذلك إلا المناصحة.

والحقيقة أن الرجل بعد أن عرف موقفي لم يتغير عما كان عليه قبل هذا الموقف، بل بالعكس كان ذلك ملفتاً له، منسجماً مع شخصيته، زاد من محبته وعلاقته، وطلب استمرار وتقديم النصح له.

وأذكر، أيضاً، أنه كان من جملة إصداراتي كتاب أو كتيب بعنوان: «الخطاب الإسلامي.. وقفة للمناصحة».. والكتيب يمكن تصنيفه في مجال النقد القاسي لكثير من المفاهيم والممارسات الشائعة وألوان الفهم الأعوج والتدين المغشوش.. والأمر الملفت أنه أحسن استقبال الكتاب، وليس ذلك فقط وإنما أرسله إلى الداخل السوري لتعميم الفائدة منه.

ولقد وصل الكتاب فعلاً لأصحاب الشأن، وجاءت تعليقات على هوامش الكتاب في غاية الدقة والفهم، فأرسلها إليّ، فاطمأننت على أن هذه الأمة لا تخلو من الخير، مهما عدت عليها عوادي الدهر.. وكان يطلب إليّ أن أستزيد في تزويده بمثل هذه القضايا ليقوم بإرسالها، لحرصه على الإفادة منها.

ولقد أهديته، في إحدى زياراته لي، آخر إصدار، وهو كتيب بعنوان: «إنسان القرآن: أنموذج إقامة العمران وبناء الحضارة»، فأمسك به، وتأمل في عناوين بعض القضايا المطروحة، وعاود التأكيد عليّ بالمتابعة لمثل هذه القضايا والمشكلات، التي يعزوها الكثير من النظر والتدقيق والدقة.

وأذكر في آخر زيارة، أكد حرصه على مجالستي وزيارته، فقلت له: الذي يمنعني ما تعاني من المرض.. فقال: أنت تأتيني كلما رغبت، مهما كان حالي؛ لأني أستمتع بالجلوس معك والاستماع إليك.. فقلت: إن شاء الله.. لكن الله شاء أن لا أراه بعدها.

وكنتُ كلما زرته أذكر له قول الرسول صلى الله عليه وسلم: أَشَدُّ النَّاسِ بَلاءً «الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ».. وكنت أقول له: أنا لي رأي في مصطلح «الأَمْثَل»، ذلك أن الحياة فيها كثير من البلاءات والمحن، لذلك الناس بحاجة إلى المثل والقدوة في التحمل والصبر والشكر، وذلك بعض معاني «الأَمْثَل»، وهو الذي يعطي أنموذجاً ومثالاً وقدوة للناس.

وقد تعاظم مرضه، وكثر تردده على المستشفى، فعرضت عليه بعض المساعدة، فرد برفق قائلاً: تأكد أنك سوف تكون من أول من أطلب إليه عند حاجتي لذلك.

لقد أضناه المرض، وكان صابراً محتسباً.. ومن نعمة الله عليه أن وعيه كان كاملاً، وذاكرته يقظة حتى اللحظات الأخير من حياته.. وكنت أزوره كلما سنحت لي الفرصة، أو كان مرضه يسمح بذلك.

كان عزيز النفس، كريماً، يقدم كل ما يستطيع لمساعدة الناس، ويسعى في تحقيق منافعهم.. يغلب عليه طابع الزهد عما في أيدي الناس، والتعفف الملفت.

كان مستحضراً لتاريخ بلاد الشام، وخاصة سورية، وكانت مكتبته زاخرة بسير السياسيين وأصحاب الشأن في البلد، بمختلف مشاربهم، وتحتوي على معظم مذكراتهم.

وكان لا يمنعه من قولة الحق حبه للأشخاص أو احترامه لهم، حتى ولو كانوا من رموز العمل الإسلامي.. فالحق أحبّ إليه من الحب والصداقة.

رحمك الله يا أبا عصام، وأعلى مقامك في الآخرين، وجزاك عن أمتك خير الجزاء.

فلقد أبصرتَ بوعيك للتاريخ واستيعابك للواقع واستشرافك للمستقبل الدور الخطير القادم للباطنية والطائفية، وكنتَ صوت النذير، لعل بني قومك يأخذون حذرهم، لكنهم غفلوا.

فالكثير من الزعامات أذلتها شهوة السلطة والثروة، فأعمت أبصارها، وعطلت حواسها، وأماتت إحساسها...

حتى بعض المشايخ، الذين كان ديدنهم طوال حياتهم الحشد والتجميع للوصول إلى الرئاسة والزعامة، سقطوا في فخاخ الغفلة، وتحول الجميع إلى وسائل وأدوات مكّنت للحكم الباطني والطائفي، وصارت أعمالهم حسرات عليهم، وبدل أن يعتبروا بالتاريخ أصبحوا عبرة للتاريخ.

وبقيتَ تتجرع الآلام..

وكان ذلك المرض الحقيقي، الذي كنت تعاني منه.

وبعد:

فشكر الله لدولة قطر، التي عرفت قدر الرجل، وأكرمته، أيّما إكرام، وجزاها الله خيراً.

ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: فـ «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ».

تعليقات