الصراع على إيران

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

30يونيو/حزيران 2019
العربي الجديد
المؤلف: 

يحجب دخان الأزمة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران صراعاً أكبر يجري في بنية النظام الدولي بين القوة الكبرى الساعية إلى المحافظة على مكانتها فيه (الولايات المتحدة) وتلك الساعية إلى تغييره (روسيا والصين وإلى حد أقل الهند) وثالثة متضرّرة من سياسات الإدارة الأميركية الحالية (ألمانيا وغيرها). الأزمة التي استجدت أخيراً والتي تبدو محاولة أميركية لاحتواء إيران، ليست، في حقيقتها، سوى بوادر معركة شرسة خرجت إلى العلن، وتوشك أن تجعل من إيران ساحة تنافس كبرى بين القوى الطامحة في النظام الدولي.
تعد إيران من أهم دول المنطقة، وهي تصنّف من بين القوى المتوسطة في النظام الدولي (middle power)، وتأتي في المرتبة 18 بين دول العالم من حيث المساحة ( 1.648 مليون كم2)، وفي المرتبة 17 من حيث عدد السكان المقدر بـ 82 مليون نسمة. ويضفي موقعها الجغرافي الفريد في غرب آسيا بين مثلث قوى صاعد، ممثل في الصين وروسيا والهند، أهمية متزايدة عليها، فضلاً عن امتلاكها احتياطات هائلة من الطاقة (رابع احتياط نفط في العالم والثانية في احتياطات الغاز)، وذلك كله يعزّز اهتمام هذه القوى بها، ويجعل كسبها ضرورة لاكتمال مشاريع صعودها.
ليس التنافس على إيران بالأمر الطارئ أو الجديد، فمنذ منتصف القرن التاسع عشر صارت إيران، خصوصاً بعد أن خسرت حروبها مع روسيا، وفقدت لها أقاليمها في جنوب القوقاز (أرمينيا – أذربيجان وجورجيا) ساحة صراع رئيسة بين الإمبراطورية البريطانية التي تخشى تمدّد روسيا تجاه الهند، والإمبراطورية الروسية التي كانت تخشى طموحات بريطانيا في آسيا الوسطى، في إطار ما كان يُسمّى حينها بسياسة اللعبة الكبرى. خلال الحرب العالمية الثانية غزت بريطانيا وروسيا إيران وتقاسمتاها، بعد أن كادت تظفر بها ألمانيا، نتيجة تعاطف الشاه رضا بهلوي مع النازية. وقد استقر الأمر في نهاية المطاف للولايات المتحدة التي استأثرت بإيران، وجعلت منها دولة زبائنية (Client State) بعد إطاحة نظام رئيس الوزراء مصدق وإعادة الشاه عام 1953. 
على هذه الخلفية، تبنّى آية الله الخميني شعار "لا شرقية ولا غربية"، والذي صار بمثابة عقيدة رسمية للجمهورية التي أنشأها خلال العقود الأربعة الماضية، لكن هذه الحقبة توشك أن تنتهي نتيجة التغير الكبير الذي طرأ في بنية النظام الدولي، خصوصاً خلال العقد الماضي، والمتمثل بصعود الصين السريع وتقاربها المتزايد مع روسيا، وتحدّيهما معاً أسس النظام الليبرالي الدولي ودور أميركا المهيمن فيه. هذا التحول المهم محض إيران وضعاً استثنائياً، وجعل منها بيضة القبان في هذا الصراع الكبير، ما أجّج المنافسة عليها، ومثّل عاملاً حاسماً لجهة إشعال الأزمة الراهنة في الخليج، ما يعني أن هذه الأزمة غير مرتبطة على ما تظهره الوقائع بالديناميات الإقليمية وعلاقات القوة السائدة في المنطقة، على الرغم من أهميتها، بل مرتبطة أكثر بما يجري على المستوى الأعلى في النظام الدولي، خصوصاً بين الولايات المتحدة والصين، وروسيا، وإلى حد أقل الهند وألمانيا واليابان.
تتفق النخبة السياسية الحاكمة في واشنطن من الحزبين على أن استعادة إيران إلى المعسكر الأميركي تعد عاملاً حاسماً في تمكين الولايات المتحدة من استرداد زمام المبادرة في علاقاتها بمنافسيها الدوليين، ليس على مستوى منطقتي الخليج والشرق الأوسط فحسب، بل في إطار اللعبة الدولية الكبرى. إذ يؤثر موقع إيران وتموضعها في الصراع الدولي الدائر مباشرة في قدرة الولايات المتحدة على الاحتفاظ بتقدّمها على الآخرين، وبقائها في قمة هرم النظام الدولي، وكذلك في مساعي الآخرين إزاحتها عنها والصعود إليها. وتدرك الولايات المتحدة أن إيران لعبت دوراً رئيساً في تمكين روسيا، بتكاليف غير كبيرة، من استعادة دورها على الساحة الدولية، من البوابة الشرق أوسطية، فقد استطاعت روسيا أن تمتطي المشروع الإيراني، ومن خلاله حققت زيادةً كبرى في نفوذها الإقليمي في سورية، ولبنان، والعراق، وحتى في اليمن. كما استثمرت روسيا في نفوذها على إيران لتوثيق علاقتها بإسرائيل التي باتت تعتمد على روسيا في احتواء إيران أكثر من اعتمادها على واشنطن.
استعادة إيران، بالنسبة لواشنطن، تعني توجيه ضربة كبيرة لروسيا، ليس على صعيد نفوذها السياسي والدبلوماسي فحسب، إنما أيضاً على صعيد مكانة روسيا في سوق الطاقة الدولية، خصوصاً في أوروبا. وتعد إمدادات الطاقة من أهم أدوات النفوذ الروسي، ومن مظاهر قوتها الرئيسة أيضاً، ولذلك تعد خطوط نقل الطاقة والسيطرة عليها من الموجّهات الكبرى في السياسة الخارجية الروسية، ولعبت دوراً رئيساً في دفع موسكو إلى التدخل في أوكرانيا وسورية، ومحاولة التمدّد إلى لبنان وقبرص واليونان ومصر وإسرائيل. وتعد إيران بديل روسيا الوحيد الممكن بالنسبة لسوق الطاقة الأوروبي، بسبب احتياطات إيران الكبيرة من الغاز والنفط، وقربها من أوروبا، إذ لا يفصل بينهما إلا تركيا، وهي البوابة نفسها التي تعتمدها روسيا أيضاً للوصول إلى السوق الأوروبية عبر خط السيل التركي الذي دشنه بوتين مع أردوغان في ديسمبر/ كانون الأول 2018. ويعد بقاء الوضع الحالي مثالياً بالنسبة لروسيا، أي بقاء إيران تحت الحصار عاجزة عن تصدير نفطها، وغير قادرة على تطوير مواردها من الغاز الطبيعي، وفي حالة عداء أيضاً مع واشنطن. من هنا، ترى واشنطن أن استعادة إيران تمثل ضربة اقتصادية وجيوسياسية كبرى لروسيا، تعيدها إلى حيث كانت دولة إقليمية بطموحات عالمية.
ولا تقل أهمية إيران بالنسبة للصين عن أهميتها بالنسبة لروسيا، وتمثل مساعي استعادتها إلى دائرة النفوذ الأميركي ضربة قاضية لطموحات الصين العالمية، فالصين التي غدت مصنع العالم ترى في إيران محطة وقود رئيسة لمحرّكات صناعتها المتنامية، لا بل يربط استراتيجيون صينيون صعود بلادهم إلى موقع القوى العالمية الكبرى ببقاء إيران حليفاً وبعيدة عن النفوذ الأميركي، الذي يسيطر على طرق نقل الطاقة البحرية، وحتى فرض العقوبات الأميركية أخيراً كانت الصين أهم المشترين للنفط الإيراني، ولشركات الصين النفطية أيضاً استثمارات كبرى في قطاع البتروكيميائيات وشبكات الغاز الطبيعي الإيرانية، وتعد إيران من جهة ثانية جزءاً رئيسياً في مبادرة الحزام والطريق الصينية التي تنظر لها واشنطن باعتبارها مشروع هيمنة سياسية صينية بغطاء تجاري واستثماري، وسقوطها في دائرة النفوذ الأميركي لن يعطّل فقط الطريق البرية الأهم لهذا المشروع، والتي تمر بألمآتا، بشكيك، سمرقند، دوشانبيه، طهران، اسطنبول، ثم تعرج شمالاً نحو موسكو وتنتهي في روتردام، بل سوف يغلقها تماماً ويقضي على جوهر المشروع الصيني الهادف إلى تجنب الطرق البحرية الذي تسيطر عليه واشنطن.
انسحاب إدارة الرئيس ترامب من الاتفاق النووي، وإعادة العقوبات على إيران، لم يستهدفا مصالح خصومها فحسب، بل قطع الطريق على الحلفاء الطامحين في إيران أيضًا، مثل ألمانيا والهند واليابان، وكانت ألمانيا أولى ضحايا السياسة الجديدة، إذ فقدت برلين، نتيجة العقوبات الأميركية، عقوداً بعشرات مليارات الدولارات، وخسرت نفوذاً سياسياً متصاعداً في إيران، عماده شركاتٍ مثل سيمنس وديملر، وفولكسفاغن، ودويتشه بنك وغيرها، وكانت تعد بإحياء العلاقات التاريخية الممتدة بين البلدين منذ أواخر القرن التاسع عشر. وقد أثرت الضغوط الأميركية على مصالح الهند أيضاً التي تنظر إلى إيران باعتبارها ممرّها الرئيس الذي تستطيع عبره تجاوز الكوريدور الصيني - الباكستاني للوصول إلى أوروبا، لكن واشنطن راعت المصالح الهندية في مواجهة الصين، عندما استبعدت ميناء تشابهار الإيراني الذي بنته الهند، ليكون منافساً لميناء غوادر الباكستاني الذي بنته الصين من نظام العقوبات على إيران.
فوق ذلك، يبدو أن نجاح إيران في اقتناص الفرص والاستثمار في أخطاء الآخرين، لتعزيز نفوذها الإقليمي في المنطقة لفت انتباه القوى الكبرى أكثر إليها، وزاد من التنافس عليها، اعتقاداً بأن موقعها في أي من الاصطفافات التي تتبلور اليوم في النظام الدولي سيؤدي إلى تغييرات كبرى في بنيته وموازين القوى فيه، فمن يكسب إيران يكسب نفوذها الإقليمي أيضاً، كما فعلت روسيا في سورية. وإذا فاز ترامب بها كما يشتهي، من خلال تفاهم معها، أو عبر تغيير نظامها، فهذا يعني أنه وجه ضربة كبرى لمشاريع الصين وروسيا في المنطقة والعالم، واستعاد الهيمنة الأميركية في المنطقة إلى ما كانت عليه قبل غزو العراق، هذا ما حاول أن يفعله الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، إنما بطريقة مختلفة، عندما توصل إلى الاتفاق النووي، وبدأ انفتاحاً على إيران، كان يأمل أن يفضي، في نهاية المطاف، إلى تغيير طبيعة العلاقة   معها وتحويلها على المدى البعيد إلى حليف يمكن الاعتماد عليه، بعد أن اتضح له "بؤس" العرب والأتراك. وهناك تيار عريض في دوائر الفكر والسياسة في واشنطن ينظر إلى إيران باعتبارها الحصان الرابح في الصراع الدائر في الإقليم، ويرى أن استعادة أميركا علاقتها بها كما كانت عليه أيام الشاه سوف يكون لها تأثير كبير في موازين الصراع مع الكبار الآخرين في النظام الدولي. تدرك الصين وروسيا هذا الأمر جيداً، وتبذلان ما في وسعهما لإفشال مساعي واشنطن تغيير اتجاهات السياسة الإيرانية، سلمًا أو حربًا، هذا يعني أن المعركة على إيران في جوهرها معركة على السيادة العالمية، ولذلك ستشتد المنافسة عليها في قادم الأيام، بغض النظر عمن يمسك بقبضة السلطة في واشنطن، ومواقفه السياسية والحزبية، لكن هذا يعني أيضاً أن على الإيرانيين أن يشدّوا الأحزمة، ويستعدّوا للأسوأ، إذ توشك أن تتحول بلادهم من لاعبٍ إلى ساحة لعبٍ، بعد أن استمرأوا اللعب في ساحات الآخرين.