الصحفي الذي قابل الأسد: أوهامه تمنعه من إنهاء الحرب

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

1/2/2015
The Washington Post

(ترجمة السورية)

في الأسابيع الأخيرة، بدأت الحكومات الغربية بتغيير مواقفها حول سورية، ويبدو أن إدارة أوباما قد تخلت عن مطلبها باستقالة الرئيس بشار الأسد كشرط مسبق لمحادثات السلام. أفادت التقارير أنها قد دعمت عروضاً تسمح للأسد بالبقاء كجزء من اتفاق مؤقت. إن هذا النهج الجديد يشير إلى أن البيت الأبيض وحلفاءه يعتقدون أن الرئيس السوري قد يكون مستعداً للتوصل إلى تسوية لإنهاء حرب بلاده الأهلية التي مرت عليها أربعة أعوام.

قابلت الأسد في العشرين من كانون الثاني في دمشق، وقد كانت هذه هي المقابلة الأولى التي يجريها مع صحفي أمريكي منذ عام 2013، وإن كان هنالك استنتاج واحد واضح من حديثنا، فقد كان هذا: إن مثل هذه الآمال ما هي إلا خيال، سطحياً، قال الأسد العديد من الأشياء الصحيحة، وبدا مداهناً وتواقاً لمشاركة الحكومات الغربية في صراعه ضد الإرهاب الإسلامي، ولكن أسفل تلك الكلمات الجميلة، لازال يفتقد اليوم إلى التوبة والمرونة كما كان في بداية الحرب الأهلية السورية منذ أربعة أعوام مضت. الأسد يبدو وكأنه لا يملك أية فكرة عن مدى سوء الحرب الجارية، وكم تبدو عروضه واهية وكم كانت اقتراحاته التي دعا إليها تبدو فارغة، مما يعني أنه مهما كان ما تمناه القادة الغربيون، فإن القتال في سورية سينتهي بإحدى هاتين الطريقتين: إما سيهزم الأسد الثوار، أو أن الثوار سيهزمونه، وسيعلقونه من أصابع قدميه.

إن زيارة سورية اليوم تعد تجربة غريبة ومقلقة. إن دلالات الحرب في كل مكان. دمشق محاطة بجبال ذات قمم مغطاة بالثلج وبحلقات متمركزة من نقاط تفتيش الجيش، يقف عندها جنود مضطربون غير واثقين من كيفية التعامل مع أمريكي وحيد – لقد سافرت دون حراسة واستأجرت سائقاً محلياً – (كان بعضهم غير مبالين، وآخرون كانوا عدائيين، وأحدهم أمسك يدي وقال: "جيش الجمهورية العربية السورية يحب الصحافة الأمريكية!"). معظم المباني تمت حمايتها بحوائط إسمنتية عالية، ونصبت أبراج مخططة باللونين الأحمر والأبيض فوق التقاطعات، وعلقت صور للأسد وهو يرتدي النظارات الشمسية وفي لباس عسكري أسود على أعمدة الإنارة، وملأ عمال الإغاثة التابعين للأمم المتحدة الفنادق، وترددت أصداء القذائف والمدفعية وضربات الهاون من الجبهة التي تبعد أميالاً قليلة فقط.

لكن وعلى الرغم من الحصار، إلا أن المقاهي والأسواق مليئة بالناس، وتزدحم الشوارع بعائلات خارجة للتسوق، وبطلبة متجهين إلى المدارس، وبمئات آلاف النازحين الذين ضاعفوا عدد سكان المدينة منذ بدء الحرب.

ولكن المشهد الأكثر نشازاً يمثله الرجل المسؤول عن كل هذا. إن الأسد رجل طويل نحيل يشبه الطيور، مع ذقن ضعيف، لا يشابه مطلقاً الصورة الهوليوودية للمستبد المجرم. من اللحظة التي حياني فيها – بابتسامة ومصافحة وقهقهة عالية النبرة – في مكتبه الخاص، دخلت إلى أرض خيالية من مخيلة الدكتاتور.

قد يكون بلده مشتعلاً، ولكن كل تلك التعاسة تتلاشى على عتبات فيلا الرئيس ذات الطابع اليوناني، الواقعة على تل فوق المدينة. احتوى الجناح المترف ذو الطابع الحديث على جهاز iMac ضخم على المكتب، وعلى تمثال لكنيسة وينسمستر على المنضدة (قد يكون كتذكار من الأعوام التي قضاها وهو يدرس طب العيون في بريطانيا، وهو ما يبدو غير مناسب الآن بعد أن دعا رئيس الوزراء ديفيد كاميرون الأسد "بالفاقد تماماً للشرعية"). كل شيء كان مصمماً ليظهر هالة من الكياسة المرموقة، مع الكابيتشينو الذي عرضه علي الرئيس المرتدي لملابس باهظة الثمن، وقد كان الرجل نفسه مرحاً ومهذباً ومرتاحاً تماماً.

وقد كان ماهراً بشكل مقلق في تقديم نفسه كطرف عاقل ومنطقي، فإن انتقاداته للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط على سبيل المثال، يشاركه فيها العديد من اليساريين في الغرب. إن دور الولايات المتحدة ــ كما قال لي ــ يجب أن يكون "للمساعدة على تحقيق السلام في المنطقة، ومحاربة الإرهاب وتعزيز العلمانية، ودعم المنطقة اقتصادياً "لا" لشن الحروب، فإن شن الحروب لن يجعل منك قوة عظمى".

ولكن وراء هذه الحكم النيرة والشارب الذي لا يكاد يلاحظ، هناك رجل عنيد ومخادع للغاية – أو متوهم – إلى حد أنه من المستحيل تصور قيامه بالتفاوض لتحقيق نهاية منصفة في حرب سورية الأهلية.

لقد أوضح الأسد ذلك بعدة طرق، فهو كمحاور فطن وماكر، يربك محاوريه بحديث يمزج بين الخطاب العاقل والأكاذيب الصارخة، وغالباً ما يقوم بذلك في جملة واحدة. على سبيل المثال، بعد أن صرح (عقلانياً) معيداً صياغة عبارة كلاوزفيتز، أنه لن يستطيع مطلقاً تحقيق الانتصار عسكرياً ــ بما أن "كل الحروب في كل مكان في العالم انتهت بحل سياسي" – أصر بعدها على أن "الشعب السوري لازال مع وحدة سورية، ولا يزال يدعم الحكومة". إن هذا التحليل، نظراً إلى أن محنة البلاد بدأت عندما قام هو بقمع المظاهرات الواسعة بهمجية خلال الربيع العربي، مما أشعل ثورة شعبية، ليس بالإمكان تصديقه على الإطلاق، خاصة وأن جيشه الآن يعاني من حالات فرار جماعي، والمظاهرات الحديثة في حمص وطرطوس تظهر أن طائفة الأسد العلوية بدأت بالانقلاب عليه.

وبشكل مماثل، عندما سألته حول الدراسات المستقلة التي تبدي أن حكومته تسيطر الآن على 45 إلى 50 بالمائة من البلاد فقط، ذكرني الأسد (بعقلانية) أن حرب سورية لا تدور "بين بلدين وبين جيشين، حيث ستحصل غارات وستفقد بعض الأراضي التي تريد استعادتها". ولكنه أصر بعدها (بلا منطق) على أن جيشه لازال الأقوى وأنه نجح في الوصول إلى كل مكان أراده، متجاهلاً أن قواته لم تستطع طرد الثوار من حلب على سبيل المثال، لثلاثة أعوام حتى الآن.

إن استمرار الأسد بالمزاوجة بين المنطقي والمنافي للعقل كان خدعة خطابية بارعة، فقد جعلته يبدو أكثر مصداقية عند المحاور، وزادت قناعته المطلقة التامة بكلامه من هذا الأمر، وهذا يجعل رئيس سورية إما كاذباً متمكناً للغاية – وفي هذه الحالة لا يكون سوى معتل اجتماعي – أو أنه بالفعل يصدق أكاذيبه، وفي هذه الحالة يكون شيئاً أخطر بكثير (كمختل متوهم)، ويكون السؤال هنا: لم قد يقوم أبداً بعقد اتفاق لإنهاء حرب يعتقد أنه يربحها؟

لايزال الأسد ينكر أن عليه الاعتذار عن أي شيء على الإطلاق، على الرغم من رئاسته لصراع وحشي التهم بلاده، وقتل حوالي 200,000 شخص، وأدى لتشرد أكثر من 7 ملايين، وقاد لتقسيم سورية إلى ثلاث دول طائفية صغيرة، فهو يصر على أنه لا يستطيع تذكر ارتكابه لخطأ واحد: "سيكون علي مراجعة المسؤولين على الأرض"، حسبما أخبرني، "لا يخطر على بالي شيء". الرجل المسؤول عن التعذيب الجماعي للآلاف وعن استخدام الأسلحة الكيميائية والبراميل المتفجرة على المدنيين يقول أن هذه الحوادث لم تحصل مطلقاً، وكل الدلائل تم تلفيقها من قبل أعدائه، حسبما أخبرني. "كلها ادعاءات دون أدلة"، مولتها قطر، كما شرح لي. فما الذي سيندم عليه؟

مثل هذه المواقف لا تدل على استعداد للتسوية.

حتى في حديثه عن المفاوضات الحالية التي تقودها الأمم المتحدة وروسيا، فعندما سألت الأسد حيال التنازلات التي قد يقبل بتقديمها للمساعدة على نجاح المفاوضات، راوغ إما عن طريق نفيه لقيمة إجراءات بناء الثقة ("إنها ليست علاقة شخصية.... ليس عليك أن تثق بشخص ما")، أو أنه رفضها صراحة. عندما اقترحت تبادلاً للأسرى، سخر من الفكرة.

في حين تخلى عن إصراره الدائم على إلقاء الثوار لأسلحتهم كشرط مسبق للمحادثات – قائلاً لي: "سنقابل الجميع، ليس لدينا أي شروط" – شكك مراراً أيضاً بوجود أي معارضة حتى للتحدث معها. عندما سألته إن كان سيوافق على أي اتفاق لتشارك السلطة، قال نعم ولكنه أصر على أن أي اتفاق كهذا يجب أن يقرره استفتاء شعبي. وهذا بالطبع، يستبعد واقع أنه ليس بإمكان دولة مقسمة (يحكمها طاغية "ربح" فترة رئاسية أخرى بنسبة تصويت وصلت إلى 89 بالمئة) أن تقيم استفتاءاً عادلاً، لذا فلا مجال لتحقيق مثل هذا الاتفاق.

في بداية لقائنا، أشار الأسد إلى أنه قرر إجراء المقابلة الآن (التي طلبتها عام 2013) لأن الهجمات الإرهابية الأخيرة في باريس قدمت له فرصة جديدة للتأكيد على القضية التي دافعت عنها حكومته منذ أعوام، أنه والغرب يحاربون العدو ذاته، أي التطرف الإسلامي، وكالحلفاء الطبيعيين يجب عليهم أن يضموا قواتهم.

لكن ومن خلال كلامه كله عن الكياسة والمصالح المشتركة – بعد أن نتجاوز مراوغاته وخدعه ومنطقه – أوضح الأسد أنه لن يقدم أي تنازل لجمع الأطراف معاً، فبعد كل شيء، لا يستطيع المستبد تخيل سوى طريقة واحدة لانتهاء الصراع، كل أعدائه، في المنطقة وفي الغرب، يجب أن يذعنوا وأن يعترفوا بمزايا حججه المختلة، وإلى ذلك الحين، سيستمر بالقتل.